الطريق إلى تحقيق قرار مجلس الأمن لسوريا في الانتقال السياسي:

الطريق إلى تحقيق قرار مجلس الأمن لسوريا في الانتقال السياسي:

بسام شريف

المشكلة في سوريا منذ سنوات ليست في غياب القرارات الدولية، بل في غياب الإرادة السياسية والميزان الذي يفرض تنفيذها.
قرار مجلس الأمن رقم 2254، لا يزال الإطار الدولي المعترف به للحل السياسي، وينص على انتقال سياسي، وصياغة دستور، وإجراء انتخابات بإشراف الأمم المتحدة. لكن تطبيقه تعثر بسبب عوامل داخلية وخارجية معقدة.
في الظروف السياسية الراهنة، لا يمكن تحويل هذه القرارات إلى واقع بمجرد المطالبة بها، بل يحتاج الأمر إلى توافر مجموعة من الشروط والجهود المتوازية.

أولاً: تكوين قوة وطنية سورية جامعة.
القرارات الدولية لا تنفذ نفسها.
تحتاج إلى طرف سوري يتمتع بالمصداقية والتمثيل، قادر على مخاطبة المجتمع السوري والمجتمع الدولي.
ومن دون وجود مشروع وطني ديمقراطي جامع، تبقى القرارات حبراً على ورق.
وهذا يحتاج إلى بناء حركة وطنية ديمقراطية تتجاوز الانقسامات.

ثانياً: بناء توافق وطني واسع.
أي انتقال سياسي لن ينجح إذا اعتبرته فئة من السوريين انتصاراً لفئة أخرى. المطلوب هو مشروع يؤكد أن الدولة القادمة ستكون دولة جميع المواطنين، بغض النظر عن الدين أو القومية أو الانتماء السياسي، وأنها تقوم على المواطنة وسيادة القانون.

ثالثاً: ربط المطالب اليومية بالحل السياسي.
المطالبة بالحريات، واستقلال القضاء، وإطلاق سراح المعتقلين، وحرية الإعلام، ومكافحة الفساد، ليست مطالب منفصلة عن الانتقال السياسي، بل هي خطوات عملية تهيئ له وتدفع باتجاهه.

رابعاً: الاستفادة من الشرعية الدولية.
يمكن للقوى المدنية والسياسية السورية أن تجعل قرارات مجلس الأمن مرجعيتها القانونية والسياسية في مخاطبة الأمم المتحدة والدول المؤثرة، بحيث يصبح أي حل خارج هذا الإطار بحاجة إلى تبرير سياسي وقانوني.

خامساً: تغيير موازين القوى بالوسائل السلمية.
في النهاية، السياسة تتأثر بميزان القوى. وإذا بقي المجتمع المدني ضعيفاً ومشتتاً، فلن يكون هناك ضغط كافٍ لتنفيذ القرارات.
أما إذا نشأت حركة شعبية سلمية واسعة ومنظمة، فإنها قد تجعل تجاهل المطالب الوطنية أكثر صعوبة على السلطة وعلى الأطراف الدولية.

سادساً: توافق إقليمي ودولي.
الملف السوري لا يزال مرتبطاً بتوازنات إقليمية ودولية. لذلك فإن فرص تنفيذ أي انتقال سياسي تزداد عندما تتقاطع مصالح القوى المؤثرة مع الاستقرار في سوريا، أو عندما تصبح كلفة استمرار الوضع الحالي أعلى من كلفة التسوية.

في ظل الواقع الحالي
إذا أخذنا الواقع كما هو اليوم، فإن الانتقال السياسي الشامل يبدو صعباً على المدى القريب، لأن السلطة القائمة ترى أنها تملك زمام المبادرة، بينما المعارضة ما زالت تعاني من التشتت، كما أن القوى الدولية لا تبدو مستعدة لفرض تسوية شاملة في الوقت الراهن.
لكن هذا لا يعني أن القرار فقد قيمته. بل يمكن اعتباره:
— مرجعية قانونية دولية لا تزال قائمة.
— سقفاً سياسياً يمكن البناء عليه مستقبلاً.
— أداة للدفاع عن الحقوق والحريات والإصلاحات التدريجية.
— أساساً لأي مفاوضات جدية عندما تتغير الظروف.

بالنسبة لسوريا اليوم
الأولوية قد تكون العمل على بناء كتلة وطنية ديمقراطية مستقلة تلتف حول مبادئ واضحة:
— وحدة سوريا وسيادتها.
— دولة مدنية دستورية.
— التداول السلمي للسلطة.
— استقلال القضاء.
— جيش وطني وأجهزة أمن خاضعة للقانون.
— حماية حقوق جميع المكونات.
— العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية.
عندما يوجد مثل هذا المشروع ويحظى بتأييد شعبي متزايد، تصبح قرارات مجلس الأمن أداة تدعمه، بدلاً من أن تكون مجرد نصوص تنتظر من يطبقها.

نستطيع القول : ان الانتقال السياسي لا تصنعه الأمم المتحدة وحدها، ولا تفرضه القوى الخارجية وحدها، وإنما ينجح عندما يلتقي المشروع الوطني السوري مع الشرعية الدولية والظروف الإقليمية المناسبة. عندها تتحول القرارات الدولية من إطار نظري إلى برنامج قابل للتنفيذ.

أرى أن هناك فكرة تستحق التأكيد، وهي أن الانتقال السياسي ليس حدثاً يقع في يوم واحد، بل هو عملية تراكمية. فكثير من الدول لم تنتقل إلى الديمقراطية بقرار مفاجئ، وإنما عبر مراحل من بناء الوعي، وتنظيم المجتمع، والضغط السلمي، وتطوير البدائل السياسية.

قد يكون من المفيد التركيز على ثلاثة مسارات متوازية:
— بناء ثقافة المواطنة والديمقراطية، حتى يصبح احترام القانون والحريات مطلباً شعبياً عاماً، لا مطلباً لنخبة سياسية فقط.
— تشكيل تيار وطني جامع يتجاوز الانقسامات الأيديولوجية والطائفية والقومية، ويضع مصلحة سوريا فوق أي اعتبار آخر.
— التمسك بالشرعية الدولية باعتبارها مرجعية قانونية، مع إدراك أن تنفيذها يحتاج إلى إرادة سورية أولاً، ثم إلى ظروف إقليمية ودولية مواتية.

  • Social Links:

Leave a Reply