عندما يفرغون الدين من جوهره الايماني

عندما يفرغون الدين من جوهره الايماني

جمال عميمي

اللحية والكذبة: كيف يصنع النصابون “وساطة مقدسة” لسرقة الناس
من سوق القريعة إلى سوريا.. قصة واحدة عن الدين المُفرَّغ من جوهره
بقلم: الكاتبة والصحافية المقتدرة رقية عبو


مقدمة: عندما يصبح المسجد غطاءً للسرقة
في قلب الدار البيضاء، بين أكوام البضائع وأزقة سوق القريعة الشهير، كان يقف رجل يبلغ من العمر 39 عاماً. لحيته طويلة، وثوبه قصير، وصوته يتردد في أرجاء السوق خمس مرات في اليوم: “الله أكبر”. كان يؤم التجار في الصلوات الخمس، ويحفظ القرآن، ويذكر الله بين الصفقات. كانوا يثقون به كثيراً. يستأمنونه على أموالهم وبضائعهم. يدفعون إليه ملايين الدراهم في “دارات” الادخار الجماعي، ويوقعون عليه كمبيالات بملايين السنتيمات.
ثم اختفى.
لم يختفِ في ظلام الليل، بل في وضح النهار، حاملاً معه ما يقارب ملياري سنتيم (حوالي مليوني درهم مغربي) من أموال تجار كانوا يعتقدون أن لحيته ضمانة، وأن صلاته شهادة أمانة.
لم يكن هذا الرجل “نور الدين الحاتمي” المعروف بقضيته السابقة في السلفية الجهادية. بل كان شخصاً آخر تماماً، يشارك معه فقط الغطاء الديني واللحية والثقة المفرطة التي يمنحها المجتمع لمن يتشكل بمظهر “الرجل الصالح”.


الفصل الأول: آلية النصب الديني
كيف ينجح نصاب في خداع عشرات التجار الذين يتعاملون بالملايين يومياً؟
الإجابة بسيطة: لأنه لم ينصب عليهم كتاجر، بل نصب عليهم كـ”ولي من أولياء الله”.
الرجل لم يقدم نفسه كمستثمر واعد، بل كـ”أخ في الله” يدير “دارات” ادخار “حلال” للتجار. لم يطلب منهم التوقيع على عقود مصرفية معقدة، بل على “كمبيالات” يُثق فيها باسم “البركة”. وعندما استولى على البضائع، لم يقل إنه سيبيعها في السوق السوداء، بل قال إنه سيستورد “بضائع أجنبية” لإعادة بيعها “بربح حلال”.
هذه ليست سرقة عادية. هذه سرقة منظمة باسم الدين.


الفصل الثاني: نور الدين الحاتمي.. المراجعات المُعلنة والإرهاب المُستتر
في سياق مختلف تماماً، يقف نور الدين الحاتمي، الذي اعتُقل عام 2004 على خلفية الانتماء للسلفية الجهادية، وحُكم عليه بست سنوات سجناً نافذاً. قضى منها سنتين ليُفرج عنه بعفو ملكي عام 2006. ثم أُعيد اعتقاله عام 2013 في مطار محمد الخامس عند عودته من الحدود التركية-السورية، وحُكم عليه بأربع سنوات أخرى.
الحاتمي، في شهاداته الإعلامية، يقدم نفسه كـ”باحث مغربي” أجرى “مراجعات فكرية جذرية”. يقول: “صرت أنظر إلى الواقع بالكثير من الواقعية، وأنظر إلى المجتمع بالكثير من الإيجابية، وأنظر إلى الدين نفسه بطريقة مغايرة”. يتحدث عن قراءة محمد عابد الجابري وعبد الله العروي وبكري الطرابيشي. يصف الخلافة بـ”الوهم”، وينتقد الشيوخ الجهاديين.
لكن هل المراجعات الحقيقية تُباع في المقابلات الصحفية؟
هنا يأتي السؤال الصادم: هل المراجعات الفكرية ممكنة حقاً لمن ولد إرهابياً؟
هناك من يرى، بناءً على ملاحظة دقيقة لتصريحاته الأخيرة وسلوكه، أن الإرهاب عند الحاتمي ليس مجرد فكر تبناه في شبابه، بل هوية جينية، دم يجري في عروقه. أنه ولد ليكون “إرهابياً بالخلافة”، وأن المراجعات التي يتباهى بها ليست سوى قناع ذكي يرتديه ليضمن له مكانة في الفضاء العام، ويحميه من الملاحقة، ويفتح له أبواب المنابر الإعلامية.
هذا النوع من الأشخاص — الذين يتبنون “المراجعة” كاستراتيجية بقاء لا كتحول حقيقي — لا تنفع معهم البرامج الأمنية ولا النقاشات الفكرية. لأنهم لم يتخلوا عن الإرهاب، بل تطوروا معه. تعلموا أن يخفوه خلف كلمات “الواقعية” و”النقد” و”التاريخ”.


الفصل الثالث: صناعة الوساطة في الدين
ما الذي يجعل شاباً مغربياً يعتقد أن ذهابه إلى سوريا “جهاداً في سبيل الله”، ويجعل تاجراً آخر يثق بملايينه لرجل لمجرد أنه “يؤم الصلاة”؟
الجواب: صناعة الوساطة في الدين.
الإسلام، كما جاء في القرآن والسنة، دين مباشر بين العبد وربه. لا واسطة بين الله وعباده. لكن ما حدث عبر العقود الأخيرة هو تحويل الدين من علاقة روحية إلى سلعة وساطة. الشيخ يصبح “وسيطاً” بين الناس والله. الكتاب يصبح “وسيطاً” بين الناس والجنة. اللحية تصبح “شهادة” على صلاح النية. الصلاة في الجامع تصبح “ضمانة” للأمانة.
هكذا يُفرَّغ الدين من جوهره. تُحذف الأخلاق والقيم والعمل الصالح، وتُترك الطقوس وحدها. اللحية بدون صدق. الصلاة بدون أمانة. الذكر بدون عمل. والنتيجة؟ نصاب يسرق باسم الله، وجهادي يقتل باسم الله، و”مراجع” يخفي إرهابه باسم “النقد الفكري”.


الفصل الرابع: كيف يُشوَّه الإسلام؟
تشويه الإسلام لا يحدث بالكفر الصريح. يحدث بالتدريج:

  1. عزل النص عن السياق: آية الجهاد تُقرأ دون فهم أنها نزلت في حالة دفاع محددة. آية “ولا تتخذوا من دون الله ولاية” تُفهم على أنها تبرر عزل المجتمع، لا عزل الشرك.
  2. تقديم الشكل على الجوهر: اللحية أهم من الأمانة. القصير أهم من العدل. الذكر الجماعي أهم من حقوق الجار.
  3. صناعة “العدو الوهمي”: الدولة كافرة. المجتمع منحل. العالم مؤامرة. والنتيجة: عزل الشباب، ثم استدراجهم.
  4. تحويل الدين إلى هوية استهلاكية: “أنا مسلم لأني ألبس كذا”، لا “أنا مسلم لأني أعمل كذا”.
    هذا التشويه هو ما يجعل شاباً مغربياً يعتقد أن ذهابه إلى سوريا “جهاد”، وهو ما يجعل تاجراً يعتقد أن لحية النصاب “ضمانة”، وهو ما يجعل إعلامياً يعتقد أن “المراجعات” ضمانة لـ”الإصلاح”. في كل الحالات، الدين أُفرغ من العمل الصالح والأخلاق والقيم، وتركت الطقوس وحدها.


الفصل الخامس: المراجعات.. هل هي ممكنة حقاً؟
نور الدين الحاتمي، بعد سنوات من السجن، يقدم نفسه كـ”نموذج” للمراجعة الفكرية. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل المراجعة الفكرية ممكنة لمن “ولد إرهابياً”؟
هناك فرق بين من تبنى الفكر الجهادي لجهل، ومن تبناه لأنه يعبر عن هويته الحقيقية. الأول قد يتراجع عندما يكتشف الحقيقة. الثاني — وهو ما يصفه البعض بالحاتمي — لن يتراجع، بل سيتطور. سيتعلم أن يخفي إرهابه خلف كلمات “النقد” و”التاريخ” و”الواقعية”.
نصاب سوق القريعة لم يُحالَ إلى برنامج مراجعة فكرية. حُكم عليه بـ5 سنوات سجناً. لكن المشكلة ليست في الحكم، بل في البيئة التي تنتج مثل هؤلاء. بيئة تعطي الثقة المطلقة لمن يتشكل بمظهر ديني. بيئة تُقدم الشكل على الجوهر. بيئة تُصنع “وساطة” بين الناس والله، بدلاً من تعليمهم أن الله أقرب إليهم من حبل الوريد.


الخاتمة: الدين المُفرَّغ والدين الممتلئ
الإسلام الذي نصاب سوق القريعة يمارسه، والإسلام الذي نور الدين الحاتمي يتبناه، ليس هو الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ. الإسلام الحقيقي ليس لحية ولا كم قصير ولا “دارة” ادخار ولا رحلة إلى سوريا ولا “مراجعة” تُباع في المقابلات الصحفية.
الإسلام الحقيقي هو الصدق في المعاملة، والأمانة في الوديعة، والعدل في القول، والرحمة في الفعل. هو أن تكون “خيراً للناس” لا “أشدّ” عليهم. هو أن تبني لا أن تهدم. أن تُحيي لا أن تقتل. أن تُوثق لا أن تخون.
عندما يُفرَّغ الدين من هذه المعاني، يصبح غطاءً للنصابين والقتلة والمتطفلين على الفكر. وعندما تُترك الطقوس وحدها دون جوهر، تصبح أقنعة تُخفي ما وراءها من خداع ودمار وتزييف.
في سوق القريعة، لم يسرق النصاب التجار بسكين. سرقهم بـ”بسم الله”. وفي سوريا، لم يُقتل الناس بالرصاص فقط. قُتلوا بـ”الله أكبر”. وفي المنابر الإعلامية، لم يُخدع الناس بالكذب فقط. خُدعوا بـ”المراجعة الفكرية”.
هذا هو الثمن الحقيقي لـتشويه الدين وصناعة الوساطة فيه.

  • Social Links:

Leave a Reply