احمد نسيم برقاوي
من الوهم الرومانسي إلى الوهم القاتل :
تمر الجماعات و الأمم والأفراد في مرحلة رومانسية خلّاقة ،و قد تمر بسلام و دون نتائج كارثية على أصحابها ، بل قد تُنتج رومانسية شاعر ما نصاً جميلاً يخلّد صاحبه ويخلد هو الآخر ، فالشعر الرومانسي لمدرسة أبولو الشعرية التي كان من أعضائها ابراهيم ناجي وأحمد أبو شادي خلفت لنا شعراً عاطفياً و وأسطورياً جميلاً ، فمازالت قصيدة الأطلال لابراهيم ناجي ذات تأثير وجداني وعاطفي وجمالي مستمر .
عن هذه الرومانسية لن أتحدث ، بل عن تلك الرومانسية التي ترسم عالماً مستقبلياً هو أقرب إلى الوهم ، لكنه ينطوي على قوة إغراء كبيرة تدفع المؤمنين به نحو تحويله إلى نوع من المقدس الذي يجب العمل على الأرض لتحقيقه .
يأخذ هذا الوهم الرومانسي شكل الأيديولوجيا المغلقة أحياناً ، الأيديولوجيا التي تمتلك الحقيقة المطلقة .
لقد شهدت المنطقة العربية ثلاثة أوهام رومانسية معاصرة لبست أثواباً أيديولوجية متنوعة
1-الوهم الرومانسي القومي المتمثل بالبعث وحركة القوميين العرب و الناصرية والسوري الإجتماعي القومي .
2- الوهم الرومانسي الشيوعي ، المتعين بالأحزاب الشيوعية و ما شابه ذلك
3- الوهم الرومانسي الإسلامي الذي نظّر له الأخوان المسلمون وحزب التحرير الأسلامي وحزب الدعوة الإسلامي .
والحق أنه يندر أن تجد مثقفاً عربياً قد نجا من الوقوع في أحد هذه الأوهام الثلاثة ، بل إن هناك جمهوراً مازال مأسوراً داخل هذه الأصفاد من الوهم دون أن يسأل عن جدواها أو نقدها .
لقد حكم البعث دولتين من أهم الدول العربية سوريا والعراق ، كما حكم عبد الناصر أهم دولة عربية ، وحكم الحزب الإشتراكي اليمني جنوب اليمن ، و حكم الأخوان المسلمون مصر لفترة قصيرة ، وخاضوا معارك كثيرة في الوطن العربي لاستلام السلطة .
لكن الأوهام الرومانسية التي عاشت في الوجدان لفترة قصيرة في مرحلة ما قبل الصراعات على السلطة سرعان ما تحولت إلى أوهام قاتلة .
لقد اعتقد أصحاب الأوهام كلها إن السلطة هي الطريق الأوحد لتحقيق أوهامها ، فمنها من نال السلطة عبر الإنقلابات العسكرية وراح يفتك بأصحاب الأوهام الأخرى بوصفها نقيضه ، و منها من حاول و يحاول أن يهبش السلطة ، وهكذا حولت السلطة والصراع على السلطة والعمل على الإحتفاظ بالسلطة الأوهام من الرومانسية إلى القاتلة .
فالأسلاميون الذين خرجوا من معطف الأخوان وتحت تأثير القاعدة تحولوا إلى حركات عنفية رديكالية قاتلة ،
والأحزاب الشيعية التي خرجت من رحم حزب الدعوة وامتلكت من القوة ما يكفي بعد احتلال العراق أمريكياً دمرت العراق تدميراً كلياً ، و البعثي الذي ورث السلطة عن أبيه ، السلطة التي زجت بآلاف البعثيين في السجون ، انتقل لديه الوهم الرومانسي الى وهم الإحتفاظ بالسلطة عبر العصبية الطائفية
وتحول هذا الوهم ، وهم الإحتفاظ بالسلطة الى وهم قاتل و مدمر لسوريا .
لقد كانت نهاية المرحلة الرومانسية نهاية فاجعة جداً ومدمرة ، وإذا كان الربيع العربي قد كشف عن تلك القوة المدمرة للسلطة الحاكمة وهمجيتها ولم يبق ملمحاً من ملامح وجهها القبيح مستوراً ، فإن في الوقت نفسه كشفت عن نفوس بعض المثقفين الذين أخفوا لسنوات طويلة انتماءهم الحقيقي لقتلة التاريخ وجلاديه ،
كيف لشاعر كتب ما يشي بوقوفه ضد الطغاة ثم يصفق للبراميل المنهالة على أجساد أبناء الوطن ،
كيف لفنان كان يقول نقدا من على خشبة المسرح يعلن انحيازه لقتلة الناس وأحلامهم ، كيف تحول رافعو شعارات الإنتماء للأمة وللبشرية الى هويات ضيقة تقف وراء الشر المطلق . كيف؟
صحيح بأننا نشهد نهاية الأوهام القاتلة ، مهما على جثث الوهم من رمق حياة ، ولكن مقاومة الأوهام القاتلة لا تكون بأوهام قتلة مثلها ، بل إن الأحرار وحدهم يرسمون واقعية الحياة على هذه الأرض ، واستجابة لنداء الأرض وحدها .
Social Links: