راغدة ابراهيم
عضو المكتب السياسي لحزب اليسار الديموقراطي السوري
…………
عندما نناقش شكل الدولة التي نريد بناءها، لا يكفي أن نسأل: من سيحكم؟ بل علينا أن نسأل قبل ذلك: ما طبيعة العلاقة بين الدولة والإنسان؟ هل هي علاقة مواطنة قائمة على الشراكة والحقوق المتبادلة، أم علاقة تبعية تتحول فيها الدولة إلى سلطة فوق الإنسان ويصبح الفرد مجرد تابع لها؟
فالدولة في جوهرها ليست غاية بحد ذاتها، بل هي إطار ينظم حياة الناس ويحمي حقوقهم وكرامتهم. ولم توجد الدولة ليكون الإنسان خادمًا لها، بل وجدت لتكون وسيلة لحماية الإنسان وضمان أمنه وحريته وحقوقه.
ومن المهم هنا التمييز بين الدولة والسلطة. فالدولة ليست السلطة وحدها، بل هي كيان يقوم على الشعب والأرض والمؤسسات والقانون. أما السلطة فهي إحدى وظائف الدولة، وتُمنح من أجل إدارة الشأن العام وتنظيم العلاقات داخل المجتمع. وعندما تكون السلطة نابعة من إرادة الناس وخاضعة للقانون، فإنها تصبح أداة لخدمة الدولة والمجتمع. لكن الخطر يبدأ عندما تتغول السلطة على باقي مؤسسات الدولة، وتتصور أنها صاحبة الحق في السيطرة على الشعب، بدل أن تكون مسؤولة أمامه وخادمة لمصالحه.
فالسلطة لا تستمد مشروعيتها من مجرد امتلاك القوة، بل من قبول الناس بها ومن التزامها بالقانون واحترامها للحقوق. والدولة القوية ليست الدولة التي تخضع مواطنيها، بل الدولة التي تجعل مواطنيها يشعرون بأنهم شركاء في بنائها.
كثيرًا ما تُختزل الديمقراطية في مفهوم واحد: حكم الأكثرية العددية. ولا شك أن إرادة الناس واختيارهم عنصر أساسي في أي نظام ديمقراطي، لكن الديمقراطية الحقيقية لا يمكن أن تكون مجرد عملية انتخابية تنتهي عند إعلان النتائج. فالديمقراطية تقوم أيضًا على حماية الحقوق والحريات، وعلى وجود قانون يساوي بين الناس، وعلى عدم امتلاك أي أغلبية الحق في إلغاء حقوق الآخرين.
لكن، ماذا لو اختارت الأغلبية الانتخابية قرارات أو تشريعات تقيد حقوق فئة أخرى؟ هل تصبح هذه القرارات ديمقراطية لمجرد أنها حصلت على عدد أكبر من الأصوات؟ هنا يظهر الفرق بين ديمقراطية تقوم على حكم العدد فقط، وديمقراطية دستورية تجعل من حقوق الإنسان والمواطنة حدودًا لا يجوز تجاوزها.
ومن هنا تأتي أهمية مفهوم المواطنة. فالمواطن في الدولة الحديثة لا يستمد حقوقه من دينه أو طائفته أو قوميته أو أفكاره السياسية، بل من كونه إنسانًا يحمل جنسية هذه الدولة. والمواطنة لا تعني إلغاء الاختلافات بين الناس، بل تعني أن هذه الاختلافات لا تتحول إلى درجات متفاوتة في الحقوق والواجبات.
إن الاعتراف بالتنوع بين الناس لا يكفي وحده، بل يحتاج إلى دولة قادرة على إدارة هذا التنوع بعدالة. ومن هنا يظهر سؤال العلاقة بين الدولة والدين: كيف يمكن للدولة أن تحترم إيمان الناس ومعتقداتهم، وفي الوقت نفسه تضمن أن يكون القانون والحقوق متساوية بين الجميع؟ في هذا السياق يبرز مفهوم العلمانية، الذي كثيرًا ما يُفهم بصورة غير دقيقة.
فالعلمانية ليست موقفًا عدائيًا تجاه الدين، وليست محاولة لإبعاد الإنسان عن معتقده. فالدين جزء من حياة الكثير من الناس، ومن حقهم ممارسة إيمانهم والتعبير عن أفكارهم. لكن القضية الأساسية هي: ما العلاقة بين الدين والدولة؟ وهل تكون الدولة ممثلة لجميع مواطنيها، أم تكون مرتبطة بهوية دينية محددة؟
العلمانية في جوهرها تعني أن تكون مؤسسات الدولة على مسافة واحدة من جميع المواطنين، وأن يكون القانون عامًا، يصاغ من خلال إرادة بشرية قابلة للنقاش والتعديل، لا باعتباره أمرًا مفروضًا لا يمكن مراجعته لأنه يستند إلى مرجعية غير قابلة للنقاش العام.
لكن، ماذا لو اختارت الأغلبية الانتخابية تشريعات مستمدة من مرجعية دينية؟ هل يمنحها وصولها عبر صندوق الاقتراع صفة الدولة المدنية؟ هنا لا تكمن القضية في منشأ القيمة القانونية، فالكثير من القوانين في مختلف المجتمعات تتقاطع مع قيم أخلاقية ودينية. إنما يكمن السؤال في طبيعة القانون نفسه: هل يبقى تشريعًا بشريًا قابلًا للنقاش والتعديل وفق حاجات المجتمع وحقوق أفراده، أم يتحول إلى نص مقدس خارج دائرة المراجعة؟
فالدولة المدنية لا تحارب قيم المجتمع، لكنها تحافظ على بشرية القوانين، بحيث تبقى وسيلة لحماية الإنسان وخدمة المجتمع، لا سلطة فوق الإنسان.
الدولة التي نحتاجها ليست دولة تحارب الدين، كما أنها ليست دولة تمنح دينًا معينًا سلطة فوق جميع المواطنين. الدولة التي نحتاجها هي دولة تحمي حق الإنسان في الإيمان والاختلاف، وفي الوقت نفسه تضمن أن يكون القانون واحدًا للجميع.
فالمجتمعات لا تُبنى فقط بما تؤمن به الأغلبية، بل بقدرتها على حماية حق الاختلاف. وقوة الدولة لا تأتي من فرض هوية واحدة على مواطنيها، بل من قدرتها على جعل كل إنسان يشعر أن كرامته وحقوقه مصانة، وأنه شريك في صناعة وطنه لا مجرد فرد يعيش تحت سلطة الآخرين.
ويبقى السؤال الأهم: هل نريد دولة تحكم المواطنين، أم دولة يكون المواطنون شركاء في بنائها؟

Social Links: