الناجيات من الإعتقال قضية حية في الذاكرة

الناجيات من الإعتقال قضية حية في الذاكرة


سوسن دحمان


تظل قصص الناجيات من الإعتقال واحدة من أكثر الشهادات الإنسانية إيلامأ وعمقأ في الذاكرة الحديثة لأنها لا تتعلق بالتجربة الفردية داخل الجدران المغلقة بل تمتد أثارها على المجتمع بأكمله حيث تتحول الحكايات الشخصية إلى جزء من تاريخ جماعي مثقل بالوجع والأسئلة المفتوحة عن العدالة والإنصاف والشفاء
الإعتقال بالنسبة لكثير من النساء لاينتهي عند لحظة الإفراج بل يبدأ فصل آخر أكثر تعقيدا حيث مواجهة المجتمع وإعادة بناء الذات ومحاولة إستعادة الحياة اليومية بعد تجربة قاسية كسرت الإحساس بالأمان
كثير من الناجيات يصفن تلك المرحلة بأنها حياة مابعد الحياة حياة مابعد الموت حيث يبقى الزمن داخل السجن حاضرأ في الذاكرة يرافقهن في النوم وفي اليقضة وفي ابسط تفاصيل حياتهن أصبح كابوس يؤرق حياتهن اليومية
ففي داخل مراكز الإحتجاز اي المعتقلات تتعدد اشكال المعاناة وطرق التعذيب النفسي والجسدي تتجاوز إلى إبعاد نفسية واجتماعية حيث العزلة الطويلة والخوف المستمر وفقدان التواصل مع العائلة والضغط النفسي
كل ذلك يترك آثارا لاتمحى بسهولة مع ذلك فأن مايبرر شهادات الناجيات ليس الألم فقط بل أشكال الصمود والقدرة على التماسك بخيط الأمل رغم القسوة
تقول الناجية رانيا لقد أعتقلت على إحدى الحواجز وانأ ذاهبة إلى عملي لا أعرف لماذا اعتقلت وماهو سبب اعتقالي وماهي تهمني ولكن في الفرع أخبروني أن تهمتي وسبب اعتقالي هو انا اساعد الثوار في نقل الأدوية لهم إلى الغوطة الشرقية
فأصبت بعزلة وخوف شديد لم استطيع الدفاع عن نفسي من شدة الخوف ومن مناظر وأصوات التعذيب التي اسمعها كل هذا جعلني أدخل في عزلة تامة وخوف شديد ومصير غامض ولكن الشيء الوحيد الذي كان يعزيني هو وجود معتقلات كان لهن الأثر الكبير في خروجي من الحالة والوقوف إلى جانبي ودعني وقدرتي على التحمل رغم كل العذاب والخوف
تقول السيدة بعد أن خرجت من المعتقل بدأت معركة أخرى لاتقل صعوبة عن عذاب المعتقلات تقول الناجيات حين خروجهن من المعتقل يواجهن نظرات الشك والوصمة المجتمعية وصعوبة في استعادة حياتهن المهنية والعائلية ففي بعض الحالات تتحول تجربة الإعتقال إلى وصمة يفرضها المجتمع بدل أن تكون تجربة إنسانية وتعاطف مجتمعي مع قضية الناجية وفهمها في سياقها الإنساني وهذا ما يجعل التعافي مضاعف في الجهد والنفس
لكن رغم ذلك استطعن الناجيات أن يخرجن من واقعهن ويواجهن المجتمع بشجاعة وكبرياء
نساء ناجيات اخترن تحويل التجربة إلى قوة دافعة للعمل المجتمعي والتوثيق والدفاع عن حقوق الانسان وعن حقوق ذوي المعتقلين وعائلاتهم حيث أصبحت صوتأ لغيرهن
اصبحنا يروين ماحدث ليس كذكرى شخصية بل كجزء من توثيق ضروري لن ينسى ويطالب بالعدالة
هذا التحول من الناحية الصامتة إلى الشاهدة يعطي بعدا جديدا لمعنى النحاة نفسه
اصبحنا يوثقن قصصهن ليشهد العالم على صمودهن ومعاناتهن أصبحن يكتبن التاريخ تاريخ المعتقلات والسجون والتعذيب والقهر
حولن الألم إلى أمل تجاوزن كل الصعوبات والتحديات أصبحن أكثر صلابة وقوة وثقن قصص الناجيات واستطعن إيصال صوتهن للعالم بأسره وواجهن المجتمع بكل أطيافه
ولكن تبقى غصة في القلب ليس كل الناجيات استطعن الصمود تقول الناجية رانيا تتحدث عن احدبي الناجيات حيث لم تستطع مواجهة المجتمع لم تتلقى الدعم من حولها أصبحوا ينظروا إليها وصمة بالنسبة لهم فأعتزلت العالم ووضعت نفسها في بوتقة الحزن والألم من كثر معاناتها من المجتمع المحيط بها وعائلتها اخذت دور الضحية وعانت من أمراض نفسية لم تشفى منها
المجتمع لايرحم إن لم يجد من يقف ويصمد في وجهه بقوة وصلابة وثبات
فالحديث عن الناجيات من الإعتقال ليس مجرد إستعادة للماضي بل هو محاولة لفهم الحاضر أيضا والمجتمعات لاتنصت لهذه الشهادات بجدية بل تجد إنقساما أمام فجوات عميقة في العدالة والمصالحة والإعتراف بالتجربة وتقديم الدعم النفسي والإجتماعي وفتح المجال للرواية دون خوف أو إنكار
لكنها خطوات أساسية في بناء مستقبل أكثر إنصافا تبقى هذه القصص حية لأنها ليست مجرد احداث انتهت بل حياة مستمرة داخل الذاكرة وفي تفاصيل النساء اللواتي حملن التجربة وعدن بها إلى العالم ليس كعبء فقط بل كحقيقة يجب أن تروى وتفهم وتحترم

  • Social Links:

Leave a Reply