<strong>الثورة والدولة بين الاشتراكية العلمية والفوضوية</strong>

الثورة والدولة بين الاشتراكية العلمية والفوضوية

د . سمير منصري:

من ماركس وباكونين إلى لينين وغرامشي: قراءة نظرية وتاريخية مقارنة

=_منهجبة الفلسفة الماركسية

تُعدّ مسألة الدولة من أكثر القضايا تعقيدًا في الفكر الاشتراكي، لأنها تقع عند تقاطع أسئلة السلطة والثورة والطبقات والحرية والتنظيم السياسي. وإذا كان الفيلسوف والمفكر :

كارل_ماركس و الاشتراكي الفوضوي:

ميخاءيل_باكونين يشتركان في نقد #الرأسمالية والاستغلال الطبقي والسعي إلى مجتمع متحرر من الانقسام الطبقي، فإنهما يختلفان في السؤال الحاسم: هل تحتاج الثورة إلى سلطة سياسية انتقالية، أم أن الدولة نفسها ينبغي أن تكون أول مؤسسة يجري تجاوزها؟!!!

لا يتعلق الخلاف هنا بمجرد شكل الدولة، بل بطبيعة العلاقة بين التحرر والسلطة. ف #الاشتراكيةالعلمية الماركسية تنظر إلى الدولة من خلال تاريخ الصراع الطبقي، بينما تنظر #الفوضوية إلى السلطة السياسية المركزية بوصفها خطرًا قائمًا بذاته على الحرية. وقد أصبح هذا الخلاف أكثر ثراءً مع تجارب* كومونة باريس* والثورة الروسية والتجارب العمالية والمجالسية، ومع إضافات الرفيق:

فلاديمير_لينين و الرفيق:

انطونيو_غرامشي و الرفيقة:

روزا_لوكسمبورغ و #كروبوتكين وغيرهم.!

لا يقدم* ماركس*_ نظرية مكتملة ومغلقة عن الدولة في كتاب واحد، بل تتطور رؤيته عبر *نقد فلسفة الحق هيغل*_، وتحليل المجتمع المدني والرأسمالية، ثم دراسة الصراع الطبقي والثورات الأوروبية;!.

النقطة الأساسية هي أن الدولة لا تظهر في فراغ؛ إنها مرتبطة بالبنية الاجتماعية والصراعات بين الطبقات. ففي المجتمع الرأسمالي ترتبط مؤسسات القانون والملكية والإدارة والجيش والشرطة بإعادة إنتاج النظام الاجتماعي القائم.✓

لكن هذا لا يعني أن ماركس_ تصور الدولة مجرد «أداة» ميكانيكية تتحرك دائمًا وفق إرادة طبقة واحدة. فالتطور اللاحق للفكر الماركسي سيكشف أن الدولة تمتلك قدرًا من الاستقلال المؤسسي، وأن علاقاتها بالطبقات أكثر تعقيدًا من الاختزال الاقتصادي المباشر.

والأهم أن ماركس_ لم يدافع عن الاستيلاء على جهاز الدولة البرجوازي كما هو. ففي تحليله لكومونة باريس_ أكد أن الطبقة العاملة لا تستطيع ببساطة الاستيلاء على جهاز الدولة القائم واستخدامه لأغراضها؛ بل إن تجربة الكومونة كشفت ضرورة تفكيك الجهاز السياسي البيروقراطي والعسكري القديم وإقامة أشكال جديدة من السلطة الشعبية.!

تمثل كومونة باريس_ نقطة التقاء نادرة بين* ماركس_ وباكونين*_، رغم اختلاف تفسير كل منهما لها.

فقد رأى ماركس_ في الكومونة نموذجًا أوليًا لشكل سياسي جديد، تتحول فيه السلطة من جهاز منفصل عن المجتمع إلى قوة اجتماعية تمارسها الجماهير نفسها. أما باكونين_ فاعتبرها تجربة تؤكد ضرورة التحرر من الدولة المركزية والانتقال إلى تنظيم اتحادي حر.!!

واللافت أن كلا الاتجاهين استطاع أن يجد في التجربة ما يدعم رؤيته؛ ولذلك أصبحت الكومونة موضوعًا أساسيًا في الجدل بين الماركسيين والفوضويين. وقد بيّن الباحث #غيرهاردفيشر أن ماركس و”باكونين_ و #فريدريكإنجلز ولينين* قدموا لاحقًا قراءات مختلفة للكومونة، مع اشتراكهم في اعتبارها لحظة حاسمة في تاريخ الحركة العمالية. !!

وهنا تظهر المفارقة: الكومونة لم تكن إلغاءً بسيطًا للسلطة، ولا دولة #بيروقراطية بالمعنى التقليدي؛ بل كانت محاولة تاريخية لإعادة تركيب العلاقة بين السلطة والمجتمع.

ينطلق باكونين_ من تصور جذري للحرية. فالإنسان لا يتحرر، في نظره، بمجرد تغيير من يملك السلطة، وإنما عندما يصبح قادرًا على تنظيم حياته بصورة جماعية دون خضوع لسلطة سياسية منفصلة عنه.!!

لذلك كان اعتراضه الأساسي على فكرة «الدولة الثورية» هو الخوف من أن تتحول السلطة المؤقتة إلى سلطة دائمة. فالنخبة التي تحصل على احتكار القرار باسم الثورة قد تبدأ باعتبار نفسها ممثلة للمجتمع، ثم تتحول تدريجيًا إلى طبقة حاكمة جديدة.!!

وهذه إحدى أهم القضايا التي طرحها* باكونين:*_ كيف يمكن لوسيلة سلطوية أن تؤدي إلى غاية تحررية؟!!

ومن هنا دافع عن الاتحادات الحرة والكومونات والتنظيم الذاتي للعمال، بدل الدولة المركزية.

انتقل #بيتر_كروبوتكين بالفوضوية إلى مستوى آخر، خصوصًا من خلال مفهوم «المساعدة المتبادلة». فقد حاول بناء أساس اجتماعي وتاريخي لفكرة أن التعاون ليس مجرد استثناء، وإنما يمكن أن يكون عنصرًا مهمًا في تطور المجتمعات.!!

وترتبط رؤيته السياسية برفض الدولة المركزية والاعتماد على التنظيمات المحلية والمجتمعات الحرة والتعاون الطوعي. وتُظهر الدراسات الحديثة أن مفهوم المساعدة المتبادلة كان عنصرًا مركزيًا في مشروعه الفكري، وإن كانت العلاقة بين نظريته البيولوجية ومشروعه السياسي محل نقاش نقدي بين الباحثين. !!!!!?

وهنا يختلف كروبوتكين_ عن التصور الذي يساوي الفوضوية بالفوضى؛ فالمجتمع الفوضوي عنده ليس غياب التنظيم، بل تنظيم اجتماعي دون دولة مركزية قهرية!!!!!!!!!!?.

أعاد * لينين*_ صياغة المسألة في سياق مختلف تمامًا: سياق الحرب العالمية الأولى، وأزمة الإمبراطوريات، والثورة الروسية.

في كتاب «الدولة والثورة»، حاول إعادة قراءة ماركس_ وإنجلز_ ضد التأويلات الإصلاحية التي اختزلت الاشتراكية في المشاركة البرلمانية والإصلاح التدريجي.✓

وبالنسبة إلى* لينين*_، لا تستطيع #البروليتاريا ببساطة الاستيلاء على الدولة #البرجوازية وإدارتها كما هي؛ بل ينبغي تحطيم الجهاز البيروقراطي والعسكري القديم وبناء سلطة عمالية جديدة. ولهذا اعتبر السوفييتات شكلًا سياسيًا أكثر ارتباطًا بالديمقراطية العمالية من الدولة البرلمانية التقليدية.✓

تمثل روزا لوكسمبورغ_ موقعًا مهمًا بين الماركسية والفكر الديمقراطي الثوري. فقد دعمت الثورة الروسية، لكنها انتقدت في الوقت نفسه الاتجاهات التي يمكن أن تؤدي إلى تقييد الديمقراطية السياسية والحياة الجماهيرية.

كانت ترى أن #الاشتراكية لا يمكن أن تختزل في ملكية الدولة لوسائل الإنتاج؛ فجوهرها هو المشاركة الواعية للجماهير في إدارة المجتمع.✓

ومن هذه الزاوية، يقترب سؤالها من التحذير الفوضوي دون أن تتبنى موقف باكونين_ من الدولة. فهي لا ترفض السلطة السياسية الانتقالية من حيث المبدأ، لكنها تحذر من أن تتحول الثورة إلى عملية تقوم بها أقلية نيابة عن الجماهير.✓

مع أنطونيو غرامشي_ انتقل النقاش إلى مستوى أكثر تعقيدًا.
ففي المجتمعات الرأسمالية المتقدمة، لا تستمر السيطرة الطبقية بالقوة وحدها. هناك المدرسة والإعلام والثقافة والأحزاب والنقابات والمؤسسات الدينية وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني التي تساهم في إنتاج القبول والهيمنة الثقافية.✓

ولهذا طور *غرامشي *_مفهوم «الدولة المتكاملة» التي تتداخل فيها الدولة السياسية والمجتمع المدني، وتتفاعل فيها آليات الإكراه مع آليات الإقناع والهيمنة. !

وهذا التصور يضيف بعدًا مهمًا إلى الجدل بين* ماركس_ وباكونين*_: فإذا كانت السلطة لا توجد فقط في الشرطة والجيش والقانون، فإن إلغاء الجهاز السياسي وحده لا يعني بالضرورة إلغاء علاقات الهيمنة.

وبالتالي تصبح الثورة أيضًا صراعًا على الثقافة والوعي والتنظيم الاجتماعي.
يمكن تلخيص التطور النظري في ثلاثة اتجاهات:
ماركس_ الذي الدولة ظاهرة تاريخية مرتبطة بالمجتمع الطبقي، والانتقال الاشتراكي يتطلب سلطة سياسية جديدة، لكن الهدف النهائي هو مجتمع تزول فيه الشروط التي تجعل الدولة كجهاز قهر طبقي ضرورية.

و باكونين_الذي يرى أن الدولة، حتى عندما تتبنى خطابًا ثوريًا، تحمل خطر إنتاج سلطة منفصلة عن المجتمع؛ ولذلك يجب استبدالها بالتنظيم الذاتي والاتحادات الحرة.

أما الرفيق غرامشي_ يسير الى أن الدولة الحديثة ليست مجرد جهاز قمع، بل بنية مركبة من الإكراه والهيمنة، ومن ثم فإن تغيير المجتمع يتطلب بناء قوة اجتماعية وثقافية قادرة على إنتاج هيمنة بديلة.

وهذه المقاربات الثلاث تكشف أن السؤال الحقيقي ليس فقط «من يملك الدولة؟»، بل أيضًا: «كيف تُنظّم السلطة؟ ومن يراقبها؟ وكيف تمنع الجماهير تحول المؤسسات الثورية إلى بيروقراطية مستقلة؟

تمثل الحرب الأهلية الإسبانية 1936–1939 تجربة مهمة لدراسة التوتر بين التنظيم الفوضوي والسلطة المركزية.

فقد لعبت الحركة الأناركية، خصوصًا CNT وFAI، دورًا واسعًا في تنظيم قطاعات من العمال والفلاحين وإنشاء تجارب تعاونية ومجالس محلية في بعض المناطق.

لكن الحرب كشفت مشكلة استراتيجية عميقة: كيف يمكن الجمع بين الثورة الاجتماعية والدفاع العسكري المركزي في مواجهة خصم يمتلك جيشًا وتنظيمًا وموارد دولية؟

أصبحت #إسبانيا بالتالي تجربة تاريخية مهمة في النقاش حول العلاقة بين التنظيم الذاتي، والسلطة، والحرب، ووحدة القرار السياسي. وهي لا تقدم إجابة نهائية، لكنها تكشف أن الانتقال الثوري يجري في ظروف صراع حقيقي وليس في مختبر نظري.

بعد القطيعة السوفييتية ـ اليوغوسلافية، تطورت في يوغوسلافيا تجربة الإدارة الذاتية للعمال، التي حاولت منح المؤسسات العمالية دورًا أكبر في إدارة الاقتصاد.

وقد مثّلت هذه التجربة محاولة للبحث عن طريق يختلف عن النموذج السوفييتي شديد المركزية، دون الانتقال إلى الرأسمالية الليبرالية.!!?

لكن التجربة واجهت بدورها تناقضات تتعلق بالسوق، والفوارق بين الجمهوريات، والبيروقراطية، والتفاوت الاقتصادي، والعلاقة بين الحزب والدولة والمؤسسات العمالية.

وتكشف التجربة أن السؤال ليس ببساطة: الدولة أم غياب الدولة؟ بل كيف يمكن تحقيق توازن بين التخطيط والتنسيق والديمقراطية الاجتماعية والاستقلال المحلي.

تكشف التجارب الاشتراكية والفوضوية عن مفارقة أساسية.

فالثورة تحتاج إلى التنظيم لكي تواجه الدولة القديمة والطبقات المالكة والضغوط الخارجية. لكنها، في الوقت نفسه، تحتاج إلى ديمقراطية جماهيرية ورقابة اجتماعية كي لا يتحول التنظيم إلى بيروقراطية.

وهنا تتقاطع بعض مخاوف باكونين مع تحذيرات روزا لوكسمبورغ وغرامشي، رغم اختلاف منطلقاتهم.

وفي المقابل، تكشف التجارب الثورية أيضًا صحة بعض مخاوف ماركس ولينين بشأن خطر ترك جهاز الدولة القديم قائمًا؛ إذ إن الطبقات المالكة لا تتخلى بالضرورة عن قوتها الاقتصادية والسياسية بمجرد إعلان الثورة.

إذن هناك خطران متعاكسان:
خطر غياب السلطة المنظمة:
قد يسمح للطبقات القديمة بإعادة تنظيم نفسها وإجهاض التحول الثوري.!

وخطر تضخم السلطة:
قد يؤدي إلى بيروقراطية تنفصل عن الطبقة التي تدعي تمثيلها.

ومن هنا يمكن فهم جوهر المعضلة الاشتراكية الحديثة: كيف تُبنى سلطة انتقالية قابلة للرقابة والتفكيك، لا سلطة دائمة فوق المجتمع!!?
… من «الدولة أم الثورة؟» إلى «كيف تتحرر السلطة من نفسها؟»

إن المقارنة بين ماركس_ وباكونين، ثم إدخال* لينين وروزا لوكسمبورغ_ وغرامشي* وكروبوتكين_ في النقاش، تكشف أن قضية الدولة ليست هامشًا في النظرية الاشتراكية، بل تقع في قلب مشروع التحرر الاجتماعي.

لقد رأى ماركس_ أن الدولة مرتبطة تاريخيًا بالصراع الطبقي وأن تجاوزها يرتبط بتجاوز المجتمع الطبقي نفسه. أما* باكونين_ فركز على الخطر الكامن في السلطة المركزية، محذرًا من أن الدولة الثورية قد تنتج طبقة حاكمة جديدة. وأضاف كروبوتكين*_ إلى هذا التصور فكرة التنظيم الاجتماعي القائم على التعاون والمساعدة المتبادلة. أما لينين فأعاد طرح الدولة باعتبارها ميدانًا للصراع الثوري والانتقال الاشتراكي، في حين وسّع غرامشي مفهوم السلطة ليشمل الهيمنة الثقافية وصناعة القبول داخل المجتمع المدني. وتدخل روزا لوكسمبورغ لتؤكد أن الاشتراكية لا تنفصل عن الديمقراطية والنشاط الجماهيري.

وعليه، فإن الدرس النظري الأهم لا يكمن في اختيار أحد النموذجين بصورة عقائدية جامدة، بل في فهم التناقض الجدلي بين الحاجة إلى التنظيم السياسي والحاجة إلى الرقابة الشعبية، بين السلطة والتحرر، بين المركزية والديمقراطية المحلية، وبين الدفاع عن الثورة ومنع البيروقراطية من الاستقلال عن المجتمع.

ومن هذا المنظور تصبح المسألة المركزية للاشتراكية العلمية المعاصرة:

كيف يمكن للطبقة العاملة والجماهير الشعبية أن تمتلك السلطة السياسية دون أن تتحول السلطة إلى قوة منفصلة عنها؟ وكيف يمكن بناء مؤسسات قادرة على حماية التحول الاجتماعي، وفي الوقت نفسه قابلة للمساءلة والتغيير والاضمحلال عندما تزول الشروط الطبقية التي أنتجتها؟

وهذا هو جوهر المسألة التي بدأها ماركس_ وباكونين_ في القرن التاسع عشر، وظلت مفتوحة أمام لينين_ وروزا لوكسمبورغ_ وغرامشي_ وكروبوتكين_ والتجارب الثورية اللاحقة: الثورة ليست مجرد الاستيلاء على السلطة، وإنما إعادة بناء العلاقة بين السلطة والمجتمع بحيث يصبح التحرر الجماعي هو الغاية، لا مجرد تغيير أصحاب السلطة.

ضد الإمبريالية

  • Social Links:

Leave a Reply