مطيع اتاسي
في بداية حياتي المهنية، دخلت مرة إلى مدير الشركة وأنا أشعر بشيء من الرضا. كنت قد اكتشفت مشكلة في العمل، وظننت أن مجرد اكتشافها سيكسبني ثقته. جلست أمامه وشرحت له تفاصيلها كلها، ثم انتظرت أن يشكرني.
لكنه قال لي جملة لم تغادر ذاكرتي حتى اليوم.
“أن تأتي بمشكلة من دون أن تحمل معها حلاً، فأنت أصبحت جزءاً من المشكلة نفسها.”
في ذلك الوقت لم أفهم ما يقصده.
كنت أظن أن رؤية الخطأ هي نصف الطريق.
لكنني اكتشفت لاحقاً أن رؤية الخطأ هي أسهل ما في السياسة والإدارة معاً.
فالجميع يرى المشكلات.
والجميع يستطيع أن ينتقد.
والجميع يستطيع أن يثبت أن الآخر أخطأ.
لكن السياسة لا تبدأ عند اكتشاف المشكلة.
بل تبدأ عندما يصبح لديك طريق أفضل.
ولهذا، كلما تابعت المعارضة السورية خلال السنوات الماضية، عادت إليّ تلك الجملة القديمة.
أمس، خلال اللقاء الذي جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع، انشغل كثير من السوريين بما إذا كان الشرع قد رد على ترامب أم لم يرد.
أما أنا، فقد لفت انتباهي شيء آخر تماماً.
ليس ما قاله ترامب.
ولا ما قاله الشرع.
بل الطريقة التي قرأت بها المعارضة هذا المشهد.
خلال ساعات قليلة، تحولت وسائل الإعلام ومواقع التواصل إلى محكمة سياسية.
كان السؤال المطروح:
لماذا لم يرد؟
ولماذا لم يكن أكثر حدة؟
ولماذا لم يقل كذا؟
لكنني سألت نفسي سؤالاً مختلفاً.
وماذا بعد الرد؟
هل كانت سوريا ستصبح أقوى؟
هل كان الجيش سيولد من جديد؟
هل كان الاقتصاد سيتحسن؟
هل كانت العقوبات ستختفي؟
أم أن السوريين وحدهم كانوا سيدفعون ثمن لحظة من التصفيق العاطفي؟
وهنا أريد أن أوضح شيئاً منذ البداية.
أنا لا أكتب دفاعاً عن الشرع.
ولا تبريراً للسلطة الجديدة.
كما أنني لا أطالب المعارضة بالصمت.
بل أكتب عن معنى السياسة نفسها.
قرأت مرة تعريفاً أعجبني للسياسة يقول إنها فن القيام بأفضل ما يمكن فعله في هذه اللحظة.
وليس فن إطلاق أكثر العبارات إثارة للتصفيق.
فالسياسة ليست مسابقة في البلاغة.
وليست امتحاناً في الشجاعة اللفظية.
بل هي القدرة على اتخاذ القرار الأقل كلفة على الوطن، حتى لو كان أقل القرارات شعبية.
ولهذا شعرت أن النقاش كله كان يدور في المكان الخطأ.
فالمعارضة ليست مطالبة بأن تطلب من السلطة أكثر المواقف بطولة.
ولا السلطة مطالبة بأن تقدم أكثر المشاهد إثارة.
السؤال الحقيقي هو:
ما الذي يخدم سوريا؟
ومن هنا بدأت أفكر في المعارضة السورية نفسها.
ليس في موقفها من هذا اللقاء فقط.
بل في مسيرتها كلها.
واكتشفت أن المشكلة لم تكن أنها أخطأت في هذا الموقف أو ذاك.
بل أنها، طوال سنوات طويلة، اعتادت أن تعرف ما الذي ترفضه، أكثر مما عرفت ما الذي تريد أن تبنيه.
وربما لأن المعارضة، مثل السلطة، وقعت في فخ السياسة اليومية.
أصبحت تلاحق الخبر، والتصريح، والأزمة، أكثر مما تلاحق السؤال الأكبر:
كيف ستكون سوريا بعد عشر سنوات؟
والسياسة التي تعيش من يوم إلى يوم، لا تستطيع أن تبني دولة تعيش لعقود.
وهنا، في رأيي، تبدأ قصة المعارضة السورية كلها.
لكن، إذا كانت المعارضة قد أخطأت في قراءة هذه اللحظة، فالمشكلة ليست في هذا الموقف وحده.
فكل عمل سياسي معرض للخطأ.
وكل حزب في العالم يرتكب أخطاء في الحساب والتقدير.
أما المشكلة السورية، فهي أعمق من ذلك بكثير.
لقد أمضت المعارضة السورية أربعة عشر عاماً وهي تعرف جيداً ما الذي تعارضه.
لكنها لم تستطع، بالقدر نفسه، أن تعرف ما الذي تريد أن تبنيه بعد ذلك.
كانت تعرف كيف تقول: لا.
لكنها لم تستطع أن تقول، بالوضوح نفسه: نعم… لهذا المشروع.
ولهذا، عندما سقط نظام الأسد، حدثت واحدة من أكبر المفارقات السياسية في التاريخ السوري الحديث.
سقط النظام.
لكن المعارضة لم تصل إلى الدولة.
ولم يكن لديها مشروع وطني جاهز لليوم التالي.
لم يكن لديها تصور اقتصادي متكامل.
ولا رؤية واضحة لإعادة بناء مؤسسات الدولة.
ولا برنامج متفق عليه للعدالة الانتقالية.
ولا حتى قيادة سياسية واحدة تستطيع أن تتحدث باسم غالبية السوريين.
وكأنها كانت تعرف كيف تنهي مرحلة.
لكنها لم تكن تعرف كيف تبدأ المرحلة التي بعدها.
وهنا لا أكتب هذا من باب الشماتة.
بل لأن هذه هي اللحظة التي تبدأ فيها السياسة الحقيقية.
فإسقاط نظام، أو سقوطه، ليس نهاية العمل السياسي.
بل بدايته.
والدولة لا تنتظر.
فالفراغ السياسي لا يبقى فراغاً طويلاً.
إذا لم تملأه قوة منظمة، ملأته قوة أخرى.
وهذا ما حدث في سوريا.
ولهذا وجدت السلطة الجديدة نفسها، عملياً، اللاعب السياسي الأكثر تنظيماً في الساحة السورية.
ليس لأنها أقنعت جميع السوريين.
ولا لأنها قدمت حلولاً لكل الأزمات.
بل لأنها لم تجد أمامها مشروعاً وطنياً آخر، منظماً، وقادراً على منافستها في المجال العام.
ومن هنا، بدأت المعارضة تتشظى أكثر فأكثر.
وفي تقديري، يمكن فهم ما جرى من خلال أربعة مسارات رئيسية.
المسار الأول، معارضة أعلنت انتصارها.
واعتبرت أن سقوط الأسد هو نهاية القصة كلها.
وكأن تحقيق الهدف الأول يعفيها من مراجعة تجربتها، أو من مساءلة نفسها عن كل ما جرى خلال السنوات السابقة.
أما المسار الثاني، فاختار الصمت.
وليس خوفاً من السلطة وحدها.
بل خوفاً من المجتمع أيضاً.
فالمجتمع السوري الخارج من الحرب، والمثقل بالخوف والانقسام، أصبح ينظر إلى أي نقد للعهد الجديد على أنه محاولة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
ولهذا فضّل كثيرون الصمت، لا لأنهم اقتنعوا، بل لأنهم لم يجدوا المساحة التي تسمح لهم بالكلام.
أما المسار الثالث، فبقي يردد الكلمات نفسها التي رددها منذ سنوات.
الديمقراطية.
الحوار الوطني.
الحريات.
وهي كلها قيم لا يختلف عليها عاقل.
لكن السياسة لا تُبنى بالكلمات وحدها.
فالديمقراطية ليست شعاراً.
بل طريق طويل يحتاج إلى مؤسسات، واقتصاد، ومجتمع، وثقة متبادلة.
والحوار الوطني ليس بياناً صحفياً.
بل عملية سياسية معقدة تحتاج إلى ظروف تسمح بقيامها.
ولهذا بقي هذا الخطاب، في كثير من الأحيان، أقرب إلى الأمنيات منه إلى البرامج.
أما المسار الرابع، فهو، في رأيي، الأخطر.
لأنه لم ينسحب من السياسة فقط.
بل استبدلها بالهوية.
فبدلاً من أن يقدم مشروعاً يخاطب السوريين جميعاً، بدأ يخاطب جماعته أولاً.
وصارت الطائفة برنامجاً سياسياً.
والمظلومية مشروعاً وطنياً.
والخوف بديلاً عن الرؤية.
ولا أقول هذا لأن مطالب المكونات المختلفة غير مشروعة.
فلكل جماعة سورية جراحها ومخاوفها التي لا يجوز إنكارها.
لكن تحويل هذه المخاوف إلى مشروع سياسي دائم، يعني أن الوطن يتراجع خطوة، بينما تتقدم الجماعات خطوة أخرى.
وهنا تتوقف السياسة.
لأن السياسة، في جوهرها، هي فن جمع المختلفين داخل مشروع واحد.
أما عندما يصبح كل مكون منشغلاً بحماية نفسه فقط، فإن الدولة تتحول إلى مجموعة جزر خائفة، تعيش داخل حدود واحدة، لكنها لم تعد تحمل فكرة وطن واحدة.
ولهذا، فإن أزمة المعارضة السورية لم تكن فقط في ضعفها التنظيمي.
ولا في انقساماتها.
بل في أنها، شيئاً فشيئاً، فقدت قدرتها على تقديم مشروع وطني جامع، يستطيع أن يخاطب السوريين جميعاً، لا السوريين الذين يشبهونها فقط.
سيقول لي بعض أصدقائي:
لكن كيف تطلب منا أن ننطلق من واقع لا نعترف بشرعيته؟
وأجيبهم:
أنا لا أطلب الاعتراف بشرعيته.
ولا أطلب التخلي عن نقده.
ولا أطلب نسيان الطريقة التي وصل بها.
أنا أطلب فقط ألا نبني السياسة على إنكار الواقع.
فالسياسة لا تبدأ من العالم الذي نريده.
بل من العالم الموجود أمامنا.
وهنا أصل إلى ما أراه جوهر المسألة كلها.
قد يختلف كثيرون مع مشروع السلطة الحالية، وأنا واحد ممن يختلفون معها في قضايا كثيرة.
لكن من الصعب تجاهل حقيقة سياسية واحدة.
هذه الجماعة وصلت إلى الحكم.
بينما بقيت معظم الأحزاب السورية، القديمة منها والحديثة، خارج المعادلة.
وهذا يفرض سؤالاً مشروعاً على المعارضة قبل أن يكون مديحاً للسلطة.
ما الذي امتلكته هذه الجماعة ولم تمتلكه بقية القوى السياسية؟
هل كانت أكثر قدرة على التنظيم؟
أكثر قدرة على اتخاذ القرار؟
أكثر مرونة في قراءة التحولات؟
أكثر استعداداً لتغيير أدواتها؟
ربما يختلف الناس في الإجابة.
لكن تجاهل السؤال نفسه يعني تجاهل واحد من أهم دروس المرحلة السورية كلها.
فالسياسة لا تكافئ دائماً أصحاب الأفكار الأجمل.
بل كثيراً ما تكافئ أصحاب القدرة الأكبر على تحويل الفكرة إلى قوة منظمة.
في اللغة الإنجليزية توجد عبارة دقيقة هي De facto.
أي: الأمر الواقع.
قد يعجبك هذا الواقع.
وقد ترفضه.
وقد تعارضه بكل ما تملك من قناعة.
لكن السياسة لا تبدأ من الأمنيات.
بل من الواقع.
والواقع اليوم يقول إن السلطة القائمة هي السلطة الفعلية في سوريا.
وهذا ليس اعترافاً بشرعية كل ما جرى.
ولا حكماً بأنها تمثل نهاية التاريخ.
ولا حكماً بأنها ستنجح.
بل اعتراف بأن السياسة لا تُبنى على إنكار الواقع، وإنما على التعامل معه.
ولهذا فإنني لا أدعو المعارضة إلى الاستسلام.
ولا إلى الصمت.
ولا إلى مهادنة السلطة.
كما أنني لا أدعو إلى إسقاطها.
لأن سوريا، بعد أربعة عشر عاماً من الحرب، لم تعد تحتمل دورة جديدة من الهدم.
بل أدعو إلى شيء أصعب بكثير.
أدعو إلى بناء معارضة تعرف كيف تضغط على السلطة، من دون أن تضغط على الدولة.
وهذا، في رأيي، أصعب أشكال العمل السياسي.
فالمعارضة الحقيقية ليست تلك التي تعادي الحكومة في كل شيء.
وليست تلك التي تؤيدها في كل شيء.
بل تلك التي تعرف متى تعارض، ومتى تدعم، ومتى تضغط، ومتى تنتظر.
وتعرف أن نجاحها لا يقاس بعدد البيانات التي تصدرها، ولا بعدد الشتائم التي تطلقها، ولا بعدد المتابعين الذين يصفقون لها.
بل بقدرتها على رفع مستوى العمل السياسي في البلاد.
كل قرار صحيح تتخذه السلطة يجب أن يُدعم.
وكل قرار خاطئ يجب أن يُنتقد.
لكن النقد لا يكون من أجل تسجيل المواقف.
ولا من أجل إرضاء جمهور غاضب.
ولا من أجل كسب تصفيق لحظي.
بل من أجل دفع الدولة، خطوة بعد خطوة، إلى أن تصبح الدولة التي يحلم بها السوريون.
وهنا، في رأيي، تكمن وظيفة المعارضة.
ليست أن تقود الناس إلى ثورة جديدة.
بل أن تقود الدولة إلى إصلاح جديد.
وليس أن تجعل المجتمع يكره السلطة.
بل أن تجعل السلطة تدرك أن المجتمع أصبح أكثر وعياً، وأكثر قدرة على محاسبتها.
إن الفرق بين معارضة الدولة ومعارضة السلطة هو الفرق بين الهدم والإصلاح.
ولهذا فإن المعارضة التي تحتاجها سوريا ليست معارضة تعيش على كراهية السلطة.
ولا سلطة تعيش على الخوف من المعارضة.
فالسلطة التي تخشى كل نقد، تتحول مع الوقت إلى سجن لنفسها قبل أن تصبح سجناً لمجتمعها.
والمعارضة التي تعارض كل شيء، تفقد قدرتها على تمييز ما يستحق الدعم مما يستحق المقاومة.
ولهذا فإن الدولة الحديثة لا تقوم على انتصار أحدهما على الآخر.
بل على التوازن بينهما.
فالمعارضة ليست عدواً للدولة.
بل أحد أجهزتها الأخلاقية.
والسلطة ليست خصماً دائماً للمعارضة.
بل هي الطرف الذي يجب أن يبقى قابلاً للمراجعة والتصحيح.
وحين تستطيع المعارضة أن ترفع مستوى الدولة، لا أن تهدمها، وتستطيع السلطة أن تسمع النقد، لا أن تخشاه، عندها فقط يبدأ المجتمع بالخروج من دائرة الاستبداد.
فالاستبداد لا يبدأ حين يحتكر الحاكم السلطة فقط.
بل يبدأ أيضاً حين يختفي البديل.
وحين يصبح الناس مقتنعين بأنهم لا يملكون إلا خياراً واحداً.
أما نهاية الاستبداد، فلا تبدأ يوم يسقط الحاكم.
بل يوم يولد داخل المجتمع بديل وطني قادر على حماية الدولة، وتصحيحها، وقيادتها إلى مستقبل أفضل.

Social Links: