قصصنا نرويها من الواقع ونستهلها من داخل روچ آفا ، وهي قصص متأطرة ضمن نفس البيئة تقريباً ، بيئة العوز والفقر والموت السريري ، بيئة التي لا حول لها ولا قوة ، البيئة التي يمثلها المجلسين المنافقين ، يمثلون الشعب وفي نفس الوقت يبعثون الشباب اليافع إلى محرقة شبقهم وغرائزهم السلطوي والمصلحة الحزبية الضيقة .
( أ ع ) شاب يافع ممشوق القدّ ، صاحب الظل الوارف لا يتجاوز من العمر ستة عشرة عاماً ، وحيد لأبويه ، ترك الدراسة بعدما غدت سوريا على صفيح ساخن من القتال العبثي ، و أصبحت الأزمة السورية في ذروتها ، وبسبب خوف الوالدين على أبنهما قررا عدم إرسال فلذة كبدهم الوحيد لديهم والغالي على قلبهما إلى المدرسة بسبب الأوضاع المأساوية التي يمرّ بها البلاد والعباد ، وبسبب براميل الموت والقذائف من كل حدب وصوب قررا الخروج من مدينتهم على مضض والذهاب إلى مسقط رأسهما إلى قرية نائية على أطراف مدينة قامشلو ليعيشا بخير وسلام بعيداً عن الدموية والقتل ، أنها المدينة الكوردية التي تُدار من قبل حزب الأتحاد الديمقراطي ، والتي أضحت ساحة مصارعة بطلها أتباع الفلسفة الأفلاطونية ، حيث يستبيحون كل شيئ ويستفردون بالحكم والمصير والقرار الكوردي .
بدأت قصة الشهيد ( أ ع ) مع أبناء خالته المنتسبين لل ي ب ك ، المغرّر بهم في صفوف حزب الأتحاد الديمقراطي ، ظناً بهم أنهم على طريق التحرر وجادة الصواب ، أخذ الشهيد يختلط مع هذا الحزب رويداً رويداً ويحضر أجتماعاتهم وندواتهم ، ويحضر مجالسهم ، ويخرج معهم في مناسباتهم برفقة أولاد خالته ، فدبّ فيه الروح الوطنية والنخوة واستطاعوا اللعب بعقله وغسل دماغ الطفل الذي لا يعي ماذا يدبره ويخططه له الخفافيش السود مصاصي الدماء ، فقرر المسكين الألتحاق بصفوف هذا الحزب معتبراً ألتحاقة واجب وطني محتم عليه .
يواصل أب الشهيد قصة ولده والحزن يقطع نياط قلبه ، وقد حشرج صدره بالبكاء وانهار باكياً ، أضطررت للتوقف قليلاً ريثما يشتد قوته فيستطيع مواصلة ما بدأه ليحكي لي قصة مأساته وهلاكه ،
يردف الأب الثاكل قصته ، لقد أستطاع هذا الحزب سرقة فلذة كبدي الوحيد من حضني الدافئ ، ولم أستطع أنقاذه من بين مخالب الثعلب الماكر ، دغافل الأرض الذين ما أن وطأت أقدامهم مكاناً إلا وعاثوا فيها خراباً وتأوهاً و شجونٌ ودمار ، أستطاعوا بخباثتهم إقناع ولدي للأنضمام لصفوفهم ، وبعدما أجتروا ولدي لصفوفهم لم نستطع رؤيته ، ولم يتركوا لنا منفذاً وسبيلاً للألتقاء به لنشبع قلبانا المفجوعان بضمه وننتشي عبق رائحته ، ونَسْكَر تهللاً وفرحاً لنظرة الوداع الأخير ، لم يتركوا لنا هذا الشرف أيضاً ، ذهب الغالي ولم نراه ونودعه ، أخذوه طيباً وأرجعوه لنا على دفة الموت إلى لحده الأبدي .. أمه الآن بين الحياة والموت وفي غمرات الألم والبكاء تموت في اليوم ألف ميتة ، هم أخذوا ولدي ولكنهم قضوا على حياتنا معه ولم يبقى لنا شيئ جميل لنعيش من أجله فالموت هو خلاصنا .

Social Links: