امة شخصت مرضها وعجزت عن الشفاء

امة شخصت مرضها وعجزت عن الشفاء

ايمان ابو عساف

منذ زمن طويل وأنا أراقب هذا الجسد العربي الممدد على سرير التاريخ، لا هو ميت فندفنه ونرتاح من ثقل انتظار موته، ولا هو حي فينهض ويمشي ويصنع لنفسه مكاناً في العالم. كنتُ أظن أن المرض الذي أصابه جاء من الخارج، من استعمار سلبنا خيراتنا وأراد لنا أن نبقى في مؤخرة الأمم. ثم ظننتُ أنه من الداخل، من فساد الحكام وتخلف المؤسسات. ثم قلتُ إنه من الفكر، من جمود الثقافة وانغلاق العقل. وكل هذه الظنون صحيحة في مستوى من المستويات، لكنها تظل قاصرة إن لم تصل إلى الجذر الذي يغذيها جميعاً.

حين انفجرت سوريا، لم يكن ما حدث مجرد ثورة شعب ضد نظام. كان أشبه بلحظة انكشاف كبرى، انكشف فيها كل شيء دفعة واحدة: هشاشة الدولة، وهشاشة المجتمع، وهشاشة الفكر، وهشاشة الدين، وهشاشة السياسة. لم يكن النظام السوري وحده هو الذي سقط، بل سقطت معه قناعات كاملة كانت تمنح الناس إحساساً بأن العالم ما زال متماسكاً. كان المشهد السوري مثل مريض مقعد ظل سنوات طويلة يتوهم أنه يتحسن، ويكثر من الهلوسات، ويبحث عن طب بديل، ثم فجأة يكتشف أن المرض أعمق بكثير مما كان يظن، وأن الأطباء الذين كان يثق بهم كانوا جزءاً من مرضه.

لكن ما يدهشني في هذا كله ليس حجم الخراب، بل تلك المفارقة الفكرية التي لازمتني طويلاً: نحن أمة ألفت الكتب عن معوقات نهضتها، وشخّصت أمراضها بدقة مدهشة أحياناً، ثم ماذا فعلت؟ عادت إلى تلك المعوقات نفسها لتمنحها شرعية معرفية. عادت إلى العجز لتحوّله إلى مبدأ نظري. وهذا أمر يحتاج إلى تأمل عميق، لأن العودة إلى المعوقات لتأصيلها ليست مجرد خطأ فكري، بل هي فعل نفسي دفاعي. إنها محاولة يائسة لخلق حالة تراضٍ أو تصالح تريح المفكر من عملية كشوفات تحت الردم. فالحفر تحت الردم يعني مواجهة فراغ كبير، يعني اكتشاف أن الأساس الذي بنينا عليه بيوتنا كان هشاً طوال الوقت. ومن تملك الشجاعة لتكتشف ذلك وهي في منتصف العمر؟

المشكلة أن هذه العملية لم تكن فردية، بل كانت نظاماً كاملاً. لقد نشأت تغذية راجعة بين المفكر والجمهور: المفكر الخائف أو المؤدلج ينتج فكراً يريح ولا يقلق، والجمهور غير الجاهز للصدمة يتلقى هذا الفكر لأنه يهدهد ولا يوقظ. ثم يكافأ المفكر على طمأنته للناس، فيستمر في إنتاج المزيد من الطمأنينة الكاذبة. وهكذا تتحول الحلقة إلى دائرة مغلقة، لا يدخلها سؤال حقيقي، ولا يخرج منها سؤال حقيقي. الجميع متواطئون في هذه الدائرة، حتى النقاد أنفسهم، لأنهم ينتقدون من داخل المسموح، ويسألون الأسئلة التي لا تهدد البنية العامة.

وحين وصلتُ في تأملي إلى هذه النقطة، وجدتُ نفسي مضطرة لفتح الباب الأصعب: العلاقة بين الإسلام والفلسفة. لقد ظل المثقفون العرب يلفون ويدورون حول هذا الموضوع، يتحدثون عن التعارض بين الفقه والفلسفة، أو بين السلطة الدينية وحرية الفكر، كأن المشكلة في الفقهاء فقط، وكأن النص القرآني بريء من هذه المعركة. لكنني أقولها بصراحة وبشجاعة كاملة: إن التعارض عقدي ومعرفي وحضاري، ولا يمكن حله بالتوفيق ولا بالتأويل. الفقه كان مجرد الحارس، لكنه كان يحرس شيئاً موجوداً فعلاً. القرآن كما تلقاه المسلم — لا كما قد يكون في ذاته — صار بنية معرفية كاملة ومكتملة، لا تحتمل مطلقاً أي سؤال مهما كان الهدف والنية. وفي هذه البنية المغلقة، لا تجد الفلسفة موضع قدم، لأن الفلسفة سؤال مفتوح، والفلسفة تبدأ من الشك، والقرآن في هذا التلقي يبدأ من اليقين.

وهنا يظهر الفارق بين التجربتين المسيحية والإسلامية. لقد عانت الفلسفة في أوروبا المسيحية كثيراً، واضطهدت الكنيسةُ المفكرين، وحوكم العلماء، لكن الفلسفة لم تمت. لماذا؟ لأن المسيحية لم تكن في جوهرها نسقاً معرفياً متكاملاً يغطي كل شيء. كان هناك مجال لقيصر ومجال لله، وكان هناك لاهوت وعقل، ولم يكن النص المسيحي يقدم نفسه كدستور معرفي شامل للكون والحياة. لذلك بقي نهر الفكر يجري، شحيحاً في بعض الأوقات، لكنه لم يجف أبداً، بل تلقى روافد ومواسم وافرة جعلت الفكر النهضوي في حالة نماء متواصل. أما في الحالة الإسلامية، فالأمر مختلف تماماً. حين يُعلن أن الفلسفة من المحرمات، لا يكون التحريم مجرد رأي فقهي عابر، بل يصبح جزءاً من البنية نفسها، فيؤدي إلى تجفيف وتصحر وتشقق لم يُبقِ على جذر.

لكن رغم هذا المشهد القاتم، لم أفقد القدرة على الاستشعار. ففي قلب هذا الجفاف، بدأتُ ألمح شيئاً يشبه الحياة. في سوريا تحديداً، وخارج السياق الرسمي تماماً، بدأت أسماء فكرية تعمل بصمت وعمق على فتح أوراق جديدة. فراس السواح يفتح أوراق التاريخ المطمورة، ويعيد قراءة الأسطورة والدين بعين الباحث الحر. فواز حداد يلتقط خيوط الحبكة التي أحكمت الشرنقة حول المجتمع العربي، ويكشف من خلال الرواية ما عجزت عنه السياسة والفكر الرسمي. جورج كدر ينبش في طبقات مطمورة تحت الردم بفعل فاعل، ويقدم بحوثاً سحيقة في مناطق ظلت محظورة. أدونيس أحصى بعض الثوابت والمتحولات في الثقافة العربية، وفتح الباب لسؤال الشعري والثقافي. وأحمد برقاوي، الفيلسوف الفلسطيني السوري، بدأ مشروعه الفلسفي الذي حاول فيه أن يقتل الأب بالمعنى الرمزي، بعد أن كان توفيقياً ثم يسارياً. هذه أسماء كثيرة، وغيرها مما لم نذكره، كلها من حيث لا تدري تبلي حسناً في علاج عقم مديد، وتبلغ درجة الإخصاب الأولية.

لكنني لا أريد أن أفهم هذا الإخصاب بمنطق العنف والقطيعة. لقد فكرتُ ملياً في مسألة قتل الأب التي يطرحها بعض المفكرين، ووجدتُ أنها رغم جاذبيتها تظل فكرة عنيفة وصادمة ومستفزة، وقد تحتمل عقوداً من الصراعات. ثم سألتُ نفسي: لماذا لا ندع الأب آمناً مطمئناً مع تجربته ونظرياته، ونودّعه نحو مغامرة بكر تخصنا نحن بالذات وتشبهنا ومن نسيج ذاتنا؟ لماذا نظل مشدودين إلى الماضي، حتى في تمردنا عليه؟ لماذا لا نمضي ببساطة نحو ما نريد أن نكونه، دون أن نقتل أحداً، ودون أن نطلب إذناً من أحد؟

هذه هي الفكرة التي تسكنني الآن: الخروج من وصاية الآباء لا بقتلهم، بل بتركهم يشيخون بسلام. المغامرة الجديدة لا تبدأ من نقض الماضي، بل من الانصراف عنه. إنها مغامرة بكر، من نسيج ذاتنا، لا تشبه غيرها لأنها لا تخاف ولا تستأذن. والمغامرة ليست مغامرة إذا لم تكن مخاطرة بحدها الأقصى. الفكر بكل تنوعاته مغامرة، والتجربة نفسها ستعلمنا الدفاع ووسيلته حسب الظرف والسياق. لسنا في وارد الوصول إلى خلاصة نهائية، فالفلسفة أبواب مشرعة أبداً، والفكر الحق لا يُختم. لكننا ربما نكون قد وضعنا أيدينا على موضع الألم، ثم مددنا البصر نحو أفق لم يُطرق بعد.

  • Social Links:

Leave a Reply