النزعة القومية العربية والإسلام 1/2 – د. فالح عبد الجبار

النزعة القومية العربية والإسلام 1/2 – د. فالح عبد الجبار

1890 – 1990

 

أولا – ملاحظات عامة

 

تعد النزعة القومية (Nationalism) والأمة (Nation) والدولة القومية Nation-State) (أو الدولة-الأمة) ظواهر تاريخية فتية، إن جاز التعبير، لا يزيد عمرها عن عدة قرون. أما اليوم فقد غدت الدولة القومية الشكل السياسي أو التنظيم السياسي الشامل المعترف به، بصرف النظر فيما إذا كانت الحدود السياسية للدولة

تتطابق مع حدود ا لأمة (أو الإثنية) أم لا، بحسب القاعدة الشائعة.

ولو قبلنا حسابات أحد منظري الدولة القومية (أرنست جيلنر)، فإن هناك (8000) مجموعة لغوية وإثنية، وان التناسب بين الدول – القومية الفعلية المتحققة والقوميات الكامنة (غير المتحققة في دولة) هي واحد إلى عشرة.

بداهة، يعني ذلك ان ثمة صراعات قومية فعلية تلوح في الأفق أو كامنة في رحم المستقبل، في لحظة تبدو فيه أمواج النزعة القومية وكأنها تصل إلى الذروة التي لا حراك بعدها، خصوصا إذا أخذنا في الاعتبار آخر التجارب التاريخية (تفكك الاتحاد السوفياتي السابق، وتفكك يوغسلافيا، إلخ).

وسيان أكانت الدولة – القومية (= الدولة – الأمة) هي نتاج انشطار ذاتي من الإمبراطوريات القديمة لتكوين وحدة سياسية جديدة، ترتكز إلى مجتمع صناعي حديث، أم كانت نتاج للانشطار الكيفي لمثل هذه الامبراطوريات، أي التقسيم الكيفي لأصقاع خالية من تكوينات كهذه على يد القوى الكولونياليه في القرنين التاسع عشر والعشرين، فإن الدولة القومية قد أضحت الفرد الشامل في التاريخ، أو بحسب تعبير (هيغل) الفرد الحقيقي الفاعل في التاريخ العالمي.

ويبدو أن نشوء الدولة القومية عملية مستمرة، تمت في التاريخ المعاصر، على شكل موجات متعاقبة يقلد فيها الأخلاف الأسلاف، ويستنسخون نماذج قائمة أصلا، بنوع من “القرصنة” (بحسب تعبير بنديكت اندرسون في مؤلفه “المجتمع المتخيل” Imagined Community ).

وإذا كان التاريخ العام لنشوء الدولة – القومية يحظى بالاتفاق العام، فإن (التاريخ الدقيق لنشوء النزعة القومية (Nationalism) هو موضع خلاف. ف (كوهن Kohn) يعتبر عام 1642 هو التاريخ الدقيق لنشوء هذه النزعة، و(آكتون Acton) يعتبره عام 1772 اي عام تقسيم بولندا، و(خضوري) عام 1806، تاريخ

نشر خطابات فيخته الشهيرة الى الأمة الألمانية.. وكثرة تختار عام 1789 (عام الثورة الفرنسية).

ومن الواضح أن ليس بالوسع تمييز النزعة القومية (Nationalism) عن الدولة القومية)  Nation-State) مفهوميأ فحسب، بل إن الاثنتين قد تفترقان في الزمان. ويبدو أن النزعة القومية كمفهوم ونظرية وحركة او أيديولوجيا، برزت إلى الوجود بعد لا قبل الظهور الفعلي لأوائل نماذج الدولة القومية في العالم، ونعني بالتحديد النموذجين السبّاقين، الإنكليزي والفرنسي. وجاءت عملية التنظير الفكري لمفهوم الأمة وتحققها في دولة بعد ذلك |لزمن بكثير. قد يدفعنا ذلك إلى التساؤل فيما إذا كان البناة الأوائل للدولة القومية مدركين لما هم صانعوه، أو لطبيعة المشروع الذي نفذوه، على غرار القوارب السابقة لزمن (أرخميدس)، |التي طفت مع أصحابها دون عون من أية نظرية عن الصلات المعقدة بين حجم ووزن الجسم العائم ووزن السائل المزاح.

وإذا كان الإنكليز والفرنسيون قد شرعوا في بناء دولتهم القومية وفق التسلسل التالي: دولة – أمة –  نزعة قومية – نظريات. فإن الألمان والطليان (والأمريكان أيضا) قلبوا العملية. فالنظريات عن القومية، وتحرك النزعة القومية كانت بمثابة بناء قبلي، تصورات قَبْلية (Apriori) تسبق النشوء الفعلي للدولة القومية. بل إن النظرية والنزعة القومية تبدو بمثابة مخطط إرادي يسبق تحقق الامة في دولة. ولعل هذا التفارق هو وراء شيوع فكره “اختراع” الأمة ول “تخيل” الأمة عند (أندرسون). ويتعزز هذا الانطباع

بفعل عوامل اخرى، أبرزها الطابع التصادفي و\ أو الاعتباطي للحيز المكاني أو الرقعة الأرضية لعدد كبير من الأمم – الدول، فهذه الرقعة الجغرافية تحددت في كثير من الحالات بفعل عوامل عديدة ترسخ الطابع الاعتباطي للإطار القومي، وتجعل هذه المجتمعات نوعا من فسيفساء انثروبولوجية من حيث تنوع اللغات والأديان والثقافات. وهذا مضاد تماماً للفكرة الأولى عن “تطابق” الدولة والأمة (أو الاثنية)، وكون الأمة جماعة تتميز بالتناسق (=وحدة اللغة والثقافة والتاريخ).

من المتفق عليه عموماً أن ظهور أولى نماذج الدولة القومية اتخذ من أوروبا مسرحاً له (القرون 16 – 19)، وقد سبقت ورافقت هذا الظهور عملية تحولات عميقة، انتقاله من عصر إلى آخر، من المجتمع الزراعي التقليدي، أو الاقطاعي، إلى المجتمع الصناعي الحديث، او الرأسمالي، وهو مجتمع أطلق تحولات اجتماعية – اقتصادية وثقافية ديناميكية ارتكزت على، وأدت الى ابتداع تقسيم ديناميكي للعمل، واسواق كبيرة موحدة، وثقافة (بالمعنى السوسيولوجي) معيارية موحدة، مع ما يرافقها من ابداع وتوحيد نظم تعليم، وتوطيد اللغات المحلية وسبطا، وإضعاف السطوة الشمولية للكنيسة، إلخ.

خلاصة ذلك أن الدولة – القومية، والنزعة القومية، هما نتاجان تاريخيان، قريبا العهد، رغم تكونهما من عناصر يبدو بعضها وكأنه موغل في القدم، أو سابق للتاريخ!

يزدري المنظرون القوميون العرب، عموما، التاريخ ويضعون ظاهرة الأمة والدولة القومية، والقومية فوق التاريخ نفسه، خارج الزمان، أو متقدمين إلى المستقبل بحثاً عن ماض لم يكن ابدا. حسبنا تذكر الشعار المعروف الذي أطلقه (ميشيل عفلق): “أمة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة”.

بالمقابل نجد أن كتلاً واسعة من قادة التيار الإسلامي المعاصر، ينكر وجود مفاهيم أو نظم مثل القومية والدولة – الأمة، إلخ، في الإسلام، ويدعوا هؤلاء من جانب آخر إلى بناء “الأمة الإسلامية”، التي ينبغي أن ترتكز في بنائها على الدين لا الاثنية أو غيرها من المحدّدات والنظم الثقافية، أو تقول إن مثل هذه الأمة كانت قائمة في الماضي التليد وأنها توشك على الانبعاث في القريب العاجل.

وبهذا نجد أنهم لا ينبذون السرمدية المتخيلة للقومية والأمة بما هي عليه، بل ينبذون أزلية صنف معين من القومية والأمة يقوم على الاثنية لا العقيدة الدينية.

ونقرأ في كتابات منظري كلا التيارين هجاء بينا: أن الغرب الكولونيالي أعاق وحدة الأمة العربية (عند المنظرين القوميين) أو أنه زرع القومية لتدمير وحدة الأمة الإسلامية (عند المنظرين الإسلاميين).

بتعبير آخر تبدو النزعة القومية العربية، هنا، وكأنها في تضاد مع الاسلام، أو يبدو الإسلام في تضاد مع النزعة القومية العربية.

هناك في واقع الحال كتابات غزيرة حول الآتي: هل الإسلام قلب العروبة أم العروبة قلب الاسلام؟ إنه صراع حول الحامل والمحمول، وهو صراع خاص تماماً بالمنطقة العربية سنأتي على تفاصيله الأخرى لاحقاً.

إن جانباً من التضاد، أؤجلّه تقريباً، ينتمي إلى الحقل الايديولوجي و/أو الصراع السياسي- الحزبي، مع ذلك نرى أن باحثين عديدين من امثال (ايمانويل سيفان- E. Sivan) سارعوا إلى الاستنتاج بأن النزعة الاسلامية (وهي بحسب استخدامي لهذا التعبير أوسع من مجرد حركات وأحزاب إسلامية) تفترق افتراقاً بيناً عن القومية والنضال القومي.

وبالطبع فان معاينة العلاقة بين النزعة القومية العربية والإسلام، وبين النزعة القومية عموماً والدين عموماً، تقودنا إلى القول إن هذه العلاقة تبلغ من الخصب مبلغاً يجعلها تتبلور في صيغ وأشكال متنوعة تتحدى ثنائية ال مع – ضد المبسطة.

ابتداء، تطرح العلاقة بين القومية والدين في الإطار التاريخي العام القائل ان الانتقال من التنظيم السياسي التقليدي الى التنظيم الحديث، اقترنت بالعلمنة، اي فصل الكنيسة عن الدولة، وبحسب (اندرسون)، كان انبلاج فجر القومية الأوروبية يتوافق مع أفول المؤسسة الدينية. والمغزى واضح: ان العلمنة وبناء الدولة القومية صنوان لا يفترقان، كعنصرين من عناصر توليد الالتحام عبر خلق ولاءات جديدة تقف فوق اشكال الولاء القديمة، سواء كانت الولاءات القديمة أكبر أو أصغر من الدولة القومية، أي سواء كانت الولاءات تتبع لإمبراطورية فوق قومية (الامبراطورية الرومانية المقدسة، آل هابسبورج، آل رومانوف، إلخ) أم تتبع لكيانات دون قومية (طائفة، مدينة، عشيرة، إلخ).

  • Social Links:

Leave a Reply