روضة رضوان
في شتاءٍ قاسٍ من سنوات الثورة السورية الأولى، كانت مدينة سراقب تستقبل عشرات العائلات الهاربة من معرّة النعمان بعد القصف العنيف الذي تعرّضت له المدينة.
كان الناس يصلون مرهقين وخائفين، يحملون أطفالهم وما استطاعوا حمله من بيوتهم، بينما افترش بعضهم الشوارع بانتظار العثور على مأوى يحميهم من البرد.
كنت يومها أركض وحدي بين البيوت والأحياء، أبحث عن أيّ منزل فارغ يمكنه أن يؤوي عائلة نزحت من الموت. أطرق الأبواب وأطلب من الناس المساعدة، ثم أعود لأجمع البطّانيات والطعام وكل ما يمكن أن يخفّف قسوة الشتاء عن هؤلاء المنهكين.
لم يكن الأمر سهلاً، لكنّني كنت أشعر أنّ واجبي الإنسانيّ أكبر من خوفي أو تعبي.
لاحقاً، ساعدني بعض عناصر فصيل علي بن أبي طالب، ولم يتركوني وحدي في العمل، فقد كنت أعمل معهم كناشطة إعلاميّة، وكانوا يلبّون أي طلب للمساعدة أو النقل أو تأمين الاحتياجات الأساسية للنازحين.
وبعد أيّام من العمل المتواصل، جاء اليوم الذي لا أزال أذكر تفاصيله حتى الآن وكأنه حدث بالأمس.
كنت أجلس في مكتب أحد الأصدقاء المحامين قرب المركز الثقافيّ في سراقب، حين دخل شابّ بشكل مفاجئ، ودون مقدمات، قال بعفويّته المعهودة:
“وينك يا بنت الحلال؟ تعبت وأنا أدوّر عليك في سراقب… يلا، أبو صلاح بدّو ياكي هلق.”
تفاجأت يومها من طريقته المباشرة. كنت أعرفه معرفة بسيطة فقط، ولم يكن بيننا أي حديث سابق. سألته باستغراب إلى أين يريد أن يأخذني، ومن يكون أبو صلاح، ولماذا يبحثون عنّي أصلاً، لكنه لم يعطني فرصة لكثير من الأسئلة، وأصرّ أن أرافقه فوراً.
ضحكت وقتها من غرابة الموقف، ثم ركبت معه على الدرّاجة الناريّة، دون أن أعرف أن تلك الرحلة القصيرة ستكون بداية صداقة طويلة مع شابّ اسمه وثّاب.
في ذلك المكتب الصغير، اجتمعنا أنا ووثّاب وأحمد الحنش وأبو صلاح الحوت، واتّفقنا على بدء عمل إغاثيّ منظّم لمساعدة العائلات النازحة التي لجأت إلى سراقب بعد تدمير مدنها وقراها.
ومنذ ذلك اليوم، بدأنا نعمل كفريق واحد.
كنا نجمع التبرّعات من أهالي المدينة والتجار، ثم ننقل المواد إلى مستودع صغير حيث نقوم بفرزها وتقسيمها إلى حصص متساوية قبل توزيعها على العائلات المحتاجة. وبعدها نخرج بسيّارتنا للبحث عن أماكن وجود النازحين.
كنّا ندخل إليهم بهدوء، نحاول التعرّف على احتياجاتهم دون إحراجهم، ثم نغادر بينما ترافقنا دعوات الأمّهات وكلمات الامتنان من كبار السنّ.
ورغم قسوة تلك الأيام، أشعر اليوم أن أجمل ما فيها كان ذلك الشعور الصادق بأننا نحاول حماية الناس بما نستطيع.
لكن الحرب كانت تتغيّر سريعاً.
بعد فترة، بدأ بعض الانتهازيّين بالدخول إلى العمل الإغاثيّ، وتحوّل ما بدأ كمبادرات إنسانيّة صادقة إلى وسيلة للربح والنفوذ عند البعض. انسحبنا أنا ووثّاب بهدوء من ذلك العمل، لكننا لم نترك الثورة ولا فكرة مساعدة الناس.
ومع دخول الفصائل المتشدّدة إلى المنطقة، أصبحت الأوضاع أكثر خطورة. فجأة أصبح كثير من الناشطين والإعلاميّين مطلوبين ومهدّدين، ومن بينهم نحن.
خرجت أنا إلى حلب ثم إلى تركيا هرباً من تلك الجماعات، وبعد فترة التقيت بوثّاب مجدداً في تركيا. كان خائفاً ومتعباً مثل الكثيرين منّا، لكنّني شعرت يومها أنّ الخطر ما زال قريباً منه.
طلبت منه أن لا يعود إلى سوريا.
قلت له إنّ الوضع لم يعد آمناً، وإنّ الكثيرين قد اختفوا أو قُتلوا أو اعتُقلوا، لكنّه لم يستطع الابتعاد طويلاً. كان يشعر دائماً أنّ مكانه هناك بين الناس الذين أحبّهم وخدمهم.
عاد وثّاب إلى سراقب.
وبعد أيّام قليلة من عودته، خرج إلى معبر باب الهوى لاستلام سيارة محمّلة بحليب الأطفال وبعض المساعدات الماليّة لتوزيعها على الأهالي المحتاجين.
لكنّه لم يعد.
علمنا لاحقاً أنّ إحدى الفصائل المتشدّدة قامت باعتقاله مع من كانوا معه، بمساعدة أشخاص مقرّبين منه. وبعد أيّام أُطلق سراح الآخرين، بينما بقي وثّاب وصديق أجنبيّ كان برفقته مجهولَي المصير.
ومنذ ذلك اليوم، اختفى أثره تماماً.
أحد عشر عاماً مرّت حتى الآن، وما زلنا نجهل أين ذهب، وما الذي حدث له، وهل ما زال حيّاً أم أصبح رقماً آخر في قائمة السوريّين المغيّبين قسراً.
كان وثّاب يقول لي دائماً: “لا تثقي بأحد بالكامل… نحن في زمن لا نعرف فيه من معنا ومن ضدنا.”
يومها كنت أظنّ أنّه يبالغ، لكن السنوات علّمتنا أنّ الثورة لم تكن مليئة فقط بالشجعان والطيّبين، بل أيضاً بالخونة والانتهازيّين والقتلة الّذين اختبؤوا خلف الشعارات.
اليوم، وبعد كلّ هذه السنوات، لا أكتب عن وثّاب لأنّني أريد استعادة الماضي فقط، بل لأنّني أخاف أن يتحوّل إلى اسم منسيّ آخر.
كان واحداً من أولئك الّذين آمنوا بالثورة والناس بصدق، وعمل بصمت دون أن ينتظر مالاً أو شهرة أو منصباً.
وأمام عجزنا عن معرفة مصيره أو محاسبة من تسبّبوا في غيابه، لا يبقى لنا سوى الدعاء له، والتمسّك بذكراه، والإيمان بأنّ الخصومة الأخيرة ستبقى عند الله… حيث لا يضيع حقّ أحد.

Social Links: