لماذا تتشرذم القوى الديمقراطية السورية؟

لماذا تتشرذم القوى الديمقراطية السورية؟

راغدة ابراهيم

عضو المكتب السياسي لحزب اليسار الديموقراطي السوري

من تعدد الاختلافات إلى غياب القدرة على العمل المشترك

مع دخول سوريا مرحلة سياسية جديدة بعد سقوط النظام السابق، تبرز أمام القوى الديمقراطية السورية مهمة تبدو أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: الانتقال من حالة التشتت وتعدد المبادرات إلى بناء إطار سياسي ديمقراطي قادر على التأثير في مستقبل البلاد.

لكن تشكيل جبهة ديمقراطية سورية موحدة لا يبدو مهمة سهلة؛ فالعقبات التي تقف أمامها ليست مرتبطة بخلاف سياسي واحد، وإنما هي حصيلة تراكمات تاريخية وسياسية وفكرية وتنظيمية، إضافة إلى التحولات التي تشهدها سوريا والمنطقة.

ومن أبرز هذه التحديات:

  1. إرث التشرذم وغياب الثقة المتبادلة.
  2. الخلاف حول المشروع السياسي وشكل الدولة السورية.
  3. الانتقال من مرحلة القوى والفصائل المسلحة إلى بناء دولة ومؤسسات موحدة.
  4. إشكالية مشاركة القوى الديمقراطية في المرحلة الانتقالية.
  5. العدالة الانتقالية وبناء الثقة بين السوريين.
  6. التعامل مع التنوع القومي والديني والطائفي دون الوقوع في المحاصصة.
  7. ضعف تمثيل النساء والشباب في الحياة السياسية.
  8. تأثير التوازنات الإقليمية والدولية على القرار السياسي السوري.

هذه العناوين لا يمكن تناولها جميعًا بالتفصيل في مقال واحد، لأن كل قضية منها تحمل في داخلها أسئلة سياسية وفكرية وتنظيمية تحتاج إلى نقاش مستقل.

لذلك، ستكون هذه المقالة مدخلًا إلى سلسلة من المقالات، نناقش في كل مقال أحد هذه التحديات، نحاول تفكيك أسبابه، ونبحث في الوقت نفسه عن حلول عملية يمكن أن تساعد القوى الديمقراطية السورية على تجاوز خلافاتها والانتقال من التشتت إلى العمل المشترك.

فالسؤال الذي نريد الوصول إليه في نهاية هذه السلسلة ليس فقط: لماذا تتشرذم القوى الديمقراطية السورية؟ بل أيضًا: كيف يمكن أن تبني جبهة ديمقراطية حقيقية، وما المشروع الذي يمكن أن يجمعها؟


أولًا: إرث التشرذم وغياب الثقة المتبادلة

ربما يكون من السهل تفسير تشتت القوى الديمقراطية السورية بتعدد الأحزاب والتيارات والشخصيات واختلاف مواقفها. لكن التعدد بحد ذاته ليس مشكلة؛ فالديمقراطية تقوم أصلًا على التعدد والاختلاف.

المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف من تنوع سياسي صحي إلى عجز عن العمل المشترك.

فخلال عقود طويلة، لم تتطور في سوريا حياة سياسية طبيعية تسمح للأحزاب والتيارات المختلفة بأن تتنافس وتتحاور وتبني تحالفاتها بصورة مؤسساتية. كان المجال العام مقيدًا، والعمل السياسي المستقل محاصرًا، وأي اختلاف مع السلطة يمكن أن تكون له كلفة سياسية وأمنية كبيرة.

هذه البيئة لم تضعف الأحزاب المعارضة فحسب، بل أضعفت أيضًا ثقافة العمل الجماعي. وعندما بدأت الثورة السورية وفتح المجال أمام تشكيل أحزاب وائتلافات وتجمعات جديدة، ظهرت هذه المشكلة بصورة أوضح: تعددت الأطر السياسية، لكن لم تترافق كثرتها دائمًا مع قدرة موازية على التنسيق أو بناء الثقة أو إدارة الاختلاف.

هل المشكلة في كثرة الأحزاب؟

ليس بالضرورة.

وجود أحزاب متعددة ذات رؤى مختلفة أمر طبيعي في أي مجتمع ديمقراطي. بل إن محاولة جمع الجميع في حزب واحد أو إطار واحد قد تكون غير ديمقراطية أصلًا.

السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع هذه القوى أن تختلف فيما بينها، ثم تلتقي حول القضايا التي يمكن الاتفاق عليها؟

فالجبهة الديمقراطية المطلوبة ليست بالضرورة إلغاءً للأحزاب والتيارات، ولا تعني أن تتخلى كل جهة عن هويتها السياسية. المطلوب هو القدرة على تحديد مساحة مشتركة تسمح بالعمل معًا، مع الاحتفاظ بحق كل طرف في الاختلاف.

وهنا تظهر واحدة من المشكلات الأساسية: غياب الثقة.

فبدل أن يُنظر إلى الحزب أو التيار الآخر بوصفه شريكًا محتملًا يختلف في بعض القضايا، يُنظر إليه أحيانًا باعتباره منافسًا أو خصمًا أو مشروعًا للهيمنة.

وعندما تدخل الحسابات الشخصية والتنظيمية إلى جانب الخلافات السياسية، تصبح عملية بناء التحالف أكثر صعوبة. وقد يتحول النقاش حول الأفكار والبرامج إلى صراع حول الأشخاص والمواقع والتمثيل.

وهنا لا يعود السؤال: ما البرنامج الذي يجمعنا؟
بل يصبح: من يقود؟ ومن يمثل؟ ومن يحصل على الموقع الأهم؟

وهذا أحد أخطر التحولات التي يمكن أن تصيب أي مشروع سياسي جماعي.

من نقد الشخص إلى نقد الفكرة

من المشكلات التي تحتاج القوى الديمقراطية إلى مراجعتها أيضًا الشخصنة.

فالاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى اتهام للنوايا أو التشكيك في الوطنية أو إلى هجوم شخصي. يمكن رفض موقف سياسي بشدة، ويمكن كشف تناقضاته، ويمكن مساءلة صاحبه، من دون تحويل الخلاف إلى خصومة شخصية.

فإذا كانت القوى التي تنادي بالديمقراطية عاجزة عن إدارة اختلافاتها داخل فضائها السياسي بصورة ديمقراطية، فإنها ستواجه مشكلة حقيقية عندما تطلب من المجتمع أن يثق بقدرتها على إدارة دولة متعددة ومختلفة.

الديمقراطية ليست فقط صندوق اقتراع أو دستورًا أو انتخابات؛ إنها أيضًا ثقافة في إدارة الاختلاف.

فما الحل؟

الحل لا يبدأ بإعلان جبهة جديدة أو عقد مؤتمر جديد، بل يبدأ من مراجعة طريقة العمل السياسي نفسها.

نحتاج أولًا إلى الانتقال من فكرة «من يمثل الديمقراطيين؟» إلى سؤال أكثر واقعية: «ما الذي يمكن أن يتفق عليه الديمقراطيون؟»

ومن هنا يمكن بناء إطار تنسيقي واسع يقوم على برنامج حد أدنى، لا يشترط تطابق جميع القوى في رؤاها، وإنما يجمعها حول مبادئ أساسية، مثل:

  • الدولة المدنية الديمقراطية.
  • المواطنة المتساوية.
  • سيادة القانون واستقلال القضاء.
  • التداول السلمي للسلطة.
  • حماية الحريات والحقوق الأساسية.
  • ضمان المساواة العادلة بين النساء والرجال في الحقوق والواجبات، وعدم التمييز على أساس الجنس.
  • احترام التنوع القومي والديني والثقافي في سوريا.
  • رفض الإقصاء والعنف السياسي.
  • الاحتكام إلى المؤسسات والقانون بدل القوة والسلاح.

ولا ينبغي أن تكون الأولوية في المرحلة الأولى لتوزيع المواقع أو تشكيل قيادة ضخمة، وإنما لبناء الثقة من خلال العمل المشترك.

فالثقة لا تُبنى بالبيانات، وإنما بالتجربة.

يمكن للقوى المختلفة أن تبدأ بملفات محددة تتفق عليها، وتعمل معًا من خلالها، ثم تقيّم التجربة. ومع نجاح التعاون في ملفات محددة، يمكن توسيع مساحة العمل المشترك تدريجيًا.

وقد يكون من الأفضل في البداية بناء جبهة سياسية مرنة بدل محاولة إنشاء تنظيم مركزي جديد يكرر تجارب الأطر السابقة.

فالهدف ليس إنتاج اسم جديد يضاف إلى عشرات الأسماء الموجودة، وإنما إنتاج قدرة سياسية جديدة على العمل الجماعي.

من التشرذم إلى التعددية الديمقراطية

ليس المطلوب أن تصبح القوى الديمقراطية نسخة واحدة من بعضها بعضًا.

على العكس، قد يكون الاختلاف بينها نقطة قوة إذا جرى تنظيمه داخل إطار ديمقراطي. فالجبهة القوية ليست التي لا تختلف مكوناتها، وإنما التي تستطيع إدارة اختلافاتها دون أن تتحول إلى صراعات داخلية.

وهنا يمكن أن يكون التحدي الحقيقي أمام القوى الديمقراطية السورية هو الانتقال من التشرذم إلى التعددية المنظمة.

فالفرق بين الاثنين كبير:

التشرذم يعني أن يعمل كل طرف منفردًا، وأن تتحول الخلافات إلى قطيعة.

أما التعددية المنظمة فتعني أن تحتفظ القوى باختلافاتها، لكنها تعرف أين يمكن أن تلتقي، وكيف تعمل معًا، وكيف تدير خلافاتها بصورة ديمقراطية.

وربما تكون هذه هي الخطوة الأولى في طريق بناء جبهة ديمقراطية سورية قادرة على التأثير: أن تتعلم القوى الديمقراطية أولًا كيف تكون مختلفة، دون أن تكون متفرقة.

  • Social Links:

Leave a Reply