خطر انهيار نظام الشرع

خطر انهيار نظام الشرع

مركز البحوث الدولي

خطر الإنهيار القريب لنظام الشرع
تقرير مركز البحوث الإستراتيجية الدولي يحذر من خطر الإنهيار القريب لنظام الشرع (ترجمة بدون أي تعديل)
إن نموذج الحكم الذي يُطبَّق في سوريا بعد سقوط نظام الأسد تحت قيادة رئيس الحكومة الانتقالية أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني سابقاً) يمثّل استنساخاً مباشراً للمنظومة الاقتصادية والأمنية القائمة على الجباية والاحتكار التي سبق وصقلها داخل جيب إدلب على أسلوب الجريمة المنظمة في لغة العنف وقتل الخصوم وفرض الأتاوات.
الثغرة الإستراتيجية الأكبر في الحسابات الأمريكية هي تجاهل رردة فعل الشعب السوري؛ فالقراءة الدقيقة لمعطيات الواقع تؤكد أن غض الطرف الأمريكي والاعتماد الحصري على سلطة أحمد الشرع (الجولاني سابقاً) يمثّل رهاناً قاصراً ومعزولاً عن حقائق الأرض. فالولايات المتحدة، برغم نفوذها المالي وقدرتها على توجيه عقود الشركات العملاقة، لا تمتلك مطلقاً أدوات السيطرة على الشارع السوري الغاضب، كما لا يمكنها تحجيم اللاعبين الإقليميين والدوليين الكبار الذين يمتلكون أوراقاً حاسمة قادرة على نسف المشهد بأكمله. تتجلى الحقيقة العارية لهذا العجز الأمريكي في المحاور التالية:
1 – العجز عن السيطرة على الشارع السوري الجائع
• حدود القبضة الأمنية: تعتقد واشنطن واهماً أن جهاز أنس خطاب الأمني قادر على ضبط البلاد إلى الأبد عبر القمع والتعذيب. لكن الحقيقة التاريخية (كما حدث في إدلب عام 2024) تثبت أن الشارع السوري عندما يصل إلى حافة المجاعة المطلقة وفجوة فقر تبلغ 92% بسبب احتكارات وسياسة نطام الشرع – مثل “شركة طيبة للمحروقات” وغياب الخدمات، فالشعب سيكسر حاجز الخوف كما حدث لنظام الأسد
• انفجار غير قابل للاحتواء: لا يمكن للمسيرات الأمريكية أو التغطية السياسية في واشنطن منع انفجار ثورات الجوع والإضرابات العمالية الشاملة. الشارع السوري ليس خاضعاً للإرادة الأمريكية، وتوالي التصفيات الصامتة للضباط تحت مسمى “النوبات القلبية” يزيد من احتقان الحاضنة الشعبية والعسكرية التي تنتظر لحظة الصدام.
2 – تهميش تركيا.. اللعب بالنار على الحدود الشمالية:
• تصفية النفوذ التركي: يظن الشرع أن الحماية الأمريكية تمنحه الاستغناء عن أنقرة. ولذا يعمد الشرع حالياً إلى تقليص وتهميش النفوذ التركي وحلفائه من فصائل الشمال (وهو ما ظهر سابقاً في محاولة الصدام مع جناح أبو أحمد زكور وعشائر الشرقية).
• أوراق القوة التركية: هذا التهميش يمثّل خطأً إستراتيجياً قاتلاً؛ فتركيا تشترك مع سوريا بحدود برية هائلة، وتمتلك السيطرة الكاملة على الشريان التجاري والمائي للشمال، فضلاً عن نفوذها العميق داخل العقيدة العسكرية لعديد من التشكيلات المسلحة. إذا قررت أنقرة رفع الغطاء الأمني أو تحريك الملف العشائري ضد دمشق، فإن نظام الشرع سيتزعزع هيكلياً، ولن تستطيع واشنطن حمايته ميدانياً.
ومن خلال تحليل مركزة قطاع الطاقة عبر الشركات الناشئة، وصعود أوليغارشية تابعة لهيئة تحرير الشام، والتصفيات الداخلية الأخيرة، يتمخض توازٍ بنيوي واضح بين نموذج إدلب القديم ونظام الشرع الحالي كالتالي:
1 – مخطط إدلب في دمشق – الجباية الاقتصادية و”شركة طيبة”:
مثلما وظّف الشرع شركة “وتد للمحروقات” لاحتكار قطاع الطاقة وفرض تكاليف معيشية باهظة على المدنيين خلال سنوات إدلب، قام نظامه بتوسيع هذا النموذج على مستوى البلاد عبر “شركة طيبة للمحروقات”
• مشروع شركة “طيبة للمحروقات”: تدير شركة طيبه اليوم كافة محطات الوقود المدنية (سادكوب) والعسكرية لدولة سوريا سابقا ،نحو 150 محطة وقود محصنة أمنياً منحت لها حصريا بقرار من الجولاني. هذه المحطات موزعة على المحافظات السورية الـ 14 (تضم خطوط الإمداد الممتدة من إدلب وحماة وحمص وصولاً إلى دمشق). تعمل “طيبة” كذراع مالي رئيسي للشرع وللنخبة الحاكمة، وحلت فعلياً محل شبكات التوزيع الوطنية لتصبح بمثابة وزارة ظل حقيقية.
• التلاعب بالأسعار والمجاعة المفتعلة: كلما تغيرت التوازنات الإقليمية أو تذبذبت تدفقات الطاقة، تعمد شركة “طيبة” إلى قطع الإمدادات أو رفع الأسعار عند المضخات بشكل مفتعل. يتسبب هذا الاحتكار في قفزات سعرية فورية ومتلاحقة تطال المواد الغذائية الأساسية، الخبز، وتكاليف النقل والمياه
• فجوة فقر الشعب البالغة 92% في الوقت الذي تراكم فيه شبكات عائلة الشرع والأوليغارشية المقربة منه ثروات طائلة من خلال احتكار الطاقة وعقود إعادة الإعمار الحصرية، يظل السواد الأعظم من الشعب قابعاً تحت خط الفقر بنسبة مروعة تصل حاليا إلى 92% بزيادة تقدر بحوالي 5% عما عاناه الشعب في عهد الأسد و يتزامن ذلك مع فشل كامل في ترميم قطاعات المياه العامة، الكهرباء البلدية، أو الخدمات الأساسية خارج المربعات السكنية المخصصة للنخبة.
2 – الدولة الأمنية: التعذيب، “النوبات القلبية”، واستنفار “الفرقة 84”
تبددت وعود الإصلاح الإداري ومأسسة الدولة أمام استمرار الممارسات الأمنية القديمة للهيئة، والتي تُدار بالكامل خلف الكواليس بيد قادة من وزن أنس حسن خطاب
• انتهاكات السجون بعد الأسد: أعادت قضايا وفاة معتقلين بارزين تحت التعذيب داخل مراكز الاحتجاز المعاد هيكلتها إشعال حالة الرعب الشعبي. وتؤكد التحقيقات المستقلة بانتظام أن المحققين يتبعون أساليب العنف الجسدي نفسها التي كانت سائدة في عهد الأسد وعهد الهيئة في إدلب.
• تصفيات “النوبات القلبية”: لإحكام السيطرة المطلقة على المؤسسة العسكرية، ضربت سلسلة من الوفيات الغامضة ضباطاً رفيعي المستوى في الجيش. وضمن نمط يذكّر بأساليب المخابرات العسكرية للنظام السابق والتصفيات الداخلية المبكرة للهيئة، يتم الإعلان رسمياً عن وفاة هؤلاء القادة إثر “نوبة قلبية مفاجئة” أو “جلطة دماغية”. في المقابل، يجمع المراقبون الإقليميون على أن هذه الحالات هي عمليات اغتيال وممنهجة لتصفية وقتل العناصر الغير جهادية أو إرهابية المنشـأ (كالضباط المنشقين عن الجيش السوري) أو المشتبه في تخطيطها للانشقاق عن السلطة أو التي كانت فصائل منافسة لجبهة النصرة في أي وقت.
• مخاوف “الفرقة 84”: تسود حالة من الذعر والاضطراب صفوف “الفرقة 84” — وهي وحدة عسكرية تخصصية تضم نحو 30 ألف مقاتل، أُنشئت بإشراف رئاسي مباشر لاستيعاب المقاتلين الأجانب وعابري الحدود (لا سيما المقاتلين الأويغور، والأوزبك، والقوقازيين). هؤلاء المقاتلون، الذين جرى دمجهم بتوافقات إقليمية ودولية لتحقيق الاستقرار على الجبهات، يطلقون اليوم صفارات الإنذار بسبب تغير الرياح السياسية؛ إذ يخشون تعرضهم لعملية تصفية جماعية أو نزع سلاح قسري بعد أن انتهت وظيفتهم كـ “رأس حربة” عسكرية، وفي ظل سعي الشرع لانتزاع اعتراف دولي أوسع بنظامه.
3 – المدى الزمني المتوقع للانتفاضة وفرص انقلاب “خطاب” لإقصاء الشرع
يكشف مقارنة الديناميكيات الحالية بالمسار التاريخي لانتفاضة إدلب عام 2024 عن جدول زمني متسارع نحو الصدام:
• المدى الزمني المتوقع قبل الانفجار الشعبي: في إدلب، استغرق الأمر نحو 4 إلى 5 سنوات من الجباية المادية واحتكار السلع (2019–2023) مصحوباً بالتغول الأمني الفاضح (مقتل عبد القادر الحكيم تحت التعذيب مطلع 2024) لإشعال حراك مدني وجودي هدد السلطة. أما على المستوى الوطني الشامل، ونظراً للتدمير الهائل في البنية التحتية والارتفاع الحاد في سقف توقعات الشارع، فإن حد التحمل الشعبي منضغط جداً. ويقدر المحللون أنه في حال عدم لجم احتكارات شركة “طيبة”، وغياب الخدمات، واستشراء الفساد، فإن احتجاجات الجوع العفوية والإضرابات العمالية الإقليمية ستتكتل لتتحول إلى انتفاضة مدنية شاملة غضون 12 إلى 18 شهراً.
• احتمالية انقلاب أنس خطاب (متوسطة إلى عالية): بوصفه رئيساً لجهاز الاستخبارات العامة ووزيراً للداخلية، يمسك أنس خطاب بالمفاتيح الفعلية للدولة العميقة. وإذا ما تحول الشرع إلى عبئ سياسي نتيجة الانهيار الاقتصادي، أو إذا تسببت مركزة الثروة في تهميش الجهاز الأمني أو تقليص سلطة خطاب، فإن احتمالية حدوث انقلاب قصر داخلي تصبح مرتفعة جداً. يمتلك خطاب التموضع الهيكلي الذي يسمح له إما بإقصاء الشرع وتهميشه، أو تدبير تصفية جسدية له تحت غطاء “هجوم إرهابي خارجي”، ومن ثم تسلّم السلطة لإعادة فرض القبضة الأمنية المطلقة.
4 – معضلة الإدارة الأمريكية: الداعم المنفرد
برزت الإدارة الأمريكية كونها الداعم الخارجي (الوحيد فعليا) لحكومة الشرع الانتقالية، مدفوعة بمصلحة إسرائيل وملفات الطاقة والحسابات الجيوسياسي بما فيها الضغط السعودي حول الملف الإيراني
• محور الطاقة الاستراتيجي:
سهّلت واشنطن زخماً تجارياً واقتصادياً ضخماً؛ حيث وقعت “الشركة السورية للنفط” (SPC) مذكرات تفاهم واتفاقيات تطوير غاز نهائية مع شركات أمريكية عملاقة مثل Chevron و ConocoPhillips وNovaterra Energy تمنح هذه الصفقات الشركات الغربية حقوق التنقيب عن الغاز في المياه العميقة بالبحر المتوسط وتطوير الحقول البرية على الساحل السوري.
• رد الفعل الأمريكي المتوقع:
نظراً لأن واشنطن ترى في الشرع سداً يمنع عودة النفوذ الإيراني والروسي، وضامناً أكيدا للإعتراف السوري وتطبيع العلاقات مع إسرائيل بما فيها التنازل عن الجولان وإغلاق الملف نهائيا، ومع التزام الجولاني الغير مشروط لعقود الطاقة بمليارات الدولارات، فإن تعاملها مع ملفات الفساد الداخلي سيكون محسوباً بدقة:
بين العلن والخفاء: من المتوقع أن تتبع الولايات المتحدة مسارا مماثلا لذاك الذي تستخدمه بخصوص التجاوزات الإسـرائيلية وستكتفي بإصدار بيانات ديبلوماسية روتينية تحث على “الانتقال الديمقراطي” و”التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان”، بينما ستعمل في الخفاء على حماية نظام الجولاني ضد أي تكتل حقوقي أو قضائي أوروبي يهدد شـرعيته ومن أي عقوبات دولية كبرى.
الخط الأحمر الأمريكي:
ستتغاضى واشنطن عن الفساد الداخلي والفقر والتصفيات الموضعية طالما ظل الشرع ملتزماً بإنفاذ الإتفاقيات مع إسـرائيل والعقود المبرمة وحماية مصالح الشركات الأمريكية، ومنع صعود تنظيم داعش أو التهديدات العابرة للحدود. ومع ذلك، إذا قاد خطاب انقلاباً داخلياً، أو هددت الانتفاضات الشعبية حقول النفط والغاز الغربية، ستسارع واشنطن إلى تجميد الزخم التجاري، مستخدمة استثماراتها في قطاع الطاقة كأداة ضغط لإجبار الزمرة الحاكمة على الانصياع مجدداً.

  • Social Links:

Leave a Reply