قراءة مركزة: حسن الصعيب
العالم المعاصر أصبح موحدًا بفعل العولمة الرأسمالية،لكنه في الوقت نفسه متنوع من حيث الثقافات والتاريخ،و غيرمتكافئ بسبب اتساع الفوارق في الثروة والقوة.
هل يمكن بناء حداثة عادلة تُلغي التفاوت حتى لو ضحّت بالتنوع؟أم يجب الحفاظ على التنوع وتطويره في إطار عولمة بديلة عادلة؟ أم أن الحداثة بطبيعتها غير قابلة للإصلاح ويجب رفضها والعودة إلى الأصول الثقافية؟
الانحرافان الرئيسيان
الانحراف الأول: قبول العولمة كما هي، مما يؤدي إلى إفراغ الخصوصيات الثقافية من مضمونها الحقيقي، مع بقاء التفاوت قائمًا.
الانحراف الثاني: رفض الحداثة باسم الأصالة، لكن هذا الرفض يتسم بالنزعة
المحافظة التي تجمد الثقافة بدل أن تطورها.
كلا الانحرافين يعكسان عجزًا عن تحويل الحداثة إلى مشروع عالمي موحد،عادل، ومتنوع.
إفريقيا والعالم العربي
عرفت افريقيا والعالم العربي ما بين 1950–1980: مشاريع قومية شعبوية (مثل ناصر في العالم العربي ونكروما في
إفريقيا) هدفت إلى اللحاق بالغرب مع الحفاظ على الهوية، لكنها فشلت جزئيًا.
بعد 1980: صعود الإسلام السياسي في العالم العربي، وبروز النزعات الإثنية في إفريقيا.
نفس الحركة المتأرجحة بين الحداثة ورفضها ظهرت أيضًا في الهند (من فكرالمؤتمر إلى الهندوتفا) وفي الصين (من الماوية إلى الارتباك المعاصر).
التحدي الحقيقي ليس في الاختيار بين هذين الانحرافين، بل في إعادة صياغةالحداثة نفسها لتصبح قادرة على بناء عالم متنوع وعادل ومتكافئ.
ميلاد الحداثة
الحداثة نشأت مع عصر الأنوار (القرنين 17 و18) بالتوازي مع ظهور الرأسمالية.
جوهرها: الإنسان قادر على صنع تاريخه بنفسه، بدل أن يكون خاضعًا لتشريع إلهي خارجي.هذا التحول فتح الباب أمام تأسيس علوم جديدة لفهم المجتمع والتاريخ.
الحداثة البورجوازية
الفكر الأنواري جمع بين العقل والتحرر، لكن ضمن حدود ما تسمح به الرأسمالية.
صاغ آدم سميث وغيرهم مفهوم العقل التحرري في ثلاثية: الحرية – المساواة – الملكية.هذه الثلاثية شكّلت أساس الثورات الكبرى (هولندا، إنجلترا، أمريكا، فرنسا).
في الواقع، الحرية والمساواة والملكية لم تكن متكاملة، بل دخلت في صراع دائم بين الديمقراطية الشعبية وحماية السوق والملكية الخاصة.«اليد الخفية» للسوق لم تكن دائمًا عقلانية، مما استدعى تدخل الدولة(«القبضة المرئية») لضبط النظام.
الليبرالية الحديثة (جون رولز)
بقيت أسيرة الثلاثية نفسها، ولم تحل التناقض بين الحرية والمساواة، بل شرعنت التفاوت ، وطرحت مفهوما للعدالة والانصاف، لايخرج عن نطاق التفاوت الاجتماعي.
الفكر النيوليبرالي المتطرف (فون هايك)
اختزل القيم في ثنائية: الحرية –الملكية، متخليًا عن المساواة، وهو ما يميز الأيديولوجية الأمريكيةالمعاصرة مقارنة بالأوروبية التي بقيت جزئيًا وفية للأنوار.
تناقضات الحداثة
الحداثة حملت وعدًا بالتحرر عبر العقل، لكنها بقيت مقيدة بالرأسمالية،مما جعلها تنتج تناقضات بين الحرية، المساواة، والملكية. التحدي اليوم هو تجاوز هذه الحدود لإعادة تعريف العقل التحرري بشكل أكثر عدالة وشمولية.
في النسخة الليبرتارية اليمينية تختفي الأخلاق: الإنسان يتصرف بلامسؤولية عن نتائج أفعاله،حتى لو عمّق التفاوتات.الدين عند هؤلاء يصبح مجرد عادة اجتماعية أو هوية جماعية، بلا مضمون أخلاقي.
حملت الثورة الفرنسية شعار «حرية، مساواة، أخوة» سبق ماركس، لكنه حمل بذور نقد النظام البورجوازي.الثورة الفرنسية جمعت بين طموح بورجوازي (حماية السوق والملكية) وطموح شعبي (المساواة والأخوة).لاحقًا، تم تفريغ مفهوم الأخوة من محتواه الأصلي ليصبح مجرد انتماء قومي.
نقد ماركس فتح فصلًا جديدًا من الحداثة عبر نقد العقل التحرري البورجوازي.بيّن أن التناقض بين الملكية الرأسمالية و المساواة لا يمكن حله.دعا إلى استبدال «الملكية» بـ الأخوة، أي ملكية اجتماعية تُدار ديمقراطيًا لصالح المجتمع
العقل البورجوازي المعاصراليوم، لم يعد تحرريًا، بل اختُزل في ثنائية: حرية – ملكية.هذا هو جوهر الأيديولوجية الأمريكية المعاصرة التي تمثل «أمركة العالم».الاقتصاد الحديث («الاقتصاد الصرف») أصبح عقلًا أداتيًا، فارغًا، غيرمسؤول، يشرعن الفقر والتهميش وحتى إنتاج «مليارات البشر غير مفيدين.
الحداثة التي بدأت بوعد التحرر عبر العقل، انحرفت تدريجيًا:من ثلاثية الحرية–المساواة–الملكية،إلى ثنائية الحرية–الملكية،وصولًا إلى عقل اقتصادي أداتي يدمّر الإنسان والمجتمع والطبيعة التحدي هو استعادة معنى الأخوة والملكية الاجتماعية لإعادة بناء عقل تحرريحقيقي.
نقد النزعات الثقافوية وما بعد الحداثة
بعض المعارضين لـ«الأمركة» أو «الغربنة» يكتفون بالدفاع عن القيم الثقافية دون نقد النظام الرأسمالي نفسه.آخرون يخلطون بين «الرأسمالية» و«الغرب» ويحوّلون الصراع إلى مستوى ثقافي متخيَّل.هذه الاتجاهات، مع «الاقتصاد الصرف» والليبرالية الزائفة، شكّلت ما يسمى بـ«الفكر ما بعد الحداثي» الذي يعكس شيخوخة الفكر البورجوازي.
العقل التحرري
العقل لا يكون عقلًا إلا إذا كان تحرريًا، أي مرتبطًا بالمسؤولية والأخلاق.المسؤولية تعني وجود مبدأ أخلاقي،سواء مستوحى من إنسانية علمانية أو من تقاليد دينية مختلفة.التنوع الثقافي الحقيقي هو ذلك الذي يتجه نحو المستقبل ويغني مشروع التحرر، لا مجرد التمسك المرضي بخصوصيات الماضي.
التحديات المعاصرة
العقل التحرري يجب أن يواجه:الاغتراب السلعي،التدمير البيئي والاجتماعي، النظام البطريركي، الفوارق الهائلة بين المركز والأطراف التي يكرّسها النظام الرأسمالي العالمي.
دور الماركسية
الماركسية أداة فعّالة لتحليل هذه التحديات وصياغة استراتيجيات للتغيير،شرط أن تُفهم كفكر حي قابل للتجديد، لا كعقيدة جامدة.المطلوب هو الجمع بين تطوير القوى المنتجة في الأطراف وبين تحقيق التحرر الاجتماعي والسياسي، بدل التضحية بأحدهما.
العقل التحرري اليوم يجب أن يتجاوز حدود الفكر البورجوازي المأزوم، ويعيد بناء مشروع عالمي قائم على:المسؤولية، الأخلاق،الديمقراطية،والعدالة الاجتماعية،
مع الاستفادة من الماركسية كمنهج نقدي حي لمواجهة التحديات العالمية.

Social Links: