الإصلاح الزراعي في سوريانمط خراجي – إقطاعي – بلال سلامة

الإصلاح الزراعي في سوريانمط خراجي – إقطاعي – بلال سلامة

الإصلاح الزراعي في سوريا

بلال سلامة

نمط خراجي – إقطاعي  

الصورة العامة للبلاد منذ القدم ولغاية النصف الثاني من القرن العشرين هي: بحر من الريف والفلاحين وجزر من المدن.

تاريخ الفلاحين في سورية تاريخ ابتزاز خراجي. لان الطبقات الحاكمة عاشت واغتنت، منذ الغزو البابلي ولغاية الاستعمار العثماني، بفضل الموارد التي كانت تأتيها من ابتزازها لفائض من عمل الفلاحين. فالابتزاز الخراجي كان السمة السائدة لهذا التاريخ.

يتميز “نمط الإنتاج الخراجي” – كمفهوم – بانفصال المجتمع إلى طبقتين أساسيتين: الأولى، هي طبقة الفلاحين الذين يعيشون في إطار جماعات. والثانية، هي الطبقة الحاكمة التي تحتكر وظائف التنظيم السياسي للمجتمع وإدارته وتبتز “خراجاَ” غير بضاعي من المجموعات الفلاحية الأولى. لكن نمط الإنتاج الخراجي “الأحدث تاريخياَ” اتسم بالميل الواضح إلى التحول إقطاعياَ، بمعنى أن الطبقة الحاكمة حلت محل الجماعات الفلاحية في الملكية الخاصة للأرض، التي كان اغلبها ملكية مشاعية للجماعات الفلاحية. وتعايش هذا النمط الإنتاجي، الذي ساد لغاية عشية الحرب العالمية الأولى، مع نمط الإنتاج السلعي البسيط، الذي كان يحكم مجال الإنتاج الحرفي. وهذا الأخير كان هاماَ جداَ في سورية، على الأقل حتى نهاية القرن التاسع عشر، عندما بدأ دخول المنتجات الأوربية في خلخلة بنية الاقتصاد السوري، وغيره من اقتصاديات المنطقة. ونسف الأسس التي كان يقوم عليها المجتمع التقليدي في بلادنا.

تطور شكل ملكية الأرض 

من المعروف أن الريع “الإقطاعي” قد مر كلاسيكياَ بعدة مراحل: الأولى، هي مرحلة الريع الذي يستوفى بالعمل الإلزامي أو السخرة. والثانية، هي الريع الطبيعي أو العيني. والثالثة، وهي تقترن بمرحلة انهيار النظام الإقطاعي وقيام النظام الرأسمالي، هي الريع النقدي. حيث تنفصل فيها الملكية الزراعية عن الإنتاج الزراعي.

تميزت مرحلة قبل الإصلاحات، قبل عام 1839، بان أراضى “الملك” و ” الوقف” تشكلان حالتان استثنائيتان. يعترف فيهما بان تلك الأراضي ليست ملكاَ للسلطان. بينما غالبية الأراضي هي ملكية الدولة، مما يعني أن ملكيتها تعود للسلطان. كان الغرض الأساسي لهذا الشكل من الملكية هو منع نمو طبقة نبلاء أراضى (أي إقطاعيين) ومنع أي تمركز عقاري تفلت عن سيطرة الحاكم. وهذا يفسر الإعلان الدوري للدولة عن قوانين تمنع الفلاحين من مغادرة أراضيهم وهجرها، مما جعل من الفلاحين الطبقة المركزية في الزراعة، تحصل الدولة على القسم الأهم من مداخيلها منهم. وذلك ليس لكونها المالك الرئيسي، بل لكونها الإداري الوحيد. باختصار، كان الهم الأساسي للدولة العثمانية هو الدفاع الشرس عن الزراعة المجزئة ضد خطر تشكل ملكيات عقارية كبيرة.

التحول “الإقطاعي” 

هدفت الإصلاحات العثمانية أو ” التنظيمات ” (1839- 1860) إلى تحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي المتدهور للإمبراطورية، الذي نسف الاندماج العنيف في السوق العالمية أسسه، بعد استسلام الباب العالي لرأس المال العالمي. وقد أطلق السلطان عبد المجيد هذه الإصلاحات على اثر حملة محمد علي في بلاد الشام. وقد شملت هذه “التنظيمات” سلسلة من الإجراءات منها تغيير ضريبة الجزية عام 1841 حيث أصبح تحصيلها من صلاحيات زعماء الطوائف الدينية. ومن ثم ألغيت هذه الضريبة في عام 1855. والإجراء الثاني هو توحيد نظام الضرائب على الأراضي وأصبح هناك ضريبتان على كل الأراضي: الأولى، هي ضريبة الدخل وهي ضريبة العشر. والثانية، هي الضريبة على رأس المال، أي على السعر المقدر للأرض. وشكلت إدارة خاصة، أطلق عليها اسم إدارة الطابو كلفت بإصدار بيانات لشاغري الأرض. لكن بقي هذا الإجراء الأخير دون أي تأثير فعلي، لأن الفلاح كان يقوم في اغلب الأحيان، وخوفاَ من الضرائب، بإعطاء بيانات الملكية “سند الطابو” للأغوات والوجهاء والشيوخ، الذين وضعوها باسمهم.

وشملت الإصلاحات قراراَ، قيل انه كان في الأصل يهدف إلى حماية محصول الأرض، ينص على آن ترك الأرض بواراَ لمدة ثلاث سنوات يجعلها بدون مالك. أي يتم تجريد المالك من ملكيته لها. وقد أدى هذا التشريع في عام 1858 إلى مصادرة واسعة للأراضي بحجة أنها غير مزروعة. لكن الهدف الحقيقي لهذا القرار كان حل الملكية الجماعية “المشاع” لصالح الملكية الفردية “الخصخصة”. وقامت الحكومة العثمانية في عام 1863 بتوزيع كل أراضى الفلاحين الواقعة تحت بند المشاع، لكن هذا التوزيع نفذ ببطء شديد في سورية. في عشية الحرب العالمية الأولى، لم تكن سوى ربع الأراضي السورية مملوكة “مفروزة” فقط.

هذه هي الخلفية التي نشأت من خلالها الملكية العقارية الكبيرة، التي قامت على إخضاع المدن للريف. هذا الإخضاع ساهمت في تحقيقه عدة عوامل. منها الهيمنة السياسية والاجتماعية للمدن، والهيمنة الاقتصادية للمدن على الثروة العقارية. فقد استطاع أغنياء المدن، وعبر ثلاث وسائل، انتزاع الأرض من أصحابها وتحقيق الهيمنة الاقتصادية على الريف، وهي: الربا والشراء والعمولة.

وهكذا اكتسب الآغا والأفندي والبيك والباشا والشيخ – أكانوا في المدينة أم في الجبل أم في البادية – نفس الشخصية الواحدة: الملاك العقاري الكبير. هذه الشريحة يقف على قمتها السلطان عبد الحميد الذي كان يملك ما لا يقل عن 15 مليون دونم و 1114 قرية.

الرأسمالية الزراعية 

في الواقع، كانت المهمة الرئيسية للاحتلال الفرنسي لسورية هي تشكيل الملكية الزراعية الخاصة، عبر عدة قنوات. الأولى، تخصيص الأراضي المشاعية والتي كانت منتشرة في مناطق حمص وحلب والساحل وحوران. ولهذا الغرض حددت الإدارة الفرنسية ضرورة اتفاق المالكين على اقتسام الأرض المشاع. وفي حال عدم الاتفاق فيما بينهم، احتفظت لنفسها بالحق في فرض القسمة بالقوة عن طريق قاضي عقاري يساعده موظف من مديرية الزراعة ومهندس. الثانية، تجميع الملكيات المجزئة، إذ حدد مرسوم صدر في 15 آذار 1934 آليات تجميع الأجزاء المتناثرة التي تعود إلى مالك واحد في قطعة واحدة محددة. الثالثة، تجزئة الملكيات الكبيرة وبالأخص ملكية الدولة، فقد بلغت مساحة الأراضي المملوكة للدولة عام 1927 أكثر من 2 مليون هكتار. ولهذا الغرض حدد المرسوم الصادر في 5 أيار 1925 انه لا يمكن بيع الأرض العائدة للدولة إلا إلى مزارعين يطلب منهم أن يستثمروها بأنفسهم خلال مدة إيجار تبلغ 15 عاماَ. أما فيما يتعلق بتجزئة الملكيات الكبيرة الخاصة، فلم تحصل سوى محاولة شاحبة في منطقة اللاذقية عام 1929، ويعود السبب في ذلك إلى الوزن السياسي الكبير لكبار الملاك العقاريين في تلك المرحلة.

الإصلاحات الزراعية بعد الاستقلال 

من المعروف أن أول “إصلاح زراعي” في هذه الحقبة هي الإجراءات الصادرة بعد أول انقلاب عسكري في تاريخ سورية الحديث. عقب انقلاب حسني الزعيم عام 1949. إذ قامت الحكومة بتوزيع جزء من أراضى الدولة. لكن مدى وأهمية هذا الإجراء كانا ضحلينَ، إضافة إلى أن اغلبه كان لمصلحة كبار ملاكي الأراضي.

وفي دستور سورية عام 1950 وردت فقرة تنص على إنجاز “إصلاح زراعي وتحسين حالة الفلاحين” لكنها بقيت حرفاَ ميتاَ. فقد أدى مشروع قانون طرح على البرلمان في أيلول 1951، يستهدف تحديد سقف الملكية العقارية، إلى رفض البرلمان والحكومة له، وذلك بسبب هيمنة أغلبية من الملاكين العقاريين الكبار عليهما. وفي هذا السياق قدر بيلي ويندر نسبة كبار الملاكين الكبار السوريين في البرلمان من عام 1919 إلى عام 1954 فكانت كالتالي:

عام 1919 38%

عام 1928 37%

عام 1932 25 %

عام 1936 51%

عام 1943 54%

عام 1947 50%

عام 1949 43%

عام 1953 33%

عام 1954 42%

في الواقع، لا يمكن الحديث عن إصلاح زراعي جدير بالاسم قبل إصلاح عام 1958. والأسباب التي منعت حصول إصلاح زراعي قبل هذا التاريخ عديدة. منها المركز الهام الذي كان يحتله رأس المال التجاري داخل الطبقة السائدة، حيث كانت اغلب المنتجات الزراعية معدة للتصدير. كما أن الطبقة السائدة لم تستشعر الحاجة إلى يد عاملة يمكن أن يحررها إصلاح زراعي حقيقي، وذلك بسبب ضعف الصناعة والتصنيع معاَ. مثلما وقف قسم من البرجوازية الصناعية السورية ضد توسيع كبير وفجائي للسوق، لأنه كان يحتكر السوق الداخلي السوري. وأخيراَ، علينا أن لا ننسى النفوذ الكبير لكبار الملاك على جهاز الدولة، وتشتت وضعف الانتفاضات الفلاحية، وعدم الاستقرار السياسي للبلاد من كثرة الانقلابات العسكرية المتواصلة.

تضمن هذا القانون للإصلاح الزراعي الصادر في 27 أيلول 1958 خمس نقاط هي: تحديد سقف الملكية، المصادرة والتمليك، التعويض، إعادة توزيع الملكية الزراعية، والتنظيم التعاوني.

حين صدر قانون الإصلاح الزراعي، أوحى ممثلو الإقليم الشمالي في حكومة الجمهورية المتحدة أن هذا القانون تحقيق لرغبة عبد الناصر، وأن من أقنعه بها هو سيد مرعي وزير الإصلاح الزراعي المصري.

ولكن سيد مرعي نفسه وبعد ربع قرن من انتهاء تجربة الوحدة قال: “لم أكن موافقا أبدا على تطبيق الإصلاح الزراعي في سورية، وهذا واضح في كل التقارير التي وضعتها وليس مجرد ادعاء، فعندما ذهبنا إلى سورية بناء على طلب أكرم الحوراني، على ما اعتقد، تناقشنا بهذا الموضوع بصراحة، وأنا عارضت بشدة تطبيق الإصلاح الزراعي في سورية، ولما سئلت كيف توافق على تطبيقه في مصر وتعارض تطبيقه في سورية أجبت:

إنني وافقت على تطبيق الإصلاح الزراعي في مصر لان 80% من الأراضي الزراعية المصرية مؤجرة للفلاحين، وكل الذي افعله هو أنني أقول للمواطن استمر في عملك وأنا أملكك هذه الأرض بزيادة بسيطة، وبدلا من أن تورد القيمة الإيجارية المرتفعة إلى المالك أوردها إلى ما يسمى بالإصلاح الزراعي.

إن الوضع في سورية كان مختلفا فالمالك السوري هو الذي يزرع وهو الذي يستصلح وهو الذي يبذل الجهد فإذا أخذنا الأرض منه فعلى من سنوزعها؟”

إذاً فقانون الإصلاح الزراعي في مصر جاء تثبيتاً لواقع قائم، وقوننة لحالة موجودة على الأرض، وفي سورية كان شكلاً من أشكال التأميم، وفرض توزيع الأراضي لناس لا يعملون بها بالضرورة، بل ولناس لا يعملون بالزراعة أساساً.

وبما أن تحديد سقف الملكية يرتهن بالإرادة السياسية للسلطات، وهو خيار واع ومقصود لصالح شرائح محددة. فان الخيار السياسي (والطبقي) الكامن وراء هذا الإصلاح الزراعي، هو لصالح وحدات زراعية عائلية، يتم استثمارها بشكل معزول أو جماعي تتفاوت أهميتها. فقد حدد القانون سقف الملكية في الأراضي المشجرة والمروية ب 80 هكتاراَ، وفي الأراضي البعلية ب 380 هكتاراَ. من جهة أخرى قدمت الدولة تعويضات لمالكي الأراضي المصادرة تمتد على 40 عاماَ وبفائدة مقدارها 1، 5% في العام. ويمكن أن يقسط التعويض على عشرة سنوات أن كان مقداره اقل من 100 ألف ليرة.

ومن المفيد الإشارة إلى أن عدد الملاك الزراعيين الذين مسهم هذا القانون (لعام 1958) هو 3240 مالك ارض من إجمالي عدد مالكي هكتار أو أكثر يبلغ 258681 مالك. مما يعني أن نسبة الفلاحين المعنيين به منهم تبلغ حوالي 1، 25%، وهي نسبة هزيلة. وفي المقابل وصلت نسبة الأراضي التي مسها قانون الإصلاح الزراعي هذا بالمقارنة مع المساحة الكلية حوالي 16، 42 فحسب. ومقارنة مع سقف الملكية في بلدان أخرى، نجد أن سقف الملكية الزراعية في سورية بقي مرتفعاَ بعد هذا القانون. فهو يتراوح بين 30-50 هكتاراَ في الهند، وبين 3-10 هكتاراَ في اليابان، و 200 فدان في مصر. مما يؤكد على أن المغزى الأساسي من هذا الإصلاح الزراعي –وما تلاه- هو سعي السلطة إلى خلق ملكيات زراعية فردية، وليس إلى إلغائها لصالح الملكية العامة، والاستفادة منه لتكوين دعم اجتماعي لها، ومحاولة تحقيق استقرارها السياسي.

أوقف انقلاب الانفصاليين عام 1961 العمل لفترة قصيرة بقانون الإصلاح الزراعي، لكن أعيد تطبيقه اثر التغيير الوزاري للحكومة الانفصالية في آذار 1962، فقامت بتوزيع الأراضي على المنتفعين، وبدأت ببيع أراضى الدولة. اما بعد انقلاب حزب البعث عام 1963 فقد تم تخفيض السقف الأعلى للملكية الزراعية إلى 55 هكتاراَ في الأراضي المروية و300 هكتاراَ في الأراضي البعلية وكانت محصلته بين عامي 58 ـ 63 أخذ الأراضي من 4612 مالكاً لتوزيعها على 52504 فلاح، وبلغ مجموع الأراضي المصادرة حوالي 1. 5 مليون هكتار.

يمكن القول أن الإصلاحات الزراعية في سورية التي قامت على المصادرة والتعويض. وهو أحد أشكال نقل الملكية المصادرة إلى الفلاحين المنتفعين(الفقراء)، بمعنى أن تقوم الدولة بمصادرة أراضى كبار الملاكين العقاريين وتعوضهم عنها مالياَ، ومن ثم تتخلى عن الأرض لصالح الفلاحين المنتفعين إما بشكل قطع فردية أو قطعة واحدة غير مجزأة في صيغة جمعية تعاونية، على أن يعوضوا للدولة ثمن الأرض بأقساط سنوية. هذا الشكل، من تمويل الإصلاح الزراعي، ليس إلا نقل تجاري للريع العقاري، المكثف في سعر الأرض، من طبقة اجتماعية إلى طبقة أخرى. ويعكس حالة اختلال واضح في موازين القوى، الفلاحون هم الطرف الأضعف فيه سياسياَ.

حددت الخصائص النوعية لتطور سورية الاقتصادي والسياسي تحت السيطرة الاستعمارية عملية تشكل البرجوازية السورية كطبقة اجتماعية، وعلاقة مختلف أقسامها بمشكلات البلاد الأساسية. فالبرجوازيين السوريين في فترة الاستعمار الفرنسي ينحدرون(بل يتماهون) من الأرستقراطية الزراعية الكبيرة، وبعلاقة وثيقة- لقسم منها- مع رأس المال الأجنبي، شكل ما يعرف بفئة البرجوازية الكومبرادورية.

 

ملاحظات وثغرات في قانون العلاقات الزراعية

صدر قانون العلاقات الزراعية رقم 56 بتاريخ 29/12/2004 واعتبر نافذاً بعد ثلاث سنوات على صدوره أي من تاريخ 29/12/2007 ومن ثم مضى على وضعه موضع التطبيق ما يقارب الخمس سنوات، وخلال هذه المدة ظهرت ثغرات عديدة في هذا التطبيق انعكست سلباً على المزارعين وعائلاتهم وتركت جرحاً في قلوب نسبة غير قليلة منهم ولاسيما ممن يعملون بالزراعة عند أصحاب الأراضي منذ عشرات السنين من دون عقود مزارعة موقعة أصولاً.

1 1.      أكثر الفلاحين لم ينظموا عقود مزارعة كتابةً ولبساطة المزارعين لم يطلبوا تثبيت مزارعتهم رسمياً كمزارعين شركاء أو مزارعين بالبدل وفق أحكام قانون تنظيم العلاقات الزراعية القديم رقم 134 وتعديلاته بالمرسوم رقم 195 لعام 1961 و218 لعام 1963 لذلك يجب أن يتضمن القانون الجديد حماية المزارع الشريك والمزارع بالبدل نصاً يقضي بإعطائه الحق لإثبات مزارعته بكل وسائل الإثبات بما فيها البينة الشخصية (أي الشهادة) لأنه بالنسبة لعلاقة المزارعة القديمة في ظل القانون رقم 134 كتابة العقد هي للإثبات وليس للانعقاد لأن انعقاد العقد يتم بمجرد تبادل طرفيه الإيجاب والقبول وتوافق الإرادتين للمتعاقدين، ومهلة السنة المنصوص عليها في المادة 163 من قانون تنظيم العلاقات الزراعية رقم 56 لعام 2004 قد انقضت وقيدت المزارع بهذه المدة دون ضرورة.
2. القانون حصر حق طلب فسخ عقد المزارعة بالمالك ولم يعط للمزارع حق طلب فسخ عقد المزارعة مع التعويض وخلو القانون من هذا الحق يعطي المالك سلطة مطلقة على الفلاح وذلك يؤدي لإخضاع الفلاح لنظام الفن (الفنانة).
3. من ممارسات المالكين التي تضر بمصلحة الفلاح المزارع الشريك غياب المالك حين جني المواسم ويعتمد المالك بعد ذلك لإقامة الدعاوى طلب تقدير الإنتاج لتقاضي قيمة حصته من الإنتاج وفق تقدير الخبراء (وما أدراك ما الخبراء) فيتكبد المزارع نفقات الدعاوى وأتعاب المحاماة التي ربما تفوق ما جناه المزارع ويعمد المالكون إلى هذا الأسلوب للضغط على المزارع ليترك مزارعته ربما من دون مقابل أو بلا تعويض أو تعويض زهيد.

وهكذا منذ السبعينات من القرن العشرين، لعبت السلطة السياسية دوراَ أساسيا، باحتكارها للسلطة أولا ومن ثم للثروة، في إعادة رسم التكوين الاجتماعي والطبقي لسورية. ولم تعد، كما كانت عليه في بداياتها، فئة اجتماعية محدودة ومعزولة(بيروقراطية عسكرية ومدنية). بل إنها اليوم، وعبر صيرورة تاريخية امتدت لأكثر من ثلاثة عقود-من الاندماج والتوسع – (وليس عبر مراكمة رأس المال واستثماره)، شكلت وبعثت وقوت خلالها طبقة برجوازية كبيرة”جديدة-قديمة”(وطبقة ملاك الأراضي الكبار) تشكل الآن طبقة اجتماعية سائدة ومالكة وحاكمة. وهذا ما لم تعرفه سورية من قبل في تاريخها الحديث، وما يعنيه هذا من تمايز وتفاوت اجتماعي و طبقي حادين أصبحا واضحينَ أكثر من أي وقت مضى.

  • Social Links:

Leave a Reply