الدولة المدنية التي نريدها ــ م . عبد الحميد الحميدي

الدولة المدنية التي نريدها ــ م . عبد الحميد الحميدي

 

منذ أن انطلقت شرارة الثورة السورية المباركة .. ثورة الحرية والكرامة .. وتوسع طيفها ليشمل كامل أرض الوطن .. واجتاز تأثيرها الحدود الدولية مع الجوار .. لتصل أصداؤها من بعد إلى كل أنحاء العالم .. منذ ذلك الحين بدأ الحديث عن شكل الدولة السورية القادمة .. بدأ خافتا ثم علا صوته وانتشر .. ليأخذ حيزا واسعا من أوقات النخب السورية .. الثورية منها والمعارضة القديمة .. ومعهم بالطبع أصحاب المشاريع الخاصة من داخل الوطن ومن خارجه .. وبالإضافة إلى كل هؤلاء .. انشغلت بذلك أروقة الحكومات النافذة .. في الدول التي لها أهتمام بالشأن السوري .. القريبة منها والبعيدة على حد سواء ..

وعلى هذا الأساس من الاهتمام .. توزعت رؤى المهتمين بالشأن السوري .. عن شكل نظام الدولة القادمة إلى ثلاثة أشكال ..

الشكل الأول : الدولة الديمقراطية العلمانية .. ويتمسك بهذا الطرح مجموعات من نخب المعارضة السورية التقليدية .. والأقليات الدينية والعرقية .. وبعض الأحزاب الصغيرة محدودة التأثير .. وهو كذلك المطلب المعلن للدول الغربية التي تدعي صداقة الشعب السوري .. طبعا إذا صدقت النوايا ..

الخيار الثاني : مطلب الدولة الإسلامية .. وتتمسك به الفصائل التي تتبنى فكر السلفية الجهادية .. ويمثل مطلب الدولة الإسلامية القاسم المشترك فيما بينها .. بغض النظر عن شقة الخلاف الذي يميز بعضها عن بعضها الآخر .. وقد طبقت داعش نموذجا من نماذج الدولة الإسلامية كما تراه هي .. لكن الفصائل الجهادية الأخرى اعتبرته محرفا .. وحاربته بكل الوسائل الممكنة .. ومن ضمنها القوة المسلحة .. في الوقت الذي لم تقدم فيه هذه الفصائل البديل الذي تراه مناسبا .. عن شكل الدولة الإسلامية التي تريدها .. ولو نظريا كحد أدنى .. اللهم إلا بعض العبارات العامة .. التي تستقيها من نصوص الدين الحنيف .. وما اشيع مؤخرا عن مراجعات تقوم بها حركة أحرار الشام .. لم تتبلور بعد لتصل إلى مرحلة تشكيل نظرية متكاملة .. تتضمن أجوبة واضحة .. من قضية التشاركية في الحكم .. ومسألة التداول السلمي للسلطة .. والقبول بنتائج صناديق الاقتراع ..

الشكل الثالث : الدول المدنية الحديثة .. وهذا هو الخيار الذي تسعى إليه النخب الإسلامية ذات الاتجاه الوسطي .. ومعها الاغلبية الكبرى من الطبقة المتوسطة من المثقفين ومن البورجوازية الإسلامية .. ومن عامة الشعب التي تهتم بالشأن السياسي أيضا .. ولأهمية هذا المطلب .. وواقعيته العملية فإننا نحاول في هذه الوقفة السريعة .. أن نقارب أهم ملامح الدولة المدنية .. التي تريدها غالبية الشعب السوري .. وذلك من خلال ملامستنا لمطالب وهموم وشجون شعبنا الأصيل .. في المناطق المحررة ومناطق النزوح والشتات ..

الدولة المدنية : هي الدولة التي يأخذ فيها المجتمع بأدوات الدولة الحديثة .. المتعارف عليها حاليا في كل دول العالم المتحضر .. مع المحافظة على هوية الشعب الثقافية .. وحماية قيمه الأخلاقية .. واحترام الحرية الشخصية .. تحت سقف القبة القيمية للمجتمع .. وضمان حرية الاعتقاد والتدين .. وإقرارحرية الرأي والتعبير .. وبناء على ذلك يقتصر دور الدولة بأن تكون .. مجموع الإدارات التي تكفل تقديم أعلى درجة من الخدمات والحماية لجميع أبنائها دون تمييز على اساس عرقي أو ديني أو طبقي او اي شيء آخر ..

وتعتمد الدولة المدنية طريقة الصندوق الانتخابي .. في الفصل ما بين الفرقاء .. في قضايا الشأن العام .. وخصوصا قضية تولي الرئاسة الأولى .. وتشكيل الحكومة الناتجة عن البرلمان المنتخب .. وعند الاختلاف ما بين التيارات الفكرية المتنافسة في الساحة السياسية .. يكون الفيصل والحكم في ذلك هو العقد الدستوري والقوانين النافذة المتفرعة عنه ..

ومن أهم مميزات الدولة المدنية .. أن الشعب فيها هو مصدر السلطات .. وليس مصدر التشريعات .. ويتولى أمور سن القوانين والتشريعات .. مجلس يضم كفاءات علمية وقانونية وشرعية .. يتم اختيارها بطريقة دستورية متوافق عليها بين المكونات الأساسية للشعب .. وتعرض هذه القوانين بعد ذلك على الشعب ليقول كلمته فيها .. والشعب هو صاحب الكلمة الأخيرة .. والفصل في كل قضايا الشان العام ..

وتختلف الدولة المدنية عن الدولة العلمانية .. بأن الدولة المدنية غير مؤدلجة .. وذلك بعكس الدولة العلمانية .. التي وإن توافقت مع الدولة المدنية بالأدوات .. إلا أنها تحمل نظرية إديولوجية فكرية محددة .. تريد تطبيقها على الناس والسيطرة على طريقة تفيكرهم .. والتدخل في ثقافتهم بشكل مباشر أو غير مباشر .. عبر وسائل الخدمة والحماية والسيطرة .. التي من المفترض أن تسهر على خدمة وحماية حرية الناس ..

أما عن الخلاف مابين الدولة المدنية والدولة الدينية .. فإن الدولة المدنية تختلف عن الدولة الدينية .. بأنها تؤمن بالحريات العامة .. واختيار الحاكم مباشرة من قبل المواطنين .. وكذلك عزله ومحاسبته من قبلهم أيضا عبر آليات دستورية .. وأن الناس امام القانون سواء .. وهم سواء أيضا في الحقوق والواجبات .. على عكس الدولة الدينية .. التي تؤمن بالديكتاتورية العادلة .. وتحابي أنصارها حتى وإن اخطأوا .. وتقدمهم على من سواهم .. وكأن العدل يجب أن يكون محصورا بينهم .. ومثال الدولة الدينية .. داعش وايران والفاتيكان في العصور الوسطى ..

ومن أهم ميزات الدولة المدنية .. الشفافية والتعددية والتشاركية في اتخاذ القرار على كل المستويات .. ويستطيع كل الناس التعاطي مع قضايا الشأن العام والسياسي على وجه الخصوص .. وابرز مثال للدولة المدنية التي يريدها السوريون .. وتعتبر في نظرهم المثال الأسمى والقمة السامقة قولا وفعلا واستقامة .. هي دولة المدينة المنورة .. في عهد الخلفاء الراشدين .. رضوان الله عليهم أجمعين ..

  • Social Links:

Leave a Reply