الاهبل

الاهبل

د عارف دليله


قال لي الدكتور عزمي بشارة ، عندما دعى المعارضين السوريين الى مؤتمر في الدوحة ، بعد اندلاع المظاهرات في سورية عام ٢٠١١ ، وكنا ، الدكتور عزمي بشارة وانا والدمتور هيثم مناع ، قد قدمنا ، معا ، على شاشة ” الجزيرة ” مداخلات في شرح اسباب انطلاق الربيع العربي ، وكان الدكتور عزمي في سورية مع بداية رئاسة من يوصف الان ب” الأهبل” ( وهو يستحق ، فعلا، هذا الوصف ، اصافة الى كثير مثله واشد منه، لان مافعله بسورية واهلها من تدمير وقتل وتهجير وفساد وقمع وحشي لم يفعله احد في التاريخ ، ثم هروبه الجبان الذليل من سورية بعد ان تركها قاعا صفصفا ، وتفويت ما لايقدر من الفرص و المقدرات التي كان بإمكانها ان تجعل سورية في مرتبة عالية ومحترمه بين الدول ، وترك كل شيء خلفه هدية او مكرمة سهلة الاقتناص لمن يحل محله ) وكان الدكتور عزمي بشارة ، قبل مغادرته سورية الى قطر ، يلتقي ب ( الاهبل ، الرئيس ، آنذاك ) مرتين اسبوعيا ، على الاقل . وبعد اعتقال نشطاء ربيع دمشق في ٩/٩/٢٠٠١ ساله : كيف تعتقل عارف دليلة ؟ فيرر له اعتقالي : (انه اهبل ، مجنون ! ) فساله : “وهل يعتقل الاهبل والمجنون؟ وبالفعل ، فان عقله القاصر الفاسد لم يستطع فهم كيف اختار السجن وارفض كل العروض المغرية التي اراد ان يرشيني بها لأنشغل بالامتيازات غير المحدودة ، وانوقف عن المعارضة واصمت عن نقد الاستبداد والفساد . وكان اول العروض هو ان اعمل مستشاره الاقتصادي واكون تحت جناحه في القصر ، وعندما رفضت ذلك علنا ، جاء العرض الذي قدمه لي رئيس وزرائه مصطفى ميرو ، بتوجيه منه ، بعد رفضي لمنصب مستشاره عندما اجبت اثناء محاضرة دعاني لتقديمها مدير المركز الثقافي في صحنايا ( وقد طرد من منصبه بعد تقديم محاضرتي واتصل بي لاتوسط له ، لانه لم يقم بدعوتي الا تنفيذا منه لقرار الفرقة الحزبية في المركز بتوجيه الدعوة لي وتحديد العنوان ” الفساد الاقتصادي والإداري في سوريا ” وهذا القرار مثبت بمحضر اجتماع الفرقة الحزبية، اعتقادا منه باني مرتبط مباشرة بالقصر ، طالما انني استطعت قول اشياء غير معتادة ، فاجبته لن استطيع مساعدتك بشيء لاني منذ ثلاثة سنوات مصروف من الجامعة بسبب ارائي! )، وقد القيت محاضرتي بعد لقائي ب” الرئيس ” ، بدعوة منه ، بعد خطاب القسم ، الملغم !
سالني احدهم _ بتكليف مخابراتي ، بعد نهاية محاضرتي : “مكانك، يادكتور، هو ان تعمل مستشارا اقتصاديا لسيادة الرئيس لتساعده في تنفيذ برنامجه الاصلاحي العظيم لسورية واصلاح القطاع العام ومكافحة الفساد ” . فقلت : انا لست الا مواطنا صاحب راي حر ، اقوله علنا ، فان اعجبهم أخذوا به والا فيبقى رايا خاصا بي ، اما ان اتولى منصبا استشاريا فإنهم منذ عشرات السنين يحيطون انفسهم بالرجال الذين يطلقون ايديهم في ادارة الاقتصاد والبلاد بطريقة تعجبهم وياتمنونهم جدا على هذه المسؤوليات ، وبالتالي فهم ليسوا بحاجة لمعارض مثلي يؤمن بأشياء مخالفة لما يجري على ارض الواقع على مدى عقود ، كما اني لا ارغب باي منصب غير الغاء قرار صرفي من الخدمة ، المخالف للدستور والقانون ، احتراما لتوقيع رئيسهم على الدستور والقانون !
دعاني رئيس الوزراء وكلمني بانه مكلف باصدار قرار تعييني في اي منصب اختاره بنفسي، وقال : ” اليوم ارسلت قرارا لوزير التعليم العالي بالغاء قرار صرفك من الخدمة وبعودتك الى الجامعة ، وارغب منك ان تساعدنا في اصلاح مؤسساتنا الاقتصادية ، واقترح عليك ان تبدأ باستلام مدير مصنع الزيوت في حماه ، وقد رصدنا ١٨ مليون دولار ( مع ابتسامة خبيثة ) لتوسيعه لتصفية بذور القطن التي نرسلها الان لتركيا لتصفيتها . فاجبته : “ان اي عامل في هذا المعمل يستطيع إدارته احسن مني ! ولا أرغب الا بعودتي الى عملي الاصلي كاستاذ في كلية الاقتصاد “. ولما لم يستطع اقناعي بالمغريات قال لي : عد الى البيت وفكر خلال أسبوع واخبرني بالهاتف بالمنصب. الذي اخترته لاصدر قرار تعيينيك به فورا ، فقلت له :” لا حاجة للانتظار اسبوعا ، فلن اتصل “! وفهمت انهم يريدون اصطيادي في منصب مغر بصلاحية ضخمة لاغراقي معهم بالفساد والخلاص مني متهما، بدلا من اعتقالي وانا معارض لفسادهم . وهذا ما حصل مع الشخص الذي عينوه مديرا للشركة التي عرضوا علي استلامها ، اذ قرات في الجريدة ، بعد عام ، وانا وراء القضبان ، خبر اعتقال المدير الذي عينوه لادارتها !
وانتهى الأمر الى ان اكبر مسؤولين اثنين في البلد قالوا : لقد الغينا قرار صرفك من الخدمة . وكذبوا ! وهكذا لم اعد الى الجامعة ، بل ، لاني لم انفذ رغبتهم بدمجي بجهازهم الفاسد ، بل استمررت بتصعيد انتقاداتي ، حتى معارضتي لاهدائهم شركة للهاتف الخليوي للمسؤول عن خزانة فسادهم ، فكان ذلك الشعرة التي قصمت ظهر البعير ، فقد قرروا اعتقالي وسجني حتى الموت !
اما الوصف الاخر الذي اطلقه “الاهبل” علي لتبرير اعتقالي فهو “عميل المخابرات الألمانية”! .
روى لي الدكتور خير الدين حسيب ، رئيس مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت ، ورئيس المؤتمر القومي العربي الذي كنت انا احد اعضائه ، وكان يجتمع سنويا ، ويشارك فيه عدد من اشهر الشخصيات الفكرية والسياسية في الوطن العربي ، وفي احدى المناسبات كنت في بيروت ، فدعاني الدكتور خير الدين حسيب ( المرحوم ) ، انا والزميل ( المرحوم )مشيل كيلو الى بيته. وحكى لنا عن الزيارة التي قام بها الى ” سيادته ” بدمشق ، مع أعضاء الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي وهم ١٥ من ابرز الشخصيات الفكرية والسياسية في الوطن العربي ، لمطالبته باطلاق سراح معتقلي ربيع دمشق بعد اعتقالنا باسبوعين ( وكنت انا وسديقي المحامي ( المرحوم) حبيب عيسى من أعضاء المؤتمر ) ، ظنا منعم انه ، كما كان يصوره اعلامه ، رئيس تحرير سورية من الاستبداد والفساد لجعلها دولة عصرية ديمقراطية، فعلا . فعندما اجتمعوا به وعبروا عن استغرابهم لاعتقالنا وان هذا يسيء لصورة النظام في الداخل والخارج ، فقال لهم عني : ” انه عميل للمخابرات الألمانية ” ! وقد فهموا فورا ان هذا الشخص ليس هو الرئيس التحرري الواعي الذي يبشر به الاعلام الرسمي ، وصمتوا كليا ليسمعوا منه محاضرة لمدة ساعتين من الكلام الاجوف . وعادوا بخيبة امل الى بيروت .
ولعل بعض السادة الشركاء في ذلك الاجتماع يروون لنا تفاصيله ، مشكورين .

  • Social Links:

Leave a Reply