السياسه والعنف في سوريه – عبد الله حنا – جزء 1

السياسه والعنف في سوريه – عبد الله حنا – جزء 1

 

السياسه والعنف في سوريه …ارسل احد الاصدقاء مقالة الدكتور عبد الله حنا بنفس العنوان ..ونحن ننشره هنا مقترحين فتح نقاش حوله لمن يرغب‎

 

استهلالة

   في 5 حزيران 1925 عقد حزب الشعب اجتماعا جماهيريا في بهو اوبرا العباسة بدمشق حضره اكثر من ألف شخص . خطب في هذا الإجتماع الطبيب النهضوي والزعيم البارز في الحركة الوطنية العربية عبد الرحمن الشهبندر جاء فيه :

  ” إن كيان اوروبا يهدد في يومنا هذا بحرب عوان تدعى حرب الطبقات ، وخلاصتها أنّ تسعة أعشار الأمم الغربية وهم العمال يشتغلون آناء الليل وأطراف النهار لإشباع بطون العشر الباقي وإملاء جيوبهم وهم المملقون … وه إذا ما سمعوا بالمظالم والمغارم التي تُجنى بإسمهم قالوا : ليس بين شعوب الأرض شيء من سوء التفاهم ، وإنما هو صراع رأس المال … وسينتهي الإفلاس بالبلاد المستعمَرة إلى حشرها في صفوف العمال يتعاون الجميع على تحرير الإنسانية من مخالب الأصفر الرنان ” .

   كان الشهبندر القائد الفكري  للثورة الوطنية السورية ، التي اندلعت في صيف 1925 ، فحكمت عليه سلطات الإنتداب الإستعماري بالإعدام ، فلجأ إلى مصر . وبعد صدور العفو عام 1936 عاد الشهبندر وافتتح عيادة في دمشق مستأنفا نشاطه الوطني والفكري  لبلورة المشروع النهضوي التنويري العربي .

في ضحى السادس من تموز 1940 اغتيل الدكتور عبد الرحمن شهبندر غدراً في عيادته بدمشق على يد مجموعة متسلحة بفتوى من الشيخ مكي الكتاني لقتله لأنه ملحد .

وكان اغتيال الشهبندر على يد تلك الفئة المنغلقة المتزمتة  بمثابة تحذير للمنادين بحرية الفكر العربي والداعين إلى العقلانية والعلمانية والتنوير، والسير بالمجتمع العربي خطوات إلى الأمام، في ميدان التقدم الحضاري والرقي .

لقد كان المسدس الذي سدّد طلقاته إلى جسم الشهبندر، وتحديداً إلى رأسه ودماغه المفكر، يعني أن عصر النهضة العربية لم ينتصر كما حلم رواد النهضة العربية في العقود الماضية، وأن حرية الفكر ليست سهلة المنال..

ألم يُهدَر دم الشهبندر، لأنه دعا إلى السفور، ونادى بالديمقراطية، وطرح أفكاراً علمانية، وتحدث عن الاشتراكية المعقولة ، وسلخ “عمره في الدفاع عن حرية الفرد وحرية الجماعة سياسياً وإجتماعياً واقتصادياً”.

لقد كان من السهل على أعداء النهضة، ومناهضي التقدم، اتهام الشهبندر بالكفر، وتحليل قتله، وإلقاء الرعب في نفوس رواد النهضة ودعاة التحرر والتقدم.

بعد اغتيال الشهبندر، أصدر “جماعة الإصلاح الاجتماعي العربي” بدمشق، بياناً معبراً عن الوضع نتيجة اغتيال الشهبندر وفيما يلي مقاطع من البيان :

أيها العرب. إن “جماعة الإصلاح الاجتماعي العربي” قد اهتمت بقصة اغتيال الشهبندر لأنه إذا صح أن التهوس الديني ساعد عليها، كان معنى ذلك أن العالم العربي يعيش في بؤرة من التقهقر الإجتماعي، وأن حرية الفكر في بلاد العرب أصبحت في خطر، وأن كل مفكر لا يستطيع التفوه بما يعود على الحضارة العربية بالتقدم، وأن كل مفكر عربي تقدمي يقضى عليه سياسياً واجتماعياً باسم التعصب الديني، الذي لا يمت بآصرة من الأواصر إلى روح الدين. وإن الرضوح لإرادة من لا يفهمون من الدين إلا القشور دون اللباب، سيؤدي إلى كارثة كبرى. إن جماعة الإصلاح الإجتماعي العربي، لم يهتموا بقضية اغتيال الشهبندر، إلا لأنه اغتيال لحرية الفكر العربي. لقد سلخ الشهبندر عمره في الدفاع عن حرية الفرد وحرية الجماعة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، وأن المسدس الذي سدد إليه إنما سدد إلينا جميعاً كعرب نقول ونؤمن بأن حرية الفكر والوجدان هما من أكبر الدعائم التي ارتكزت عليها الشريعة الإسلامية.

أيها العرب: إن اغتيال الدكتور شهبندر كان اغتيالاً للفكر العربي التقدمي، هذا الفكر الذي لا يمكن لنا بدونه إبداع مكاننا تحت الشمس”.

                                             المقدمة

    أغفل ويغفل معظم الباحثين التربة الإقتصادية – الإجتماعية ، التي انبتت العنف ، واقتصر اهتمامهم على العوامل السياسية والفكرية المرئية ، التي طفت على سطح الأحداث . وأرى من الضروري لفهم علاقة السياسة بالعنف التشديد على العلاقات الإقتصادية – الإجتماعية والسعي لكشف الستار عن تأثيراتها ومفاعيلها المتنوعة . كما أن إيلاء الإهتمام إلى البنية الإجتماعية بعامة ، وجانبها الطبقي بخاصة  يرشدنا لتلَمّس موضوع السياسة والعنف في عالمنا العربي ، الذي تتقاذفه اليوم إضافة إلى مفاعيله الداخلية الرياح القادمة من جواره في إيران وتركيا والعواصف الصاخبة في العالم من أمريكا إلى روسيا مرورا بالقارة العجوز . ولا يخفى أن هذا النهج سيدفع بعضهم لإتهام كاتب الورقة ب ” الطبقوية ” أو ” الإيديولوجية “، وهم يضيقون ذرعا بتسليط  الأضواء على الحراك الإجتماعي ودور الشرائح الإجتماعية ومواقفها في عهود الإقطاعية الهابطة والبورجوازية الصاعدة .

 الأجواء الإجتماعية المتمثلة بالبنيتين الإقطاعية والرأسمالية ( الفقيرة صناعيا ) والمتأثرة بالإجتياح الإستعماري للعالم العربي هزّتها في النصف الثاني من القرن العشرين رياح الاقتصاد الريعي النفطي ، الذي رسّخ دعائم ” الدولة الأمنية ” من جهة ، وساعد على سرعة انتشار الإسلام السياسي وأحزابه . وستسلط الدراسة الأضواء على الحالة السورية والدور السلبي للقطاع العام المدار من البيروقراطية المستأثِرة بجانب كبير من خيراته . حيث اصبح القطاع العام مع عوائد النفط إحدى الركائز الأساسية للدولة الأمنية ، التي حجّمت المجتمع المدني المزدهر في منتصف القرن العشرين ، ومارست اساليب العنف التي ستتناولها الدراسة بقدر ما يسمح به ” المقام ” .

  ولن تُغفل الدراسة دور العامل التراثي المتمثل برسوخ أقدام الممارسات المملوكية والإنكشارية العثمانية في ترسيخ دعائم الاستبداد واستخدام العنف في التضييق على المنظمات الحرفية ومشاركة التجار أرباحهم وعصر الفلاحين وإبقاء المجتمع في حالة من الركود والجمود ، وبالتالي سد الطريق أمام التطور الرأسمالي والثورة الصناعية .

   ومع تلاطم أمواج الحداثة على شواطئ العالم العربي وما خلّفته من آثار نلاحظ  انبعاث تقاليد الدولة السلطانية في إهاب الدولة الحديثة ، وقيام الأجهزة الأمنية بممارسات عنفية سياسة هي من صميم الدولة السلطانية ، التي لم تستطع الدولة الحديثة الخلاص منها . ولهذا أطلق المؤلف على هذه الأجهزة الأمنية اسم ” المباحث السلطانية ” ، وهي أجهزة تعيش بعقلية الإستبداد المملوكي العثماني  ولا علاقة لها بالحداثة ، ولكنها تستخدم التحديث وما انتجته الحضارة ” الغربية ” لتشديد قبضتها على المجتمع ووضع مؤسسات المجتمع المدني ، مغلولة اليدين ، في خيمتها السلطانية المجهزة تقنيا بأحدث ما انتجته حضارة الغرب .

   وفي الضفةالمقابلة تسير قوى الإسلام السياسي المتحجرة المتزمة والمنفلتة اليوم من عقالها ( ورحم الله السلفية النهضوية التنويرية وبخاصة جناحها الشامي ) على خطى الدولة الأمنية العربية في استخدام التحديث لصالح الإستبداد والسير بالعنف إلى حدود البربرية ، مستندة إلى الجوانب المظلمة من تراثنا العربي الإسلامي ، وهي تسترجع غزوات المغول والتتار وفتاوى إبن تيمية .

  • Social Links:

Leave a Reply