ليست عبئاً بل طاقة تنتظر الفرصة

ليست عبئاً بل طاقة تنتظر الفرصة


روضة محمد رضوان

“قد تبدأ رحلة التغيير بحرف تتعلمه امرأة، لكنها لا تنتهي إلا حين تكتشف قدرتها على صناعة مستقبلها بنفسها.”
الفقر وحده لا يسلب المرأة خياراتها، لكن اجتماع الفقر مع الجهل وانعدام المهارات قد يجعل خياراتها محدودة إلى درجة تدفعها إلى القبول بما كانت سترفضه في ظروف أخرى.

لا يزال كثيرون ينظرون إلى المرأة على أنها بحاجة دائمة إلى رجل يعيلها ويتولى مسؤولية حياتها، حتى إن بعض المجتمعات ترى أن الحل الأمثل لمستقبل الفتاة هو تزويجها في أقرب فرصة ممكنة، بغض النظر عن مدى نجاح هذا الزواج أو ملاءمته لها. وكأن مستقبل المرأة يختزل في انتقال مسؤوليتها من أسرتها إلى زوجها، لا في تمكينها من بناء حياتها واكتشاف قدراتها والمشاركة الفاعلة في مجتمعها.
لكن ماذا لو غيّرنا طريقة التفكير؟ ماذا لو لم يكن السؤال: من سيعيل هذه المرأة؟ بل: كيف نمكّنها من أن تبني حياتها بنفسها؟

إن أول خطوة في هذا الطريق هي التعليم. فمحو الأمية ليس مجرد تعلم القراءة والكتابة، بل هو مفتاح صغير يفتح أبواباً واسعة من المعرفة والوعي والثقة بالنفس. عندما تتعلم المرأة القراءة، تصبح أكثر قدرة على فهم حقوقها، والتعامل مع محيطها، ومتابعة تعليم أبنائها، واتخاذ قراراتها بوعي أكبر.
وأذكر هنا إحدى السيدات اللواتي سنحت لي فرصة تعليمهن القراءة والكتابة وتلاوة القرآن الكريم. لم تكن رحلتها سهلة؛ فقد واجهت ظروفاً أسرية ومعيشية صعبة، وكانت تبدأ من نقطة يظن كثيرون أن تجاوزها مستحيل. لكن إصرارها على التعلم كان أكبر من كل العقبات. كانت تحضر الدروس بانتظام، وتراجع ما تعلمته رغم ضيق الوقت وكثرة المسؤوليات، حتى استطاعت أن تقرأ بنفسها وتتابع تعلمها بثقة. ولم يكن أعظم ما حققته أنها تعلمت القراءة، بل أنها اكتشفت قدرتها على النجاح بعد سنوات من الاعتقاد بأن ذلك لم يعد ممكناً.
لقد أكدت لي هذه التجربة أن التعليم لا يغيّر مستوى المعرفة فحسب، بل يغيّر نظرة الإنسان إلى نفسه وقدراته، ويمنحه الشجاعة ليبدأ من جديد مهما كانت الصعوبات التي واجهته.
غير أن التعليم وحده قد لا يكون كافياً في كثير من الأحيان، لذلك تبرز أهمية ربطه بالتدريب المهني واكتساب المهارات العملية. فعندما تتعلم المرأة حرفة أو مهنة تدر عليها دخلاً، فإنها لا تكتسب مورداً مالياً فحسب، بل تكتسب أيضاً شعوراً بالقدرة والثقة والاستقلال. عندها تصبح أكثر قدرة على مواجهة الظروف الصعبة، وأقل عرضة للاستغلال أو الوقوع تحت ضغط الحاجة.
ولا يشترط أن تبدأ المرأة أو الفتاة بمشروع كبير أو رأس مال ضخم. فكثير من الأعمال البسيطة يمكن أن تكون بداية حقيقية نحو الاستقلال الاقتصادي، مثل الأشغال اليدوية، وصناعة منتجات الريزن، وتصميم الحقائب والإكسسوارات، وإعداد اللوحات والمجسمات الفنية، والخياطة والتطريز، وصناعة المأكولات المنزلية، وغيرها من المهارات التي يمكن تعلمها بتكاليف محدودة.
وفي عصر التسويق الإلكتروني أصبحت كثير من هذه المنتجات تصل إلى الزبائن عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مما فتح أمام النساء والفتيات فرصاً جديدة للعمل والإنتاج وتحقيق دخل مستقل من المنزل أو من مشاريع صغيرة قابلة للنمو والتطور.
وفي المقابل، قد تدفع قلة الخيارات والظروف القاسية بعض النساء إلى قرارات لم يكنّ ليلجأن إليها لو توفرت لهن فرص التعليم والعمل والدعم. ولذلك فإن مسؤوليتنا لا تقتصر على إدانة النتائج، بل تبدأ بمعالجة الأسباب التي أوصلت بعض النساء إلى تلك المواقف. فبدلاً من إصدار الأحكام، يمكننا أن نكون يداً تمتد بالمساندة، وباباً يفتح فرصة جديدة، وجسراً تعبر من خلاله المرأة إلى حياة أكثر استقراراً وكرامة.
إن تعليم النساء وتمكينهن ليس عملاً خيرياً عابراً، بل استثمار حقيقي في مستقبل المجتمع بأكمله. فالمرأة هي أساس الأسرة، وعندما تمتلك المعرفة والمهارة والثقة بالنفس، ينعكس أثر ذلك على أبنائها وأسرتها ومحيطها. وكل امرأة تتجاوز الأمية أو تتعلم مهنة أو تحقق استقلالاً اقتصادياً تمثل خطوة جديدة نحو مجتمع أكثر قوة واستقراراً.

وإلى الأمهات أقول: إن أول من يستطيع أن يزرع الثقة في قلب الفتاة هو أمها. فالكلمات المشجعة، والدعم المستمر، والإيمان بقدرات الابنة قد يغير مسار حياتها بالكامل. شجعن بناتكن على التعلم واكتساب المهارات، وامنحنهن الفرصة ليكتشفن قدراتهن ويبنين مستقبلهن بأيديهن. فكل فتاة تتعلم اليوم قد تصبح غداً امرأة قادرة على إعالة نفسها، ومساندة أسرتها، وخدمة مجتمعها.

إن المرأة المتعلمة ليست أكثر قدرة على تحسين حياتها فحسب، بل تصبح أيضاً أكثر قدرة على تربية جيل واعٍ ومتعلم ومؤمن بقدراته. ولهذا فإن تمكين امرأة واحدة قد يكون بداية لتغيير يمتد أثره إلى أسرة كاملة، وربما إلى مجتمع بأسره.

فالجهل ليس عيباً نخجل منه، بل عائقاً يمكن تجاوزه بالإرادة والدعم والفرص المناسبة. وعندما نمنح المرأة فرصة للتعلم واكتساب المهارة، فإننا لا نغير حياة فرد واحد فحسب، بل نساهم في بناء أسرة أقوى ومجتمع أكثر قدرة على النهوض. فالعلم والمهنة ليسا مجرد وسيلتين لكسب الرزق، بل طريق إلى الكرامة والحرية والقدرة على صناعة المستقبل.

  • Social Links:

Leave a Reply