اليسار السوري بين “المشاكسة” و“الانتهازية”:

اليسار السوري بين “المشاكسة” و“الانتهازية”:

د سلامة درويش

امين عام حزب اليسار الديموقراطي السوري

منذ عقود، شكّل اليسار السوري جزءًا مهمًا من الحياة السياسية والفكرية، لكنه لم يكن يومًا كتلة واحدة متجانسة. ومع التحولات الكبرى التي شهدتها البلاد، خصوصًا منذ ، برزت انقسامات عميقة داخل هذا التيار، جعلت توصيفاته تتراوح بين “يسار مشاكس” و“يسار انتهازي”. وبين هذين الوصفين، تتكشف خريطة معقدة من المواقف والخيارات السياسية.

اليسار التقليدي: بين التحالف والاتهام بالانتهازية
يمثّل بجناحه المرتبط بـ أحد أقدم مكونات اليسار السوري. هذا التيار اختار منذ عقود العمل ضمن إطار السلطة، مبررًا ذلك بالواقعية السياسية والحفاظ على استقرار الدولة، او توصيفه بأنه ضمن حركة التحرر الوطني الذي يقف ضد مخططات الهيمنة الامبريالية والصهيونية في منطقة الشرق الأوسط.
غير أن هذا الخيار جعله عرضة لانتقادات واسعة، حيث يرى خصومه أنه تحوّل إلى نموذج لـ“اليسار الانتهازي”، الذي يقدّم موقعه السياسي على حساب مبادئ الثورة والتنمية و الحرية والعدالة التي ينادي بها وكذلك انحاز بمايسمية الوطنية على لقمة عيش الطبقات الفطيرة والممارسة السياسية والتي يجب أن يكون الديموقراطية السياسية وتداول السلطة وفصل السلطات الأساسية، .يمثل هذا اليسار أحزاب الجبهة الوطنية ,ماركسية وقومية

اليسار المعارض الجذري: مشاكسة بلا هوادة
في المقابل، برزت تيارات يسارية معارضة نتيجة تهاون اليسار التقليدي وخروجه من مقام الثورة الجذرية، ، تلك التيارات والقوى تبنّت موقفًا صداميًا واضحًا مع السلطة.
هذا التيار يُنظر إليه غالبًا كـ“يسار مشاكس”، إذ حافظ على خط نقدي حاد ودفع ثمن ذلك من التهميش والاعتقال. لكنه، في الوقت نفسه، واجه تحديات تتعلق بضعف التأثير الشعبي وتشتت البنية التنظيمية، ووصف بالمثقف النخبوي والذي قطع مسافات بالتنظيم والثقافة والتعامل مع الطبقات الفقيرة والمهمشة صاحبة التغيير الجذري وبناء دولة تليق بهم. إلى أنه انخرط بالثورة من أول يوم وفقد الكثير من كوادره اما بالاغتيالات او بتغيبهم في السجون، وكر من هذه الأحزاب، حزب الشعب الديموقراطي،والمكتب السياسية وحزب العمل الشيوعي وبعض القوى الصغيرة السياسية الاخرى،،

اليسار الديمقراطي السوري : محاولة التوازن الصعب
ضمن هذا المشهد، يظهر كحالة وسطية تحاول الجمع بين قيم الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية.
وقف مع الحراك السلمي في بداياته وكان عبارة عن مجموعات من اليساريين ومن الشيوعيين السوريين وممن يهمهم التغيير تحت راية اليسار. تواصلت تلك المجموعات للوصول ليسار سوري ولد من رحم الثورة السورية، ورفض الاستبداد، لكنه في الوقت نفسه انتقد العسكرة والتطرف والتبعية للخارج.
هذا التموضع جعله أقرب إلى “اليسار المشاكس المعتدل”، إلا أنه تعرّض لانتقادات تتعلق بضعف الحضور الميداني وميل خطابه إلى الحذر السياسي. انخرطت عناصره من اول يوم بالثورة وقيادة التنسيقات وفقد شهداء معتقلين مغيبين للان،، منها حزب اليسار الديمقراطي السوري وبعض التشكيلات السياسية بعضها استمر وبعضها انتهى بسقوط النظام.

هيئة التنسيق: بين العقلانية والرمادية
من جهة أخرى، تمثل نموذجًا لليسار الذي فضّل الحلول السياسية والتفاوض، مع رفض العنف والتدخل الخارجي.
هذا الموقف أكسبها وصف “العقلانية” لدى البعض، لكنه عرّضها أيضًا لاتهامات بـ“الرمادية” أو حتى “الانتهازية” من قبل منتقدين رأوا أنها لم تتخذ موقفًا حاسمًا بما يكفي. كان منها ان تستغل الحراك الثوري وتخلق حالة جماهيرية تقطع الطريق امام الإسلام السياسي، لذلك تعرضت لمزيد من الانقسام مما اضعفها جماهيريا وتنظيميا،

يسار الشباب: صوت الثورة المشتت
مع اندلاع الثورة، ظهر جيل جديد من الناشطين اليساريين، غير المؤدلجين تقليديًا، ركّزوا على شعارات الحرية والكرامة والعدالة.
هذا “اليسار الشبابي” كان الأكثر مشاكسة، إذ انتقد جميع الأطراف دون استثناء، لكنه عانى من القتل و التشتت والقمع والهجرة، ما حدّ من قدرته على التحول إلى قوة سياسية منظمة.

بين المبدأ والمصلحة: خط فاصل ضبابي
في الواقع السوري، لا يمكن الفصل بسهولة بين “المشاكس” و“الانتهازي”. فالحرب، والتدخلات الخارجية، والانقسامات الحادة، دفعت كثيرين إلى مراجعة مواقفهم أو تغييرها.
ما يراه طرف “ثباتًا على المبدأ”، يراه آخر “جمودًا غير واقعي”، وما يصفه البعض بـ“الواقعية السياسية”، يراه خصومه “انتهازية” نتيجة شرعنة الة النظام القاتلة المجرمة لذلك وقف قسم منه معه بحجة الصراع ضد الهجمة الامبريالية التي تحاول إلى اقصاء المقاومة التي انتهجها النظام البائد بسياسة التعمية والمخاوزةمن أجل استمراره بالسلطة وليعبر عن استمرارة بالاستبداد والفساد والمحسوبية، .

وهنا نؤكد ان تتوزع الاحزاب السورية الكردية ضمن هذه التوصيفات بين المشاكس والانتهازي المرتبطه مصالحه مع النظام البائد مثله مثل احزاب الجبهة و على سبيل المثال ( ب واي دي )

خلاصة
يمكن القول إن اليسار السوري اليوم موزّع بين ثلاثة اتجاهات رئيسية:

  • يسار تقليدي اقترب من السلطة البائدة وفقد جزءًا من مصداقيته لدى المعارضه وجموع الشعب السوري، للأسف للان لم يراجع موقفه من الثورة السورية بغض النظر ممن اختطف تضحياتها من قبل الثورة المضادة المتمثلة بالاسلام السياسي المتطرف،
  • يسار معارض مشاكس حافظ على خطه المبدئي لكنه بقي محدود التأثير يحاول ان يجد توازنات الا ان قيادته تسيطر عليها الانا المتضخمة، واحيانا بدون تنازلات ممكن تجمع القوة السارية.
  • ويسار ديمقراطي يحاول التوازن، دون أن ينجح دائمًا في الحسم وبدون ان يترجم نضالة بالشارع السوري،

وفي بلد معقّد كسوريا، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل يمكن لليسار أن يجمع بين المبدأ والفاعلية، أم أن الواقع سيبقيه عالقًا بين “المشاكسة” و“الانتهازية”؟
وهل يستطيع تجميع هذه القوى بتحالف او جبهة واحدة؟

  • Social Links:

Leave a Reply