د شهد صالحة
استعراض الجهل وأنطولوجيا الارتداد: معرض الكتاب كساحة للاصطفاف المأفون
حين يلتقي تحريم الجمال بتزييف الوعي، نصل إلى ذروة الارتداد الحضاريّ؛ حيث يتحوّل المشهد الثّقافيّ إلى ساحة لـ «الاستعراض الأيديولوجيّ» الفاقد للمعنى. نرى «المسمومين معرفيّا» يزحفون في صفوف منظّمة نحو ما يسمّى «معرض الكتاب»، لا بحثا عن نور الفلسفة أو أفق المعرفة، بل طلبا لأدوات إضافيّة ترسّخ «فوقيّتهم الزّائفة» وتغذّي لغة الكراهية لديهم. إنّهم يهرعون نحو نصوص الماضي لا لفهم سياقها، بل لاتّخاذها دروعا وسياطا يجلدون بها الحاضر ويغتالون بها المستقبل عن طريق:
أوّلا: الجهل الملوّث ووهم المعرفة
إنّ المأساة الحقيقيّة تكمن في «الجهل الملوّث»؛ وهو أخطر أنواع الجهل لأنّه يتوهّم العلم ويستند إلى يقينيّات زائفة. هؤلاء الّذين يصطفّون لساعات بحثا عن «الفتوى» أو «النّصّ المتشدّد»، يفتقرون في الغالب إلى مفاتيح اللّغة العربيّة الرّصينة؛ وحتّى إن فكّوا شفرات الكلمات، فإنّ عقولهم «المعطّلة فلسفيّا» تظلّ عاجزة عن إدراك المقاصد الإنسانيّة الكبرى.
إنّهم يمارسون «الببّغائيّة المعرفيّة» في أبشع صورها؛ يردّدون نصوصا من قرون خلت ليدوسوا بها على «النّقاء السّوريّ» وعنفوان دمشق التّاريخيّ، الّذي كان يرى في الموسيقى والغناء والجمال لغة صوفيّة تسمو بالرّوح وتوحّد المجتمع.
ثانيا: الكتاب كخندق أيديولوجيّ ومختبر للمسوخ
لقد تحوّل الكتاب في أيدي هذه الحاضنة من أداة للتّحرّر والنّدّيّة إلى أداة لـ «التّوريط» وتعزيز الانقسام المجتمعيّ. هذا الاصطفاف الطّويل ليس فعلا ثقافيّا، بل هو جزء من «الهندسة العكسيّة» الّتي أدارتها «المنظومة المشيخيّة» لإنتاج بيئة ترفض الجمال وتكفّر بالموسيقى كفعل شيطانيّ. لقد استبدل «ابن الكار» المثقّف الّذي كان يقرأ ليتّصل بالكون بـ «الرّعاع الجدد» الّذين يقتنون الورق ليزدادوا حقدا وانغلاقا تجاه كلّ ما هو مدنيّ أو إنسانيّ، ممّا يحوّل المعرض من «عيد للقراءة» إلى «مأتم للوعي».
ثالثا: تدغيم الجهل بالفوقيّة في خدمة قصر الظّلّ
يخدم هذا المشهد تماما استراتيجيّات «دولة التّزييف» و «قصر الظّلّ»؛ فبينما ينشغل هؤلاء بالاصطفاف الأيديولوجيّ والبحث عن مسوّغات الكراهية، تفرغ السّاحة لمهندسي التّزوير ليمارسوا «التّدغيم الأخلاقيّ» وسرقة المقدّرات و «أساطيل السّيّارات» دون رقيب.
إنّهم يضمنون بذلك وجود «كتلة بشريّة» تقرأ ولا تفهم، وتسمع ولا تعي، وتصطفّ ولا تتحرّك؛ كتلة مشلولة نقديّا تجعل المجتمع لقمة سائغة لهتك نسيجه وتوطين «المسوخ المأفونة» الّتي تقتات على «الجهل المقدّس».
تقزيم العظمة واستلاب الموسوعيّ: ابن تيميّة في مقصلة الرّاديكاليّة ومحرقة التّوظيف
في سياق «هندسة التّلوّث» الّتي حلّلناها سابقا، يبرز ابن تيميّة كحالة دراسيّة كبرى لعمليّة «الاستلاب المعرفيّ»؛ حيث تمارس عليه أبشع أنواع «التّقزيم» المتعمّد لصالح أجندات الأيديولوجيا المعاصرة. إنّ ابن تيميّة التّاريخيّ، ذاك الّذي مزج بين فراسة المحارب وعمق الفقيه، وبين تذوّق الشّعر وإتقان الرّياضيّات، لم يعد موجودا في الوعي الجمعيّ، بل استبدل بـ «نسخ مشوّهة» تتناسب مع ضيق أفق الصّراع الرّاهن ويتجلّى ذلك في:
- أسرى «إطار الموت»: بتر الموسوعيّ لصالح السّيّاف
تجلّت أولى جرائم التّقزيم في أولئك الّذين ادّعوا الانتماء لإرثه، لكنّهم مارسوا عليه «جراحة فكريّة» استأصلت كلّ معارف الكون ولم تبق إلّا على «فلسفة الموت».
لقد بحث هؤلاء في ابن تيميّة عن «فتوى» تشرعن شهوتهم للدّماء، متجاهلين ابن تيميّة الرّياضيّ، والشّاعر، والموسوعيّ الّذي كان يرى في العلم عبادة شموليّة. هؤلاء لم يتّبعوا الرّجل، بل استلبوا اسمه ليكون «ساترا» لبشاعة أرواحهم وتوقهم للانتقام، محوّلين الفلسفة التّيميّة الصّارمة ضدّ الاستبداد إلى «مانيفستو» للرّعب. - المشنقة اللّفظيّة: إدانة الصّورة لا الحقيقة
في المقابل، نجد الجبهة الأخرى الّتي نصبت مشانقها اللّفظيّة، وكالت الشّتائم للرّجل دون تمحيص أو قراءة لسياقه الزّمكانيّ.
هؤلاء يشاركون خصومهم في «العجز المعرفيّ»؛ فهم لا يواجهون الحقيقة التّاريخيّة للرّجل الّذي كان يوما صوتا حرّا ضدّ تغوّل السّلطان، بل يحاربون «صورة ذهنيّة» صمّمتها المنظومات السّلطويّة والمشيخات المشبوهة. إنّهم يهربون من هزائمهم النّفسيّة عبر رجم «شيطان متوهّم» اختزلوه في جملتين أو فتوى مبتورة. - سياسة التّقزيم: إلغاء «النّموذج» السّياديّ
إنّ ما مورس على ابن تيميّة، وما يمارس اليوم على رموز الثّورة (كالسّاروت) وعلى نصوص التّأسيس (كدستور المدينة)، يصبّ كلّه في مجرى «التّقزيم السّياديّ». إنّ العقل الرّاديكاليّ والشّلليّة السّياسيّة لا يمكنهما التّعايش مع «العظمة» في صورتها الشّموليّة؛ لذا يعمدون إلى بتر النّصوص واختزال العباقرة ليتناسبوا مع غاياتهم الدّنيئة.
التّقزيم هنا ليس مجرّد سوء فهم، بل هو «جريمة معرفيّة» تهدف إلى إلغاء النّموذج (Model) الّذي يمكن أن يهدي النّاس إلى التّحرّر والنّدّيّة، واستبداله بصنم مشوّه يسهل قيادة القطيع باسمه. إنّ التّحرّر الحقيقيّ، لا يبدأ من تحطيم الأصنام المادّيّة فحسب، بل من تطهير الذّاكرة من «الصّور المقزّمة» الّتي زرعتها فينا «المشيخات الماسونيّة» والمال السّياسيّ العابر للحدود.
إنّ الأمانة المعرفيّة تقتضي استعادة «الإنسان الموسوعيّ»؛ ذاك الّذي يقرأ ابن تيميّة بعقل الرّياضيّ، ويتّبع النّبيّ بقلب المدنيّ، ويقود الثّورة بروح لا تعرف الكراهية الملوّثة. هنا فقط، تنتهي أزمة التّقزيم، وتبدأ سيادة الإنسان على وعيه وتاريخه.

Social Links: