عن فقه التحريم
…

ثمّة ظاهرة آخذة في التمدّد ضمن الفضاء العام السوري، صار واجباً التوقف عندها قبل أن تتحول إلى واحدة من أدوات إنتاج الخراب الجديد، وهي تعاظم حضور التيار السلفي ومحاولته تنصيب نفسه وكيلاً عن الإله، وإقحام نفسه في تفاصيل الحياة العامة والخاصة للناس، بالتوازي مع انتشار ما يمكن تسميته بـ”فقه التحريم”، إذ لا يكاد يمر مظهر من مظاهر الحياة الطبيعية المعاصرة من دون أن يخضع للسؤال أهو حلال أم حرام، أو بمعنى أصح دون أن يستنكره ويُحرمه، وفي كثير من الحالات يفرض قراراُ بمنعه!
ليست المشكلة هنا في أن يكون للناس تدينهم، أو أن يختار الإنسان لنفسه ما ينسجم مع قناعاته الدينية، فهذا حق لا ينازعه فيه أحد، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول اجتهاد بشري إلى سلطة عامة تحاول فرض وصايتها على الناس، وعندما تتحول الفتوى من رأي ديني يخص صاحبه إلى أداة لمراقبة المجتمع وضبط سلوك أفراده من خلال تقعيد هذا الرأي وفرضه بالقانون أو بالقرارات الإدارية أو بضغط الجماعة.
إن فقه التحريم بهذا المعنى يتجاوز على خاصية لا يملكها إلا الله وحده، فالتحريم حكم وصلاحية إلهية وليس امتيازاً بشرياً، فالله وحده هو صاحب الحق في أن يقول للبشر هذا حرام وذاك حلال، وقد شرّع في رسالته للبشر ما أراد تحريمه وأبلغهم به، ولم يجعل لأحد من بعده حق إضافة أي محرّم جديد إلى لائحة المحرمات الإلهية، أما تحويل كل ما يستجد في حياة البشر إلى موضوع للبحث عن فتوى تحرمه أو تجيزه، فهو في جوهره تعد على صلاحيات الله، ونقل لسلطة التشريع الإلهي إلى البشر.
بطبيعة الحال، يملك البشر حق التشريع الوضعي، فيستطيعون أن يأمروا وينهوا وينظموا شؤون المجتمع وفق قواعد القانون والمصلحة العامة، لكن ذلك شيء والتحريم الديني شيء آخر تماماً، فالتحريم الديني يفترض صفة الشمول والديمومة، فما حرمه الله لا يصبح حلالاً باختلاف المكان، ولا يتغير بتغير الزمان، فالحرام الإلهي حرام هنا وفي أي مكان على وجه البسيطة، وهو حرام أيضاً اليوم، وسيبقى حرام غداً، وبعد قرن وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
هل رأيتم أو سمعتم قط عن حكم قرره الله محرماً قد تبدل من وقت نزول الرسالة إلى يومنا هذا، وهل تساءلتم قط لماذا؟ ببساطة لأن الله وحده كلي القدرة والمعرفة، هو القادر على التشريع الثابت غير القابل للتبديل أو التعديل، فهو يحيط بكل شيء علماً. بينما رأينا عبر التاريخ قائمة طويلة من “المحرّمات البشرية” التي صنعها “الفقهاء” تبين بطلانها لأنها اصطدمت بوقائع الحياة وتطوراتها. فقد حرموا المطبعة، والتلفزيون والدراجة الهوائية والقهوة والتبرّع بالأعضاء، ثم جاءت الأيام فأثبتت أن كل ما تم تحريمه من البشر باطلاً، ولم يكن سوى موقف بشري من ظاهرة جديدة لا حكم إلهي، وهذا تحديداً مكمن الخطر في “فقه التحريم”، فهو يمنح الرأي البشري صفة القداسة، ثم يجعل المجتمع أسيراً لرهاب الخوف من أشياء حرّمها بشر ولم يُحرمها الله.
أما الوجه الآخر للمشكلة فهو هذا الهوس العام بـ ”ثقافة الفتوى”، الذي يضعنا أمام سؤال: لماذا يحتاج الإنسان إلى أن يسأل “رجل الدين” عن كل صغيرة وكبيرة من حياته، وهل أفعل أم لا أفعل؟ وهل هذا حلال أم حرام؟ وكأن الفتوى صارت بديلاً دائماً عن التفكير، حينها لا نكون أمام تديّن أكثر، بل أمام إقالة للعقل من وظيفته، فالإنسان الذي يسأل عن حكم كل تفصيل من تفاصيل حياته يتنازل تدريجياً عن مسؤوليته الأخلاقية والعقلية عن أفكاره وأفعاله، وينقل مهمّة التفكير واتخاذ القرار إلى شخص آخر لمجرد أنه يحمل صفة دينية.
الخطير في هذه الثقافة أنها قد تحمل في داخلها مفارقة عقيدية، لأننا إذا كنا نؤمن بأن الله وحده صاحب الولاية النهائية في التحليل والتحريم، وأنه قد أبلغ البشر ما حرّمه عليهم في رسالته، فما الحاجة إلى البحث عن شريك له في هذه السلطة؟!
المفتي يستطيع أن يشرح نصاً، وأن يقدم اجتهاداً، وأن يقول هذا فهمي للنص، لكنه لا يستطيع أن يحول اجتهاده إلى “حكم الله” بالمعنى القطعي، ولا أن يضيف إلى المحرمات التي قررها الله محرمات جديدة من عنده.
إن سوريا الخارجة من سنوات طويلة من الحرب والدمار والانقسام ليست بحاجة إلى مزيد من الوصاية على عقول الناس وحرياتهم، ولا إلى سلطة دينية تتدخل في تفاصيل حياة الناس، ولا إلى مجتمع يخاف كل جديد لأنه ينتظر فتوى قد تحرمه.
ما تحتاج إليه سوريا هو دولة قانون، لا دولة فتوى ووصاية على عقول البشر وأفكارهم، فالقانون وحده هو الأساس في بناء الدول والمؤسسات وتشريع الحقوق والالتزامات وتنظيم العلاقات بين الناس والدولة وبين أفراد المجتمع على مختلف انتماءاتهم ومعتقداتهم، أمّا أن يتحول كل ذلك إلى صلاحية يختص بها رجل دين يقيم من نفسه جهازاً رقابياً ومحكمة تفتيش على أفكار الناس وسلوكهم، فذلك، والله، مدخل جديد إلى الخراب العميم.
إن مقاومة “فقه التحريم” وثقافة الفتوى ليست حرباً على الدين، بل هي دفاع عنه، والحؤول دون أن يتحول إلى سلطة وصاية بشرية تتحدث باسمه لتكسو حديثها قبساً من قداسته، ودفاع عن الإنسان من استلاب حقه في التفكير والاختيار وتحمل مسؤولية أفعاله.
سوريا لا تحتمل خراباً جديداً، وهي ليست لفئة دون أخرى، ولن تستقيم الأمور ما لم ندرك جميعاً ونتفق أنه ليس من مهام الدولة إدخال الناس إلى الجنة، بل مهمتها تكريس سيادة القانون وإقامة العدل وتوفير الخدمات، فتلك هي الجنة التي أناط الله بالحاكم مهمة توفيرها للناس.
Social Links: