خطران يهددان الفكر الماركسي :<br>الاختزال والجمود

خطران يهددان الفكر الماركسي :
الاختزال والجمود

سليمان احمد

تعرضت الماركسية، ومازالت تتعرض لخطرين متناقضين في الظاهر، لكنهما يلتقيان في النتيجة ذاتها، هي إفراغ الماركسية من جوهرها التاريخي والثوري .

أولاً : اختزال الماركسية في منهج نقدي فقط

يتجه عدد من المفكرين المعاصرين إلى تقديم الماركسية بوصفها أداة لتحليل الرأسمالية ونقدها، مع استبعاد بعدها الثوري باعتباره من مخلفات القرن التاسع عشر أو تجارب القرن العشرين، وبهذا تصبح الماركسية مدرسة في علم الاجتماع أو الاقتصاد السياسي، لا مشروعاً لتغيير المجتمع .
هذا الاختزال يبدو للوهلة الأولى دفاعاً عن الطابع العلمي للماركسية، لكنه في الحقيقة يقتطع أحد أركانها الأساسية .
فماركس لم يكتب رأس المال ليضيف نظرية اقتصادية إلى المكتبة الأكاديمية العالمية، بل ليكشف القوانين الداخلية للرأسمالية تمهيداً لتجاوزها تاريخياً، ولذلك ختم أطروحاته الشهيرة حول فيورباخ بقوله :
( لقد اكتفى الفلاسفة بتفسير العالم بطرق مختلفة، أما القضية فتقوم على تغييره ) .
هذه العبارة ليست شعاراً سياسياً، بل تعبر عن وحدة النظرية والممارسة في الفكر الماركسي .
إن تحويل الماركسية إلى مجرد أداة تحليل يعني عملياً نزع بعدها الطبقي، وإلغاء دورها بوصفها نظرية لتحرر الطبقة العاملة، وهنا تتحول الماركسية إلى مادة جامعية تدرس داخل الجامعات الغربية، دون أن تمثل خطراً على النظام الرأسمالي نفسه، ولا بأس أن يلتحق بالدراسة في هذه الجامعات بعض من مثقفينا الذين يطالبون بتجديد الماركسية وتخليصها من ( حمولتها الثورية الزائدة ) .
فالرأسمالية لا تخشى أن تدرس أزماتها في الكتب، لكنها تخشى فقط، أن تتحول معرفة تلك الأزمات إلى وعي اجتماعي قادر على تغيير علاقات الإنتاج .
إن أخطر ما في هذا الاتجاه أنه يفصل بين عناصر الماركسية الثلاثة : الفلسفة والمنهج والنظرية .
أما المشروع الثوري فيحذف باعتباره أيديولوجيا غير مقبولة .
وهكذا يجري تدجين الماركسية، وإعادة دمجها داخل الثقافة البرجوازية نفسها .

ثانياً : تحويل الماركسية إلى نصوص مغلقة

إذا كان الاتجاه الأول يجرد الماركسية من بعدها الثوري، فإن الاتجاه الثاني يجردها من بعدها العلمي والتحليلي والنقدي .
ويظهر هذا الاتجاه عندما تتحول كتابات ماركس وإنجلز ولينين إلى نصوص مكتملة ونهائية، يبحث فيها عن الإجابات الجاهزة لكل الأسئلة الجديدة .
هذا الاتجاه لا يرى الجديد، ولا يعطيه الأهمية، وينظر لأي محاولة لفهم العالم المتغير، بالكثير من الريبة والشك، وغالباً ما يبني فهمه لما هو جديد من نصوص قد تعود إلى ما قبل رسوخ الظاهرة وتجذرها .
وهنا تغيب أهم خاصية في المنهج المادي الجدلي : الحركة، فالواقع يتغير باستمرار، والرأسمالية نفسها التي درسها ماركس في القرن التاسع عشر ليست هي رأسمالية اليوم في آليات التراكم والاحتكار ومستوى تطور القوى المنتجة، فقد ظهر الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والبيانات بوصفها مورداً اقتصادياً وريعاً، والعمل عن بعد والعمل عبر المنصات وسلاسل القيمة العالمية .
ولا يمكن فهم هذه الظواهر بمجرد تكرار النصوص القديمة، بل بتطبيق المنهج الذي أنتج تلك النصوص
إن تقديس النص يناقض جوهر الديالكتيك .
فالديالكتيك يعلمنا أن الحقيقة نسبية ومتطورة، وأن المعرفة تنمو مع تطور الواقع .
ولذلك فإن الماركسي الحقيقي لا يحفظ النصوص فقط، بل يعيد إنتاجها على ضوء الوقائع الجديدة .
إن أخطر ما في الدوغمائية أنها تستبدل المنهج بالنص .
وتستبدل البحث بالاقتباس الميكانيكي، وتستبدل التحليل بالتكرار غير المنتج .
والنتيجة أن الواقع يتحرك، بينما يبقى الخطاب ثابتاً .

الماركسية حالة فكرية تاريخية فريدة ..
فهي فلسفة مادية جدلية تفسر حركة الطبيعة والمجتمع، ومنهج علمي لتحليل الواقع الملموس، ونظرية في الاقتصاد السياسي والصراع الطبقي، ومشروع تاريخي لتغيير المجتمع ..
ولهذا فإن تطوير الماركسية لا يكون بالتخلي عن بعدها الثوري ولا بتحويلها إلى عقيدة مغلقة، بل بإعادة إنتاجها باستمرار من خلال تطبيق منهجها على الواقع المتغير، وأن تحتفظ بهدفها التاريخي، وهو تجاوز الرأسمالية وبناء مجتمع العدالة والمساواة الإنسانية .

  • Social Links:

Leave a Reply