وعلى الصعيد النظري، لا يقدم الكتاب أية واقعة تجريبية عن أية دولة محددة. المحاججات تقتصر على ايراد تعليقات ماركس وانجلز من المراجع التالية: الحرب الأهلية في فرنسا، الثامن عشر من برومير، الصراع الطبقي في فرنسا، أصل العائلة والملكية، خطاب لاهاي، نقد برنامج غوتا، نقد برنامج
ايرفورت، علاوة على عدد من الرسائل والخطابات والتعليقات. ويحول لينين هذه الملاحظات إلى مبادئ، فتغدو اختلافات المختلفين “انحرافات” في لحظة واحدة، واحدة فقط، يتوقف الكتاب ليطرح هذا السؤال الأساسي: “هل يصح تعميم خبرة وملاحظات واستنتاجات ماركس وتطبيقها على محيط أوسع من تاريخ فرنسا…” (ص 24).
سبب إثارة هذا السؤال ان إنجلز، في مقدمة الطبعة الثالثة من مؤلف ماركس ((“18 برومير لويس بونابرت” يحذر قارئه من (خصوصية حدة الصراع السياسي البروليتاري في فرنسا وكونها خصوصية متميزة عن سائر بلدان القارة. ص 42).
هذا التحذير يعكس، في الواقع، وجود نمطين من التطور في أوروبا، الأول نسميه الارتقائي السلمي evolutionist، والثاني نسميه القطعي او الثوري العنيف revolutionist. الواقع ان كثرة من بلدان أوروبا الغربية انتقلت من الاقطاع إلى الرأسمالية بالطريق الارتقائي، وان قلة من هذه البلدان انتقلت بالطريق الآخر. ومن واجب النظرية التاريخية ان تحافظ على هذه الثنائية وتفسرها.
لنعد إلى لينين. يظل السؤل قائما بوجه محاججاته عام 1917: ما الجديد في تطور الدولة الرأسمالية وتطور مؤسساتها ووظائفها منذ خبرة الكومونة؟ هناك نصف قرن من الزمان. وعن هذا السؤال الذي يثيره الكتاب (مرددا صدى المعترضين بالطبع) هناك إجابة لا تزيد عن نصف صفحة، إجابة تؤكد أن شيئا لم يتغير سوى أن “العملية نفسها قد جرت”، دون تحديد ما هي العملية، ولكن “بشكل أبطأ وفي صور أكثر تنوعا. فمن ناحية “تطورت السلطة البرلمانية في كل من الجمهوريات (فرنسا، اميركا، سويسرا)، والأنظمة الملكية مثل (بريطانيا، المانيا إلى حد ما، إيطاليا، اسكندنافيا، الخ)، ومن ناحية أخرى ظهر النضال من اجل السلطة بين مختلف الأحزاب البرجوازية والبرجوازية الصغيرة… دون أن تمس اسس المجتمع البرجوازي، وفي النهاية رأينا تعزيز واتقان السلطة التنفيذية وأجهزتها.
البيروقراطية والعسكرية (ص 43) تقدم هذه الفقرة الوجيزة ما نعتقده عرضا للملامح الجوهرية لتطور الدولة الرأسمالية خلال نصف قرن، او بشكل أكثر دقة منذ التجربة الفرنسية عام 1848 حتى عام 1917.
هذه الفقرة تقول لنا إن السلطة البرلمانية (التشريعية) تطورت، وان السلطة التنفيذية تعززت، لكن شيئا لم يتغير في الأسسس (القاعدة التحتية؟). فإذا كانت الأسس ثابتة، جوهرية، فما علة التطورات في السلطة التشريعية والتنفيذية؟ وما سبب انفصال تطورها عن تأثير “الأسس”؟
اشرنا إلى ان الكتاب يخلو من أية واقعة تجريبية، عيانيه. وان هذا المقتبس اعلاه مثال حي على ذلك، رغم كل ما ينطوي عليه من تناقضات منطقية، أو التقليل من أهمية ظاهرة “اتطور السلطة البرلمانية ” (الني عوّل عليها ماركس كأداة سلمية للانتقال في بعض البلدان حتى بعد خبرة الكومونة) او غياب الربط بين تطور ونمو “الأجهزة البيروقراطية والعسكرية” وبين حاجات زمن الحرب، التي تشهد نمو وظائف الدولة، بل تزايد نزعتها التدخلية في الاقتصاد حتى في أكثر البلدان ليبرالية.
علاوة على ذك يمكن المجازفة بالافتراض أن كتاب لينين قلّص، اختزال مفهوم ماركس عن الدولة إلى حقل واحد (الدولة كأداة هيمنة) بتعبير آخر أن لينين ألغى التمايز البنيوي المؤسساتي الذي ارساه ماركس بين الدول نات الأغلبية العمالية وذات المؤسسات الديمقراطية الراسخة (كما هو حال بريطانيا أيام ماركس مثلا) وبين الدول التي لا تتوافر لديها هذه الشروط المحددة. كما ألغى الثنائية الممكنة للتطور التاريخي، التطور الارتقائي السلمي، والتطور القطعي الثوري.
بتعبير آخر أن ليتين قام باختزالين متتابعين، ضارين. قلنا إن الطابع العملي لنشاطات عام 1917 أملت سرعة المعالجة، وطابعها المختزل، لكن ينبغي أن نضيف شرطا هامّا آخر: تخلف روسيا. إن جردة تطور المؤسسات الحديثة مثل أجهزة القضاء، النقابات، اتحادات المصارف، البرلمان، الدستور، الصحافة، تقسيم السلطات، وغير ذلك من معالم الحياة في الدولة الرأسمالية الحديثة، كان غائبا نسبيا.
لم تكن تجربة روسيا بالمثال المفيد في دراسة بنية الدولة الحديثة وآليات عملها. ومثلما ان روسيا لم تنفع ماركس في دراسة العلاقات الصناعية الرأسمالية الحديدة، فان روسيا لم تنفع لينين في دراسة بنية الدولة الحديثة. ومثلما اقتصرت اهمية روسيا على دراسة العلاقات الزراعية عند ماركس، فان أهمية روسيا في دراسة الدولة إنما تكمن في تقديم نموذج (لم متطور بعد)، ينفع في فهم دور الدولة في المجتمعات ما قبل الرأسمالية (أو الزراعية إن شئتم).
اما على الصعيد العملي فيتجلى ما قلناه من ((انعدام)) أهمية الكتاب، في تخلي لينين نفسه عن المبادئ الواردة فيه، والملخصة عن كتاب ماركس حول الكومونة، أعنى مبدا انتخاب الموظفين وعزلهم، واحلال الشعب المسلح بدل الجيش الدائم.
وكما نعرف من التجربة الحية فإن اجهزة الدولة الجديدة نمت نموا مفرطا حتى خلال حياته، وان شكواه من البيروقراطية (المكتبية)، أي سلطة الموظفين، قد تملأ صفحات كثيرة! اما الجيش فنما هو الآخر بوتيرة مماثلة. كل ذلك انطلاقا من حاجات عملية بالطبع. ولكن هنا بيت القصيد…إن حاجات التطور العملي لم تكن تتفق و(المبادئ) النظرية. ولم يجد لينين نفسه بدأ من التخلي عن “المبادئ الجديدة” الواردة في الكتاب كاقانيم وايقونات، رغم انه القى احجارها الثقيلة على رؤوس مخالفيه.
ونعلم اليوم ان الدولة الاشتراكية تحولت إلى سرطان مفزع، الى سديم خانق من دولة الموظفين التي كان ماركس يمقتها، ولا يبدي نحوها إلا الازدراء.
خلاصة ما تقدم:
لم يتسن الوقت الكافي لماركس كي يكمل مؤلفه الخاص في الدولة، وبقي مشروعه ناقصا، ولم يخلّف لنا غير ملاحظات منثورة، العميقة حينا، الهجائية حينا آخر، عن الدولة كما تطورت في رقعة محددة من العالم وفي حقبة محددة. وان هذه الملاحظات تطورت على عدة مراحل، وتبلورت في ثلاث حقول أساسية. حاول (انجلز) سدّ الفراغ في الحقل الثالث (التاريخي)، اما لينين فتناول الحقل الأول.
بتعبير آخر، لا توجد نظرية ماركسية مكتوبة عن الدولة.
وإن كان بالوسع الخروج قليلا عن سياقات البحث، فهذه النتيجة مبهجة، فذلك يتيح للباحثين الماركسيين التحرر من هموم التلخيصات التي صدعت رؤوسنا (وغيرنا) نصف قرن أو يزيد، والالتفات إلى مبحث أسس نشوء وآليات عمل الدولة ووظائفها، وبنيتها المؤسساتية، في رقعتنا، والاطلاع على أنماط تطورها في شتى البقاع.
إن الوفرة الهائلة في أنماط تشكل الدولة، وتعدد بناها، وتنوع آليات عملها، إلخ، إلخ، تستعصي على أي تبسيط أحادي، أو أي تعميم مجرد. وهذه بهجة للفكر أو التفكير، كيما يجد دوما تحديات تحفزه على مواكبة قلق الاكتشاف وعناء ارتياد مسالك، مجهولة، وعرة.
هذه الحال تستثير لدى (الدوغما) المرارة والتعاسة بلا ريب، ولكن من اين نأتي لها بمتعة استقرار الأشياء وهناءتها في عالم التنوع المتأكد؟
Social Links: