ماركس شهيداً – نبراس دلول 

 ماركس شهيداً – نبراس دلول 

 ماركس شهيداً

نبراس دلول

مرت قبل يومين الذكرى المئتين لمولد الفيلسوف والإقتصادي الألماني الكبير كارل ماركس ، وهي مناسبة لم تمر مرور الكرام، إذ ظهر واضحاً احتفاء العالم بهذه المناسبة وكل على طريقته. فقد حفلت المواقع والصحف ووسائل الإعلام ، إضافةً إلى كثير الدول على رأسها ألمانيا والصين ، بماركس ومولده. ومن الكاره لماركس إلى المحب له، كان واضحاً أن الجميع متفق على أن الرجل كان سابقاً لعصره وعلى مستويات عديدة، وبأنه صاحب بصمة واضحة على مجريات التاريخ، وطبعاً كل ذلك صحيح، حتى أنه قلما اتفق الجميع على أهمية شخصية معينة وذلك بغض النظر عن تأييدهم أو رفضهم لها كما هو حاصل حقيقةً مع كارل ماركس.

بالنسبة لي، تبدو مناسبة مرور مئتي سنة على مولد كارل ماركس فرصة مناسبة للتأكيد على عدد من المقاربات حوله وحول الماركسية والشيوعية بالعموم. فالرجل خطير ، وخطورته تكمن في عدم القدرة على فصل أعماله عن أثارها ، وذلك تماماً كما أشار الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير خلال احتفائه بالمناسبة.

بدأت كتابات ماركس في أربعينيات القرن التاسع عشر وحتى وفاته في العام 1883، وذلك بمشاركة رفيقه الموسوعي فريدريك إنجلز، والذي أكمل لاحقاً ما لم يتمكن ماركس من متابعته نتيجة وفاته. وخلال حياة ماركس وإنجلز كان مذهبهما الشيوعي الذي نادا به تياراً من تيارات عمالية وإشتراكية متعددة كانت تنتشر في معظم أوربا، لكن بوصول البلاشفة الى الحكم في روسيا وتأسيسهم للإتحاد السوفياتي بعد ثورة أوكتوبر 1917، باتت الماركسية التيار المهيمن على مجمل الحركة العمالية خصوصاً في أوربا الشرقية ودول العالم الثالث، هذا إلى جانب حضورها المهم في الدول الرأسمالية المتقدمة، وإزاحتها التيارات العمالية الأخرى الى الوراء، وهذا أمر طبيعي سبق وأشرنا إليه في مقالة ( عن الدولة والدين والأيديولوجيا) في هذه الصحيفة. فماركس ” الظاهرة ” الذي يحتفي العالم به هو ماركس الإتحاد السوفياتي وتجربته ، هذه التجربة التي لم يعشها ماركس نفسه وإنما استندت إليه وزاد ألقه التاريخي بسبب هذا الإسناد.

في مقالة ( عن الدولة والدين والأيديولوجيا) قلنا: ” قبل ثورة 1917، كانت الماركسية محدودة الإنتشار والتأثير ، وكان جل أتباعها هم من المثقفين في أوربا وأميركا، وكانت واحدة من عدة تيارات يسارية متنافسة. لكن بعد قيام دولة الإتحاد السوفياتي تحولت الماركسية إلى ظاهرة مؤثرة في حركة التاريخ أزاحت حتى منافيسيها الأقرب لها فكرياً كالفوضوية والإشتراكية الديمقراطية، فازداد الأتباع في كل أصقاع المعمورة ، وتأسست الأحزاب وقامت الثورات، وكل ذلك كان بدعم مباشر مادي ومعنوي من الإتحاد السوفياتي . كان الإتحاد السوفياتي بمثابة دولة المدينة المنورة بالنسبة لانتشار الإسلام ، مثلما كان أيضاً ” قسطنطين ” وامبراطوريته بالنسبة للمسيحية ، ومثلما كان أيضاً ” أشوكا ” بالنسبة للبوذية ” .

طبعاً، لايراد بهذه المقاربة التقليل من حجم ونبوغ ماركس. فنبوغ الرجل نستدل عليه من الرجوع الدوري إليه في كل أزمة إقتصادية تجتاح العالم الرأسمالي، أي علينا هنا التفريق بين ماركس ” الظاهرة السياسية ” و ماركس ” الظاهرة الفكرية ” وتصحيح العلاقة بينهما. فحتى يومنا هذا لايزال ماركس مرجعاً أساسياً مهماً في نقد النظام الرأسمالي ، وذلك إلى جانب كونه المرجع الأقدر على تحليل وقراءة الأحداث التاريخية قديمها وحديثها. فراهنية ماركس هي راهنية النقد الخلاق الذي قدمه ورفيقه وأتباعهما للرأسمالية كنظام اقتصادي اجتماعي، هذا النقد الذي لايتم الرجوع إليه فقط من قبل ضحايا الرأسمالية في العالم ، وإنما أيضاً من قبل مؤسسات الرأسمالية ذاتها، وذلك بشكل دوري كما أشرنا أعلاه، وهو ماسبق للمفكر الفرنسي جان بول سارتر الإشارة إليه عندما قال أنه لايمكن تجاوز الماركسية طالما أن الفترة الزمنية التي تتحدث عنها ( الرأسمالية) لم يتم تجاوزها بعد.

من هنا، يمكننا القول أن الرجوع إلى ماركس هو دائماً ضروري و واجب وبديهي في نقد ومواجهة النظام الرأسمالي وأليات عمله والتنبؤ في انزلاقاته وحتى همجيته ، أي الرجوع إلى ماركس الظاهرة الفكرية، لا السياسية. فماركس ” الظاهرة السياسية ” ، بمعنى التطبيق وبمعنى تقديم حلول سياسية لما هو صحيح وصادق في نقد الرأسمالية،  لا يمكن الرجوع إليه خصوصاً بعد تجربة الإتحاد السوفياتي ومن سار في فلكه على إمتداد حوالي قرن. و ذلك طبعاً بغض النظر عن كون هذه التجربة قد طبقت أفكار ماركس بحذافيرها أم لا. فعدا عن أنه يستحيل تطبيق أية فكرة سياسية بحذافيرها ، أياً تكن قوتها وصدقها الذاتيين ،على الواقع المتجدد دائماً، فإن مجرد التفكير بذلك يحيل المرء إلى مجرد عبد للفكرة ، وبالتالي إلى محض أصولي يكتب لنفسه ولمشروعه الفشل مسبقاً، وهذا مانعيشه اليوم على سبيل المثال في العالم الإسلامي الذي تنتشر فيه التنظيمات التي تحاول قولبة الواقع المتغير ليناسب عنوةً الفكرة المجردة، بينما العقلانية والعلم يقتضيان دائماً قولبة الفكرة مع الواقع لا العكس.

كانت أول محاضرة تلقيناها في كلية العلوم السياسية بجامعة دمشق هي عن جانبيّ السياسة، جانب العلم وجانب الفن. فالسياسة كونها علماً فهي بالضرورة تحمل في طياتها مقدمات فكرية وعلاقات إرتباطية، لكن كون السياسة يدخل فيها الفعل الإنساني فإن هناك ضرورة ما تجعل لها جانباً أخر هو جانب الفن في التطبيق. والأمر هنا يبدو كوجود هدف ما يعترف الجميع بأهميته وضرورته، لكنهم سيختلفون دائماً ليس فقط في طرق الوصول إليه ، وإنما أيضاً بالأدوات والمهارات والتكتيكات التي يتبعونها.

من هنا، فقد أبان ماركس المفكر في القرن التاسع عشر، الهدف الذي على البشرية الوصول اليه وذلك وفق قراءات علمية أنتجت لنا ماركس ” الظاهرة الفكرية”، لكن السعي للوصول إلى هذا الهدف خلال القرن العشرين وبدءاً من تجربة الإتحاد السوفياتي ونظرائه قد أنتج لنا ماركس ” الظاهرة السياسية “. فماركس الظاهرة الفكرية ” العلم” لايزال موجوداً بيننا بألقه ورونقه ، لكن ماركس ” الظاهرة السياسية ” ( الفن) هو مايجب تجاوزه خصوصاً بالإستفادة من العورات الفاقعة التي أدت إلى تناقض وتعارض التطبيق مع الهدف، وبالتالي هزيمة هذه الظاهرة السياسية وتحول ماركس شهيداً لها. فاليوم ليس عدونا أو خصمنا لينين، فالرجل له شرف التجربة وهو اجتهد وما أصاب وفق ظروف زمنه وبلده، بكن بالتاكيد عدونا اليوم هو من يريد أن يطبق في القرن الحادي والعشرين حتى ما ذكره لينين بالحرف والفاصلة في خطبة ما عن أوضاع بلدية ما في قرية روسية نائية ما في يوم أوكتوبري ما !! فهؤلاء لايشبهون حقيقةً سوى الأصوليين الإسلاميين الذين يريدون اليوم تطبيق ماذكر في الأحاديث وأحاديث التابعين التي قالوها قبل 1400 سنة في ظروف وحيثيات وأطوار لا تشبه ماهو قائم وحاصل اليوم. فمقاربات هؤلاء لاتنتج سوى الأيديولوجيا والأصولية التي تستحيل لاحقاً إلا فشلاً  يتربع على أهرامات من الجثث البشرية ( على مستوى الحكم أتحدث).

كان ولايزال في العلم، تطبيق نفس المقدمات لن ينتج عنه سوى الحصول على نفس النتائج، فمابالكم إذا لم نأخذ بعين الإعتبار نتائج المقدمات في التجربة الأولى واختلاف عوامل الزمان والمكان وحيثياتهما خلال إعادة التجربة !! في إحدى المجموعات الخاصة على موقع ” فيسبوك”، وخلال احتفاءنا بالذكرى المئتين لمولد كارل ماركس ، تبادلنا الأراء والنقد حوله وحول مايمكن الإستفادة منه، ومابقي صالحاً وما اضحى غثاً في الماركسية كنظرية وكتجربة تاريخية، وقد كانت مساهمتي من خلال عدد من المقاربات ، كالأتي:

– لا لإشتراكية الفقر والعوز والفاقة… نعم لإشتراكية الغنى.

– لا لإشتراكية القهر والإستبداد السياسي … نعم لإشتراكية الحريات السياسية.

– لا لإشتراكية تعادي امتلاك المواطنين للسيارة، وتمنعهم من السفر والتنقل.

– لا لإشتراكية في بلد واحد … نعم لإشتراكية تنتج عن تطور القوى العاملة ، لا عن قرار إرادوي فوقي بيروقراطي.

– لا لإشتراكية سلفية تطبق بالمسطرة والقلم ماقاله ماركس ولينين قبل قرن وأكثر دون النظر إلى تغير المكان والزمان.

– لا لإشتراكية عبدة للفكرة… نعم لإشتراكية شعارها: شجرة النظرية دائماً رمادية اللون ، بينما شجرة الحياة دائماً خضراء متجددة.

– لا لإشتراكية لا تأخذ بالمقاربات أعلاه، فهذه المقاربات خلاصة تجربة قرن كامل ، امتحن فيها الفكر والتطبيق معاً، فلا يلام كثيراً من حاول التطبيق، بقدر ما يجب أن يلام ويُحارب من يصر على نفس التطبيق في القرن الحادي والعشرين، فهو كما قال ماركس يوماً:

التاريخ يعيد نفسه مرتين، في الأولى كتراجيديا عظيمة، وفي الثانية ككوميديا مبتذلة.

  • Social Links:

Leave a Reply