بقلم عبدالله رحال :
دير الزور لا تحتاج إسعافًا… بل إعادة تأسيس كاملة
إما أن تُبنى دير الزور من جديد… أو ستعود الكارثة بشكل أعنف
ما حدث في دير الزور ليس كارثة طبيعية! الكارثة الحقيقية هي أننا ما زلنا نبني مدينة على ضفاف واحد من أعظم أنهار المنطقة بعقلية القرية المؤقتة، لا بعقلية الدولة.
الفرات لم يهاجم أحدًا.
المياه لم تفاجئ العالم.
الأنهار ترتفع منذ آلاف السنين، وتفيض منذ آلاف السنين، والدول العاقلة تبني حضاراتها على هذا الأساس.
أما نحن، فما زلنا نتصرف وكأن كل كارثة “حادث مفاجئ”، ثم نعود لترميم الخراب بالإسمنت الرديء والجسور المؤقتة والسواتر الترابية، بانتظار الكارثة التالية.
ما حدث في دير الزور فضح كل شيء:
- هشاشة البنية التحتية.
- انهيار مفهوم التخطيط.
- غياب أي رؤية مائية وزراعية حقيقية.
- غياب الدولة كفكرة، لا كسلطة فقط.
دير الزور ليست مدينة هامشية.
دير الزور هي قلب الفرات السوري.
هي السلة الغذائية المحتملة لسوريا كلها.
هي مركز المياه والطاقة والزراعة والثروة الحيوانية والنقل النهري.
لكنها تُدار منذ عقود بعقلية النجاة اليومية، لا بعقلية الاستثمار الحضاري.
دير الزور ليست منطقة منكوبة… بل منطقة استراتيجية عالمية
انظروا إلى الجغرافيا قبل الكلام.
دير الزور تقع على شريان مائي هائل يمتد عبر المنطقة كلها.
أي دولة محترمة كانت ستحول هذه المنطقة إلى:
- أكبر مركز زراعي في سوريا.
- مركز صناعات غذائية.
- مركز تخزين مياه استراتيجي.
- مركز طاقة مائية وري حديث.
- مركز نقل وتجارية مرتبط بالنهر.
لكن ماذا فعلنا؟
بنينا:
- جسورًا هشة.
- محطات مياه قابلة للغرق.
- شبكات صرف بدائية.
- أحياء كاملة داخل مناطق الخطر الفيضي.
- طرقًا تنهار مع أول ضغط مائي.
ثم نتفاجأ عندما ترتفع المياه.
أي عبث هذا؟
لا نريد حلولًا مؤقتة
أخطر جملة يمكن أن تُقال الآن هي:
“سنصلّح الأضرار”.
لا.
لا نريد إصلاح الأضرار.
نريد إنهاء نموذج الخراب كله.
لأن كل حل مؤقت هو تأجيل لكارثة أكبر.
والكارثة القادمة قد لا تكون مثل هذه.
قد يكون منسوب المياه أعلى.
قد تأتي أمطار أعنف.
قد تنهار سدود أو تتغير أنظمة التدفق بالكامل.
العالم كله يتغير مناخيًا، بينما نحن ما زلنا نبني بعقلية الثمانينيات.
كيف يجب أن تُبنى دير الزور؟
أولًا: اعتبار الفرات مشروع دولة
الفرات ليس نهرًا للنجاة.
الفرات يجب أن يكون مشروعًا اقتصاديًا سياديًا.
يجب بناء:
- منظومة سدود تنظيمية حديثة.
- قنوات ري ضخمة.
- خزانات مائية استراتيجية.
- محطات ضخ مرتفعة ومحمية.
- شبكات تصريف عملاقة.
- مناطق احتواء فيضاني مدروسة.
المياه التي دمّرت المدينة كان يمكن أن تتحول إلى:
- زيادة بالإنتاج الزراعي.
- تغذية للمياه الجوفية.
- دعم للثروة الحيوانية.
- توسيع المساحات الخضراء.
- حماية من الجفاف لسنوات.
لكن لأن البنية التحتية ميتة… تحولت النعمة إلى كارثة💔
ثانيًا: بناء الجسور بعقلية القرن القادم
الجسر ليس إسمنتًا فقط.
الجسر في دير الزور يجب أن يُبنى باعتباره خط حياة استراتيجيًا.
هذا يعني:
- جسور مرتفعة جدًا عن أعلى منسوب محتمل.
- قواعد عميقة مقاومة للانجراف.
- تصميم يتحمل الفيضانات القصوى لا الاعتيادية.
- أنظمة تصريف ذكية.
- مسارات طوارئ بديلة.
- ربط لوجستي بين ضفتي المدينة دون انقطاع.
لا يجوز بعد اليوم أن تُعزل مدينة كاملة بسبب انهيار جسر ترابي.
هذا ليس فقرًا فقط.
هذا فشل هندسي وإداري كامل.
ثالثًا: منع البناء العشوائي حول النهر
يجب أن تنتهي فوضى البناء على ضفاف الفرات.
أي مدينة محترمة تفرض:
- حزامًا فيضيًا ممنوع البناء داخله.
- خرائط مخاطر مائية واضحة.
- تخطيطًا عمرانيًا مرتفعًا ومدروسًا.
- شبكات تصريف مستقلة.
- بنية تحتية مقاومة للكوارث.
أما أن نبني داخل مجرى الخطر ثم نبكي عند الفيضان، فهذا ليس قدرًا… هذا انتحار عمراني.
رابعًا: تحويل دير الزور إلى عاصمة زراعية وصناعية
دير الزور لا يجب أن تبقى محافظة مهمّشة.
يجب أن تتحول إلى:
- أكبر مركز إنتاج غذائي في سوريا.
- مركز تصنيع غذائي وتخزين استراتيجي.
- مركز ألبان وأعلاف وثروة حيوانية.
- مركز طاقة ومياه.
- عقدة نقل شرقية.
كل شيء موجود:
- المياه.
- الأراضي.
- الموقع.
- الامتداد الجغرافي.
الناقص الوحيد هو الدولة الحقيقية والتخطيط الحقيقي.
خامسًا: بناء بنية تحتية تتوقع الكارثة لا تتفاجأ بها
هذه أهم نقطة.
الدول المتقدمة لا تسأل:
“ماذا نفعل بعد الكارثة؟”
بل تسأل:
“كيف نبني بحيث لا تتحول الظواهر الطبيعية إلى كوارث أصلًا؟”
هذا هو الفرق بين الدولة والنجاة المؤقتة.
الخلاصة
دير الزور اليوم أمام خيارين فقط:
إما إعادة تأسيس كاملة بعقلية هندسية وزراعية ومائية حديثة…
أو انتظار الكارثة القادمة، التي قد تكون أعنف وأوسع وأغلى.
لا نريد ترقيعًا.
لا نريد صورًا إعلامية.
لا نريد سواتر ترابية مؤقتة.
نريد مشروعًا يعترف بأن دير الزور ليست عبئًا.
عبدالله رحال ✍🏼

Social Links: