التجربة الشيوعية بنموذحها السوفيتي
سمير سعيفان
أثار صديقي محمد كامل خطيب رغبتي وشجوني في آن معاً عبر عدة بوستات طويلة كتبها حول التجربة الشيوعية بنموذجها السوفيتي
لذا سأكتب بهذه المناسبة مناقشة طويلة بمقاييس الفيسبوك، وكان الله في عون من سيقرأه لأن ثقافة الفيسبوك عودت الناس على ثلث جمل أو اسطر على ابعد حد وليس ثلاث صفحات أو أكثر …. وسوف أدافع عن الماركسية في وجه تطبيقها السوفيتي واقول على طريقة الاسلاميين “التجربة السوفيتية لا تمثل الشيوعية” بل كانت راسمالية دولة من طراز خاص، وهنا اتبنى راي سمير أمين وآخرين
الابتلاء الذي وقعت به الماركسية، هي أن الشيوعيين، وكنت منهم، حولوها الى دين مكتمل كامل الأوصاف، وكان الشيوعيون يتغنون بقول ماثور للينين “إن منهج ماركس كلي الجبروت لأنه صحيح”، ولم يتعاملوا مع المارسية على انها منتج تاريخي شكل فتحاً عظيماً في تحليل الراسمالية والتحليل المادي للتاريخ، وأنه قابل والتطور والاستكمال والتبدل والاغتناء بأعمال وتجارب.
ديكتاتورية البروليتاريا فكرة ناقصة فيها شيء من الصحة ويجب ان تشمل جميع المشتغلين وليس قوة العمل الصناعية فقط بمعنى قوة العمل في مقابلة رأس المال وبمعنى الأجور مقابل الأرباح فالأجور حق والأرباح استيلاء على ما انتجه آخرون.
الأساس العلمي الذي وضعته الماركسية للانتقال من الراسمالية الى الاشتراكية واعتبرته أمر حتمي هو ان علاقات الانتاج الرأسمالية القائمة على التملك الخاص اصبح يتناقض مع عملية الانتاج التي تتخذ طابع اجتماعي اي اصبح التناقض بين الطابع الاجتماعي للانتاج والطابع الفردي الراسمالي لتملك وسائل الانتاج، وهذا التناقض أخذ يحد من قدرة قوى الانتاج ووسائله على التطور، واصبح لا بد من تمزيق الثوب الرأسمالي الضيّق واستبداله بثوب اشتراكي يقوم على الطابع الاجتماعي للملكية، كي يتوافق الطابع الاجتماعي للانتاج مع الطابع الاجتماعي لتملك وسائل الانتاج فتزدهر قوى الانتاج مقدمة للبشر مزيد من الرفاء المادي والاجتماعي. ولكن الشيوعية والأحزاب الشيوعية ركزت على جانب العدالة في توزيع الدخل واعطته شكل مساواتية ظالمة تساوي المجد بالكسول، فقتلت الحافز على الانتاج، وأهملت الجانب المادي العلمي لتطور قوى الانتاج بل شكلت الادارات الشيوعية فكرة بائسة عن التكنولوجيا مما ادى لتفوق الرأسمالية على الشيوعية. وهذا جعل الاشتراكية اشبه بمساواتية وعدالة في الفقر
الأمر الآخر الذي نظّر له الشيوعيون، هو ان الانتقال من الرأسمالية الى الاشتراكية لا يمكن ان يتم بالتطور التدريجي (كان هذا التعارض بين أحزاب الأممية الشيوعية الثانية التي أسسها ماركس و اتخذت فيما بعد شكل الأحزاب الاجتماعية الديمقراطية في اوروبا، وأحزاب الأممية الشيوعية الثالثة التي أسسها لينين، بينما اسس تروتسكي الأكثر تطرفاً أمميته الرابعة) بل يتم بالثورة العنيفة وانتزاع السلطة بقوة السلاح فقط، لأن القوى الرأسمالية المسيطرة لن تسمح بالانتقال السلمي التدريجي الى نظام بديل يلغي علاقات الإنتاج الرأسمالية. وقد بالغ ماوتسي تونغ على نحو خاص بهذه المقولة حينما اعتبر ان الصراع الطبقي يشتد كلما تقدم بناء النظام الاشتراكي، وكلفت هذه المقولة الشعب الصيني ملايين الضحايا.
كانت نظرية ماركس تقوم على أن الثورة الشيوعية وبناء النظام الشيوعي يجب ان يقوم بأكثر بلدان العالم تقدماً اي في بريطانيا والمانيا وفرنسا، وأن تقوم الثورة في غالبية هذه البلدان دفعة واحدة، لأن البلدان الأخرى الراسمالية ستهجم على الثورة الوليدة للقضاء عليها. لكن بسبب عدم توفر ظرف ثوري واستعجال لينين، فقد “طور” لينين نظرية ماركس بأن الثورة يمكن ان تقوم بأضعف حلقة في سلسلة الأنظمة الرأسمالية، كي تقدح شرارة الثورة في البلدان الرأسمالية المتقدمة، ولكن الثورة الروسية قامت ولم تستطع قدح شرارة الثورة في بلدان راسمالية متقدمة فاصبحت الثورة اليتيمة.
الأمر الآخر ان فكرة ماركس كانت تقوم على اضمحلال الدول، هذا الغول الذي يلتهم المجتمع، وأن تتحول البلاد الى إدارة ذاتية شعبية لم يشرحها ماركس كفاية، كما لم يشرح كفاية الكثير من جوانب بناء النظام الاشتراكي والشيوعي، ومن هنا طرح لينين شعار حكم السوفييتات، اي حكم مجالس الشعب، ولكن تاريخ روسيا الاستبدادي وهجوم دول اوروبا العجوز على الثورة الوليدة لوأدها وفشل الثورة الالمانية قد حولت السلطة الشعبية إلى سلطة مستبدة وضع بذورها لينين واستكمل بناءها الجيورجي ستالين، لعب صعود الفاشية والنازية دور في ترسيخ الطابع الاستبدادي للسلطة شيوعية الوليدة التي هاجمتها جيوش 15 دولة أوروبية للقضاء عليها (وهذا ما توقعه ماركس ولكن لم يستطيعوا القضاء عليها ولكنهم رسخوا طابعها الأمني العسمري القمعي) فقامت السلطة الثورية الوليدة على القمع ومصادرة الحريات العامة حيث حل الحزب تحت مسمى “الطليعة الثورية” محل الشعب ، وكان الحزب مرتع للانتهازية، وحلت القيادة محل الحزب وحل الزعيم الأكبر محل القيادة وأدواته أجهزة السلطة السرية.
أي بدلا من اضمحلال الدولة فقد تغولت الدولة والتهمت المجتمع والاقتصاد والناس والحريات وكل شيء وكونت سلطة مركزية بجهاز ضخم جدا من الصعب إدارته، أستطاع في أوقات الحروب العصيبة (الحرب الأهلية- حرب بناء الدولة – الحرب العالمية الثانية) ان يصنع الكثير بل اشياء معجزة، ولكنه أصبح فيما بعد جهاز ثقيل بطيء متهالك رجعي يقمع اي افكار جديدة لتنظيم البلاد والاقتصاد والحياة مقابل نظام رأسمالي ديناميكي فربح هذا الأخير وخسر الأول.
ببساطة لقد قتلوا المجتمع ومنعوا العقول من التفكير واستبدلوها بعقول عدد محدود من البيروقراطية ، لقد عطلوا التطور فهدروا طاقات عظيمة.
لكن..
لكن من جهة أخرى فقد لعب قيام الاتحاد السوفيتي ومن ثم المعسكر الاشتراكي دورًا كبيراً في دفع الرأسمالية لتقدم تنازلات كبيرة للمشتغلين لمنع ذهاب الناس الى الأحزاب الشيوعية، وكان الفضل للحركة الشيوعية بتوسيع قيام شبكات الضمان الاجتماعي ونمو النقابات وتحسين شروط العمل وإقامة شبكة الضمان الاجتماعي، وعلى مستوى العالم الثالث نالت دول العالم الثالث حرياتها وحصلت على معاملة أفضل من قبل الدول الغربية بسبب وجود العدو الشيوعي الذي يطرح نفسه بديلا عن الرأسمالية
مثلا لولا وجود المعسكر الاشتراكي لما استطاعت الدول المصدرة للنفط أن تؤمم قطاع النفط وتستعيده من يد الشركات الغربية، ولم يكن لأسعار النفط أن ترتفع وتعود عوائده على بلدانه المنتجه، وهذا مجرد مثال كبير
في النهاية….. تبقى قضية العدالة الاجتماعية مطروحة على جدول أعمال البشرية… ورغم التطور الإيجابي الذي حصل في القرن الماضي، فإن الحاجة ما زالت ملحة، خاصة وأن العقود السابقة منذ 1978 قد قضمت الكثير من حقوق الناس ومن شبكة العدالة الاجتماعية ومن قوة المجتمع في وجه راس المال،
ورغم ذلك مازالت الماركسية نظرية قوية لا يمكن تخطيها، ومازالت أطياف ماركس تحوم فوق جميع البلدان

Social Links: