من الثورة إلى الدولة… كيف نحافظ على المبادئ التي خرج السوريّون من أجلها؟

من الثورة إلى الدولة… كيف نحافظ على المبادئ التي خرج السوريّون من أجلها؟

روضة رضوان

حين خرج السوريّون مطالبين بالحرية والكرامة والعدالة، لم يكونوا يسعون إلى استبدال سلطة بأخرى، ولا إلى تغيير أسماء المسؤولين فحسب. كانت أحلامهم أكبر من ذلك؛ كانوا يحلمون بدولة يشعر فيها المواطن بأن كرامته مصانة، وأن القانون يعلو على الجميع، وأن الفرص تُمنح على أساس الكفاءة والاستحقاق لا الولاء، وأن تُبنى المؤسّسات لخدمة المجتمع لا لخدمة الأشخاص.

واليوم، وفي المرحلة الجديدة التي تعيشها سوريا، يجد السوريّون أنفسهم أمام التحدّي الأصعب: كيف ننتقل من منطق الثورة إلى منطق الدولة، دون أن نفقد المبادئ التي قامت الثورة من أجلها؟

إنّ الانتقال من الثورة إلى الدولة ليس مجرد انتقال سياسي، بل هو انتقال في العقليّة وطريقة إدارة المؤسّسات. ففي زمن الثورة فرضت الظروف الاستثنائية قرارات استثنائية، وكانت الأولوية للبقاء والصمود، أما الدولة فلا تُدار بمنطق المرحلة المؤقتة، وإنما تُبنى على مؤسسات مستقرة، وقوانين واضحة، وشفافية، ومساءلة، وعدالة في توزيع المسؤوليات.

ولهذا، فإن نجاح المرحلة الحالية لن يُقاس فقط بما يتحقق من استقرار أو إعادة إعمار، بل أيضًا بقدرة الدولة على بناء مؤسساتها وفق معايير عادلة، تفتح المجال أمام أصحاب الكفاءة والخبرة، بعيدًا عن المحسوبيات أو دوائر العلاقات الضيقة.

لقد أفرزت سنوات الثورة آلاف السوريين الذين اكتسبوا خبرات حقيقية في الإدارة المحلية، والعمل الإنساني، والتعليم، والإعلام، وإدارة المشاريع، والعمل الحقوقي، وغيرها من المجالات. ولم تكن تلك الخبرات مجرد شهادات تُعلَّق على الجدران، بل كانت تجارب صقلتها سنوات من المسؤولية والعمل في أصعب الظروف. ومن مصلحة الدولة اليوم أن تستفيد من هذه الطاقات، لأنها تمثل جزءًا من رأس المال البشري الذي صنعته سنوات المحنة. فتجاهل هذه الخبرات لا يعني خسارة أفراد فحسب، بل خسارة ذاكرة عملية وتجارب وطنية يحتاجها بناء الدولة.

ومن هنا يصبح السؤال مشروعًا: هل تعتمد مؤسسات الدولة في اختيار كوادرها على الكفاءة والخبرة والاستحقاق؟ وهل يشعر السوريون أن أبواب المشاركة مفتوحة أمام جميع القادرين على خدمة وطنهم؟ أم أن بعض الممارسات القديمة ما زالت تتسلل، ولو بصورة غير مقصودة، إلى مؤسسات يُفترض أن تقوم على قيم جديدة؟

ولا يقتصر هذا السؤال على الرجال، بل يشمل المرأة السورية أيضًا. فقد كانت المرأة طوال سنوات الثورة شريكة في تحمّل المسؤولية، في التعليم، والإغاثة، والإعلام، والعمل المجتمعي، والدفاع عن حقوق الإنسان، وأثبتت قدرتها على القيادة والعمل في أكثر الظروف قسوة. ومن الطبيعي أن ينعكس هذا الحضور في بناء الدولة الجديدة، لا على أساس المحاصصة أو التمثيل الرمزي، بل على أساس الكفاءة والاستحقاق، بما يضمن الاستفادة من خبراتها ويؤكد حقها في المشاركة الكاملة في بناء وطنها.

إن الحديث عن هذه القضايا لا ينبغي أن يُفهم بوصفه تشكيكًا في الدولة أو معارضة لمسار بنائها، بل هو تعبير عن الحرص على نجاح هذا المسار. فالدول لا تُبنى بإقصاء الطاقات، ولا بإعادة إنتاج الأساليب التي ثار الناس عليها، وإنما ببناء الثقة بين المواطن ومؤسساته، وترسيخ مبدأ أن المسؤولية العامة تكليف لا تشريف، وأن معيارها الأول هو خدمة الوطن وتحقيق المصلحة العامة.

لقد دفع السوريون أثمانًا باهظة من أجل مستقبل مختلف، ولم تكن تلك التضحيات من أجل تبديل الوجوه، بل من أجل ترسيخ قيم العدالة والمواطنة وسيادة القانون. لذلك، فإن الحفاظ على مبادئ الثورة لا يكون بترديد شعاراتها، وإنما بتحويلها إلى مؤسسات وقوانين وممارسات يومية يشعر بها كل مواطن، فيرى أثرها في العدالة، وتكافؤ الفرص، واحترام الكفاءة.
فالتحول الحقيقي لا يبدأ يوم تتغير السلطة، بل يوم تتغير معايير بناء الدولة.
فالثورات قد تصنع فرصةً للتغيير، أمّا الدول فلا يبنيها إلا العدل، والكفاءة، وثقة المواطن بأن حقوقه لا ترتبط بمن يعرف، بل بما يستحق.

  • Social Links:

Leave a Reply