مهدي عامل
أوهام الطهارة الطبقية: قراءة نقدية في مفهوم البرجوازية عند مهدي عامل
أوهام الطهارة الطبقية: في التأسيس التاريخي الملتبس للبرجوازية العربية
حين يندفع الفكر النقدي نحو محاكمة الواقع العربي، كثيراً ما يلجأ إلى أدوات تحليلية جاهزة ومستوردة، مغفلاً الجذور الإبستمولوجية والتاريخية العينية للمفاهيم التي يستخدمها. يبرز هذا الخلل بوضوح حين يُطرح مفهوم “البرجوازية الوطنية” ويتم التعامل معه بمنطق التعميم الأخلاقي، وكأن الطبقات تولد بأخلاق مسبقة إما وطنية بالكامل أو خائنة بالفطرة، بعيداً عن شروط تشكلها المادي في التاريخ.
لإدراك حقيقة هذا المفهوم، لا بد من العودة إلى أصله التاريخي. فالبرجوازية ظاهرة وُلدت وترعرعت في أحشاء المجتمع الأوروبي، بدءاً من مرحلة الثورة الصناعية وما قبلها مع إرهاصات البرجوازية المالية والتجارية. لقد ظهرت هناك كطبقة صاعدة حطمت علاقات الإنتاج الإقطاعية، وأسست لسوق قومية ودولة وطنية تقود مسار الإنتاج والتطوير الرأسمالي المستقل. أما حين نُقل هذا المفهوم وتم إسقاطه ميكانيكياً على الواقع العربي، فقد حدث التباس بنيوي خطير. ففي عالمنا العربي، لم تنشأ برجوازية وطنية إنتاجية تملك مشروعاً مستقلاً للنهوض، بل نشأت في ظل الهيمنة الاستعمارية طبقة طفيلية وسيطة، ترتبط مصالحها عضوياً بالتبعية للخارج ومراكمة الأرباح عبر السمسرة لا عبر الإنتاج.
هنا يتجلى العيب المنهجي في الخطاب الذي يدين هذه الطبقة بأخلاقها السياسية وحدها، متجاهلاً أن سلوكها التبعي ليس خياراً أخلاقياً شريراً، بل هو نتيجة حتمية لموقعها البنيوي داخل نمط إنتاج تابع ومشوّه. فالطبقة لا تخون لأنها فقدت الوطنيّة، بل لأن بنيتها الاقتصادية لا تُنتج سوى التبعية.
وعلى نفس الخط من الاستيراد الميكانيكي للمفاهيم، يبرز مأزق القفز نحو الحلول الثورية الجاهزة، كإناطة مهام التحرر حصراً بالطبقة العاملة وحزبها الثوري على الطراز البلشفي أو الكلاسيكي. إن هذا الطرح يتغاضى عن حقيقة أن البنية الاقتصادية في مجتمعاتنا افتقرت طويلاً إلى قاعدة صناعية ضخمة تنتج بروليتاريا مليونية منظمة بالمعنى التاريخي الأوروبي. ومثلما أدى استيراد مفهوم البرجوازية إلى تعميمات مضللة، أدى استنساخ أدوات التغيير دون اعتبار للخصوصية العينية للمجتمع إلى انفصال التيارات اليسارية مراراً عن نبض الواقع الشعبي.
إن قراءة الواقع العربي تتطلب مغادرة السطحية الإيديولوجية والأحكام المعيارية الجاهزة. فلا تحرير يمكن أن يُبنى على أوهام استنساخ النماذج التاريخية الغربية، ولا فهم حقيقي للطبقات الصراعية يمكن أن يستقيم دون تفكيك مادي صارخ لشروط نشأتها الاقتصادية وتاريخها العيني في هذه الأرض.

Social Links: