الهجرة بصيغة المؤنث: قراءة في تقاطعات القهر.

الهجرة بصيغة المؤنث: قراءة في تقاطعات القهر.


لطيفة زهرة المخلوفي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رافقت الهجرة تاريخ الحياة البشرية منذ الامبراطورية الرومانية والحروب الصليبية وحملات التهجير التي طالت سكان القارة الافريقية في اتجاه أمريكا.
حيث رافق اللجوء الى استقدام العبيد إبادة جماعية طالت الشعوب الأصلية في أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية.
وشكل العبيد وسائل لضمان رفاه الأسياد من خلال الاستغلال المفرط لهم بحيث تم نقلهم عبر تجارة واسعة خاصة عبر المحيط الأطلسي، وكان معظمهم من افريقيا في اتجاه المستعمرات بالأمريكيتين ليتم استخدامهم في قطاعات شاقة مثل مزارع البن والقطن والكاكاو والسكر والأرز والمناجم ونقل الأخشاب، وتجاوزت اليد العاملة التي تم جلبها عن طريق تجارة العبيد منذ البداية إلى حدود القرن التاسع عشر ما بين 15 و 20 مليون شخص.
هذا النمط كان الأول من نوعه في الهجرة عالميا، وما تلاه أداة لتشكل التراكم البدائي للرأسمال، وهو ما وفر اليد العاملة الرخيصة المهيأة اجتماعيا واقتصاديا للامتنان للبلدان المستقلبة، بفعل ما طال بلدانها الأصلية من تفقير ونهب وتهجير قصري جراء الحروب والتبعية.
وفي ذات السياق شكل الاستعمار حافزا للهجرة، حيث دفع الايرلنديين كسكان مستعمرة بريطانية، إلى الهجرة في اتجاه انجلتزا مع ارتفاع وثيرة التجويع والنهب ببلدهم، ووصلت هجرة الايرلنديين في الأربعينيات والخمسينيات من القرن 19 الى 600000 ايرلندي.
إن ظاهرة الهجرة ليست جديدة لكنها نمت وتوسعت مع ولادة الرأسمالية، ومصادرة أراضي الفلاحيين ليتم تحويلهم إلى عمال مأجورين مكرهين على بيع قوة عملهم عن طريق الهجرة من الأرياف الى المدن في البلد الواحد أو عبر الحدود.
وتشير الأبحاث في شؤون الهجرة العالمية إلى أن اتجاهات الهجرة وأنماطها ستتسم بعدة خصائص من أهمها خاصيتين :
_ الأولى : التسارع ؛ حيث سترتفع أعداد المهاجرين عبر الحدود الى مستويات غير مسبوقة.
_ الثانية؛ هي التأنيث فأعداد النساء المهاجرات اخذة في التزايد خلافا للسابق، ويجد هذا التحول تبريراته في التغيرات الطارئة على سوق الشغل العالمي، بما في ذلك تزايد الطلب على العاملات في البيوت، وتوسع السياحة الجنسية كإحدى تعبيرات الرق في القرن الحالي، فضلا عن المتاجرة بخدمات النساء.
وفي ذات السياق من المفيد أن نشير إلى الارتباط الوثيق بين النوع الإجتماعي والهجرة، فبلدان الشمال عالميا تستعين بالوافدات من بلدان الجنوب والمستعمرات السابقة، لأداء مهام إعادة الإنتاج الإجتماعي، وهي الأدوار التي توكل بشكل مجاني إلى النساء تقليديا في اطار عملية التقسيم الجنسي للعمل.
وفي ذات السياق نتوقف عند إشارات “سارا فارس” في معرض حديثها عن النساء المهاجرات وإعادة الإنتاج وفيض السكان، إلى النمو الكبير الذي عرفته السنوات الثلاثين الاخيرة، حيث تزايد الطلب على مقدمي/ات أعمال الرعاية، وعمال وعاملات النظافة، ومرافقي/ات الأطفال والمسنين، ومعيدات الإنتاج الاجتماعي، هذا النمو إحدى التعبيرات عن الأزمة العالمية لإعادة الإنتاج الإجتماعي ومسبب رئيسي لتأنيث الهجرة كما أشرنا سالفا.
وتشكل النساء المهاجرات العاملات في إعادة الإنتاج الإجتماعي القلب النابض لاعادة انتاج الحياة، وهو ما يسمح بمساهمة النساء الأوربيات نموذجا بالاسهام في أنشطة الإنتاج خارج نطاق العائلة.
وتحاجج الباحثة النسوية “سارا فارس” في أن إعادة الإنتاج مؤنثة، ومعرقنة، حيث أن مكانته متدنية، وغير منتج من وجهة النظر الرأسمالية، ولا يحتاج لكفاءات أو مهارات خاصة، وهي تعليلات يتم اعتمادها كتبرير الأجور المنخفضة وغياب الحماية الاجتماعية .
وهذه الاهمية القصوى لنظرية إعادة الإنتاج تجعلها رئيسية لفهم تقاطعات القائمة بين الاضطهاد الجندري والعرقي.
وارتباطا بتجربة المهاجرات في وضعية سرية نموذجا، سنتوقف عند تجربة مهاجرات افريقيا جنوب الصحراء، هذه الفئة التي تحط الرحال بالمغرب كمنطقة عبور للوصول الى أوروبا. ولا تخلو عملية ولوجهن المغرب من الاستغلال بمختلف تجلياته الجنسي منها والمادي.
وعرفت السنوات الاخيرة استقرارا للعديد من المهاجرين/ات بالمغرب، بحيث تشير الإحصاءات الرسمية إلى تسوية وضعية خمسون ألف مهاجر ومهاجرة.
تشتغل المهاجرات في القطاع الغير مهيكل كعاملات منزليات وبائعات متجولات وعاملات بقطاع الحلاقة أو نادلات في المقاهي، أو كعاملات في سوق الجنس.
وتتسم وضعية هذه الفئة بالاستغلال المفرط، والتمييز العنصري كنساء ملونات ومهاجرات مما بجعلهن عرضة لأبشع أنواع للاستغلال والذكورية والسحق الطبقي الذي أرغمهن على مغادرة حدود بلدانهن الأصلية.
وكثيرا ما يتم وصمهن بسارقي/ات الوظائف.
أماطت جائحة كورونا عن الوضع الهش للمهاجرات، بحيث كان الجوع والتشرد في انتظارهن شأن كافة العاملين/ات بالقطاع غير المهيكل. وتم حرمانهن من المساعدات المالية المقدمة للمواطنين المغاربة على هشاشتها.
حيث حصرت المساعدات في مبالغ لا تتجاوز 2000 درهم للمسجلين/ات في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وأخرى تترواح بين 800 و 1200 درهم لأصحاب الراميد والأسر التي تتجاوز خمسة أفراد.
لم يشمل البرنامج المهاجرين/ات، ولم يختلف وضع من هن في وضعية قانونية، عن هن في وضعية سرية.
وكان للحجر الصحي وما فرضه من إجراءات اغلاق المعابر ومنع التنقل، تداعيات على وضعية المهاجرات الراغبات في الوصول الى الضفة الأخرى، بحيث تضاعفت معاناتهن نظرا لعدم توفرهن على بطاقة الإقامة مما أدى الى حرمانهن الاستفادة من أية مبادرة تمنح الأمل في الحياة باستثناء ما وزعته بعض الجمعيات من مؤن أو قسيمات لاقتناء التغذية، ونظرا لضعف الإمكانيات لم تشمل هذه المساعدات كافة المهاجرات/ين ليترك أغلبهم للجوع بحيث أكدوا تناول وجبة كل يومين إن توفرت.
إن انحياز الدولة المغربية للرأسمال، ومن منطلق الأرباح قبل الأرواح، جعلها بالضرورة تواصل مسلسل الاضطهاد في حق النساء داخل دائرتي الإنتاج وإعادة الإنتاج، وكان نصيب مهاجرات جنوب الصحراء اقصاء اجتماعي وتمييز عرقي.
ختاما، إن الارتفاع المتزايد للمهاجرات/ين اليوم والذين يقدر عددهم ب 60 مليون شخص، يضعنا أمام تحديات فتحها الرأسمال من خلال الإستعمار، وتعميق التبعية وتغذية الحروب ونهب ثروات بلدان الجنوب، وهي تحديات متعلقة برهانات الخط التحرري وترتبط أساسا ببناء وحدة صلبة للطبقة العاملة عالميا لتستطيع خوض نضالها العابر للحدود، لتحاكم من خلاله البؤس والهيمنة ومختلف تجليات القهر التي ينتجها ويرعاها النظام الرأسمالي.

  • Social Links:

Leave a Reply