عندما يستلب «المسخ» سيادة الأصل

عندما يستلب «المسخ» سيادة الأصل

د شهد صالحة


هندسة التّزوير وأنطولوجيا الزّيف: عندما يستلب «المسخ» سيادة الأصل
في المشهد السّوريّ الرّاهن، لم يعد التّلوّث مجرّد انحدار قيميّ عابر، بل تحوّل إلى «هندسة تزوير» منظّمة تقودها عقليّة تسعى لصناعة واقع مواز عبر استلاب الحقيقة. إنّنا نشهد صعود قادة يحملون شهادات الأستاذيّة في الالتفاف على الحقائق، تحيط بهم جوقة من «الدّكاترة» الّذين يتقنون تطويع اللّغة وتطويق مفاهيمها، في مفارقة فلسفيّة مريرة؛ إذ يحملون ألقابا علميّة في الوقت الّذي يجرّمون فيه «الفلسفة» الّتي هي الأصل والرّوح لكلّ درجة أكاديميّة (PhD). إنّ هذا التّغييب المتعمّد للفكر النّقديّ هو حجر الزّاوية في عمليّة «التّزوير السّياديّ» الّتي تسعى لسلخ الهويّة الحضاريّة واستبدالها بكائنات هلاميّة تقتات على شهوة السّلطة.

تتجلّى خيبة هذه الأقنعة حين يرفض التّاريخ مصافحة «المسخ»؛ إذ يعتقد الواهمون أنّ بإمكانهم إعادة اختراع الوجود بمجرّد طباعة أوراق يطلق عليها زورا صفة «المال»، ظنّا منهم أنّ الورق قادر على محو ذاكرة الشّعوب. لكنّ الصّدمة الوجوديّة تأتي دائما من «الأصل»؛ فحين ترفض المنظومة الدّوليّة الاعتراف بعملة هزيلة وتتمسّك بالنّسخة التّاريخيّة القديمة، فإنّها لا تقوم بفعل تقنيّ محض، بل توجّه إدانة أخلاقيّة لمحاولة الانفصال عن الجذور. إنّ تبخّر السّيولة وعجز «الدّولة» عن دفع الرّواتب هو النّتيجة الحتميّة لغطرسة استبدلت الانتماء بالاستلاب، ممّا أدّى إلى انهيار العقد الاجتماعيّ تحت وطأة الزّيف.
ومع انغلاق الأفق، تهرع سلطة الظّلّ إلى دهاليز «الحلبوني»، حيث يعمل مهندسو التّزوير أولئك الّذين زيّفوا التّاريخ والمواقف على إغراق الواقع بأوراق تفتقر لأدنى معايير الأمان المادّيّ والمعنويّ. إنّ هذا الخيار يمثّل ذروة «تلوّث الإنسان المؤسّساتيّ»؛ حيث تدار شؤون السّيادة بعقليّة «السّوق السّوداء»، ويهدر الأمن القوميّ والاقتصاديّ لتبييض وجه عصابات الظّلّ. إنّها اللّحظة الّتي تكتمل فيها دائرة التّلوّث، حيث يصبح «التّزوير» هو المنهج، و «الزّيف» هو العملة الوحيدة المتداولة في بورصة البقاء.
رغم هذا التّلوّث الممنهج، برزت أصوات من قلب المؤسّسة ذاتها لتعرقل هذه المقامرة الوجوديّة. إنّ بطل «النّهج الوسطيّ» الّذي خاطر بكيانه لفضح مخطّطات الطّباعة في الأقبية المظلمة، يثبت أنّ أقنعة «الدّكاترة» المزيّفة قد سقطت أمام وهج الحقّ. إنّ هذا الاختراق الأخلاقيّ أظهر أنّ هندسة التّزوير لن تمرّ دون ممانعة ما دام هناك من يضع «مصلحة الوجود الإنسانيّ» فوق مصالح العصابات. إنّ هؤلاء الشّرفاء هم «البقيّة الباقية» من إرث (ابن الكار) الّذي يرفض أن يلوّث يده بزيف الورق.
إنّ شرعيّة «الأصل» لا تزيّف بقرار؛ فالاستعانة بـ «دكاترة التّزوير» لطباعة الرّواتب لن يحلّ الأزمة، بل سيحوّل العاصمة العريقة إلى بؤرة للعملات المزيّفة والانهيار القيميّ الشّامل. إنّ تلوّث الإنسان يبدأ بإنكار الحقيقة وإنكار الفلسفة كأداة للتّبصّر وينتهي بالانهيار تحت ثقل أوراق لا تملك روحا ولا وطنا. إنّ الرّهان على «الحلبوني» هو رهان على العدم، ولن يكون مصير هذا الهيكل إلّا السّقوط فوق رؤوس من شيّدوا مجدهم على رمال الزّيف، ليبقى الأصل وحده شاهدا على زوال المسخ. والسّؤال: كيف يتمّ التّزوير؟

  • Social Links:

Leave a Reply