لطيفة زهرة المخلوفي
ارتباطًا بالحرب التي تُخاض على أجساد النساء الأفغانيات، نسترجع محطة فاتح شتنبر 2021، وهو التاريخ الذي أعلنت فيه الحركة النسوية العالمية يوما أمميا للتضامن مع نساء أفغانستان. جددت تلك الدينامية المخاوف النسوية من عودة طالبان إلى الحكم، وهو ما تحقق سريعا مع سقوط كابول بتاريخ 15 غشت 2021، حيث انهارت الحكومة الأفغانية ولاذ الرئيس أشرف غني بالفرار، لتعلن طالبان عودة “الإمارة الإسلامية”.
منذ ذلك التاريخ، باشرت طالبان سلسلة من السياسات الرجعية: ففي شتنبر 2021 أعلنت إجراءات تقيِّد تعليم الفتيات وتفرض النقاب والمحرم. وبين سنتي 2022 و2023 تم إغلاق مدارس البنات الثانوية، ومنع النساء من العمل في معظم القطاعات، إضافة إلى فرض قيود صارمة على التنقل. واستمر الزحف الرجعي على حقوق النساء طوال السنوات اللاحقة، حيث اتسمت الحقبة ما بين 2024 و2025 بمواصلة طالبان التضييق على الإعلام والمجتمع المدني، واندلعت احتجاجات نسائية متفرقة حاولت مقاومة القمع.
يأتي اليوم القانون الجنائي الذي صدر في يناير 2026 كحلقة جديدة من مسلسل قمع واضطهاد النساء، كهوية أصيلة لطالبان؛ تاريخ مظلم تعددت مظاهره: فرض الأمية، البطالة، الحرمان من الحياة السياسية، والرجم حتى الموت. تعيد طالبان اليوم إنتاج هذا التاريخ عبر ترسانة قانونية جديدة كامتداد له، عبر شرعنة العنف ضد النساء وتحويل أجسادهن إلى موضوعات للطاعة والوصاية. من أبرز مواد هذا القانون:

- السماح للرجال بضرب زوجاتهم وأطفالهم ما دام الضرب لم يؤدِ إلى كسور أو جروح مفتوحة.
- العقوبة القصوى لا تتجاوز 15 يومًا من السجن، مما يعني أن العنف الأسري أصبح منظم بقوة القانون.
- إلزام النساء بحضور جلسات المحكمة برفقة الزوج أو أحد المحارم، حتى لو كان الزوج هو المتهم نفسه.
هذه البنود ليست مجرد تفاصيل قانونية، بل هي مانفيستو مصادرة حيوات النساء، فأجسادهن غذت فضاء مباحا للسيطرة والإخضاع، في استلهام حقيقي لتاريخ عبودي مقيت.
ومع ذلك، لم تتوقف النساء الأفغانيات عن المقاومة. خرجن إلى الشوارع، رفعن العلم الأفغاني، وأعلنّ أن الإسلام دين الشعب لا دين الحركة. تعبيرات مقاومة رمزية وجسدية تعكس إصرار النساء على رفض تحويل أجسادهن إلى أدوات متعة أو ارث شرعي للحركة.
هذه التعبيرات رغم بساطتها ومحدوديتها بفعل القمع تعد استمرارا لذاكرة نضالية طويلة، ضد الاستعمار، الأصوليات الدينية، الذكورية، والاستغلال الطبقي.
إن موقفنا النسوي المناهض لهذه الأصوليات الدينية، باعتبارها مشروعا لعبودية النساء، لا يعني بأي حال من الأحوال التطبيع مع الوصاية الخارجية أو التدخلات الاستعمارية تحت مسمى “رعاية حقوق النساء” أو “حفظ السلام”. فالتجربة التاريخية أثبتت أن التدخلات الإمبريالية لا تحرر النساء، بل تستعمل قضاياهن كأداة لتبرير الاحتلال وإعادة إنتاج السيطرة. مثال ذلك حملة “أنقذوا الفتيات الأفغانيات” التي رافقت الغزو الأمريكي لأفغانستان سنة 2001، حيث استخدمت صور النساء المحجبات كرمز للقمع، في حين تم طمس نضالات نساء أفغانيات مثل ملالاي جويا وغيرهن من اللواتي قاومن بشراسة الاحتلال والطالبان معا. وهو نفس ما قام به الانتذاب البريطاني بالهند عندما نصَّب نفسه محررا للنساء الهنوسيات من طقس “ساتي”. والنماذج متعددة في البلدان المغاربية حيث مهد الاستعمار لسطوه بالخطابات حول حقوق النساء ومظاهر اضطهادهن في مجتمعاتهن التقليدية.
إن الغاية هنا ليست تبرئة الأنظمة الأبوية المحلية التي تقهر النساء وتمحو وجودهن، مدعيّة أنها بذلك تدافع عن الخصوصية والهوية ضد الإمبريالية. بل القصد هو البحث عن صوت المرأة؛ فالحرية الحقيقية للنساء الأفغانيات كما باقي نساء الجنوب لا يمكن أن تمنح من الخارج، بل تُنتزع من الداخل عبر المقاومة الجماعية، وبالتحالف مع الحركة النسوية العالمية خاصة في الجنوب العالمي حيث تفرض كل أشكال الاستغلال، سواء كان محليا باسم الدين أو خارجيا باسم النموذج الغربي الأبيض.
ختاما، إن القانون الجنائي الجديد لطالبان هو استمرار للحرب على أجساد النساء، حرب لا تُخاض بالسلاح فقط، بل بالنصوص القانونية التي تشرعن العنف وتقصي النساء من الفضاء العمومي. والمقاومة النسائية الأفغانية، بما تحمله من ذاكرة نضالية وتجارب احتجاجية، هي الوحيدة التي يمكنها أن تدق الخزان وتفتح أفق الحرية والعدالة، نضال شرس ضد البطريركية والأصولية والاضطهاد، وضد كل أشكال الوصاية الخارجية التي تحاول استثمار معاناة النساء لتبرير مشاريع الهيمنة.
إن أجساد النساء ليست ساحات حرب، بل ذاكرة مقاومة تُعيد رسم ملامح الحرية في وجه كل سلطة قمعية، محلية كانت أم استعمارية.

Social Links: