أفول قيم الأنوار في عالم ما بعد الواقع
مايكل هايدن
لم يكن وليد صدفة انتخاب قاموس أوكسفورد عبارة «ما بعد الواقع» كلمةَ العام في 2016. وترجح في عالم ما بعد الواقع كفة الانفعالات والمعتقدات الخاصة على كفة الوقائع في بلورة الرأي. وينأى التزام تفكير ما بعد الواقع عن أفكار التنوير التي رجحت في الغرب منذ القرن السابع عشر. وتُعلي هذه الأفكار شأن التجربة والخبرة، وتُنزل الوقائع منزلة النواة، وتلتزم التواضع في وجه التعقيد، ولا تنفي الحاجة إلى دراسة الأفكار واحترامها. ويستغل الرئيس دونالد ترامب مثل هذا التفكير. ولا غلو في القول إن حملة ترامب أسبغت مشروعيةً على الكذب. وزعم المرشح ترامب أن حشوداً من العرب احتفلت في نيوجيرسي بانهيار برج التجارة العالمي، ودعا إلى قتل عائلات إرهابيي الحادي عشر من أيلول زاعماً «أنهم كانوا يعرفون ما يجري» وأنهم «شاهدوا أزواجهم على التلفزيون وهم يصدمون مركز التجارة العالمي». ولا دليل على ما يسوقه ترامب. وهو أوحى بأن والد السيناتور تيد كروز ضالع في اغتيال الرئيس جون أف. كينيدي، وأشار إلى أن قاضي المحكمة العليا الأميركية الراحل أنتونين سكاليا، قُتل. وحين سئل عن تفاصيل ما يقول، طعن الرئيس في كفاءة وصدقية من يوجهون الأسئلة، ووصفهم تارة بوسائل الإعلام «الكاذبة»، والقضاة «المزعومين»، وسمّى الملمين بما يجري في أروقة واشنطن بـ «الدولة العميقة». ونعت مسؤولي الاستخبارات في عهد أوباما بـ «المأجورين سياسياً».
ولكن هل في مقدور ترامب التمييز بين ماضٍ وقع فعلياً وماضٍ مست حاجته إليه لحظة السؤال؟ في الإمكان إقناع كاذب بأنه كان على خطأ، ولكن ما العمل مع شخص لا يميز بين الحقيقي وغير الحقيقي، أي ما بين الواقع والخيال. وفي الاستخبارات الأميركية، سبق لنا التعامل مع رؤساء متعنتين ومولعين بالجدل والخلاف بالرأي، ولكن لم نخدم رئيساً من قبل يستخف بالوقائع ويرى أنها غير وازنة. وكثر من الأميركيين لا يرون في الأمر مشكلة. ففي العام الماضي، التقيت بعدد من مؤيدي ترامب في ناد رياضي ببتسبورغ. ونظم اللقاء شقيقي، وكنت أعرف بعضهم في شبابي، وشببت مع بعض آخر منهم. ولكن بدا لي أننا من كواكب مختلفة. فهم كانوا غاضبين: يعملون كثيراً، ويدفعون الضرائب ويكافحون لتنشئة أولادهم، ويشعرون أن حكوماتهم أهملتهم، ويرون أن دونالد ترامب رجلهم. فهو «أميركي» و «أصلي لا يدقق في كل كلمة ولا يحلل القصد منها». وبدا أن هؤلاء بدورهم غير مهتمين بالوقائع، أو على الأقل بما أقدمه لهم من وقائع. فالتحزب السياسي في أميركا صار «شمولياً»، على قول المعلق والكاتب ديفيد بروكس. فهو يقول إن الهوية الحزبية تملأ الفراغ الناجم عن ذواء الروابط- الدينية والإتنية والجماعاتية والعائلية. واليوم، صارت المعتقدات وثيقة الصلة بالهويات، وبلغت مبلغاً لا تجدي معه المحاججة في مسألة ما والمناقشة. ويبدو أن عمل الاستخبارات- وعلى الأفل النهج الذي درجت عليه الاستخبارات في الإرث الليبرالي الغربي- هو مرآة قيم التنوير المهددة: الجمع، التقويم وتحليل المعلومات، ثم نشر النتائج لاستخدامها، ودرسها، والبحث فيها أو دحضها. ويهدد تآكل قيم التنوير عمل الاستخبارات على أمثل وجه. وهـــذا كان جلياً حين بدأت إدارة ترامب تنفيذ القرار التنـــفيذي غير المدروس وغير المعد له، والذي جلا في عين العالم على أنه حــــظر دخول أميركا على المسلمين. وهذا القرار التنفيذي لم يكن من بنات تحليل استخباراتي يتناول خطر المهاجرين المتحدرين من بعض الأمــم، بل هو وليد رغبة الرئيس في النزول على وعد حملته الانتخابية المستند إلى مخاوف مضخمة من المهاجرين وعلى الطعن في نظام التحري عن اللاجئين طعناً ليس في محله.
ومع الوقت، ثبت لي أن القرارات الأمنية في إدارة ترامب تسير على نمط محدد: النقاش يبدأ مع تغريدة رئاسية أو تصريح رئاسي. ثم يليها سعي كبير إلى إبلاغ الرئيس بتعقيدات المسألة وإقناعه بها، وحثه على مراجعة تاريخ المسألة، وتسليط الضوء على ما يترتب عليها من نتائج والتفكير في الخطوات اللاحقة. وهذا كله عسير. فالرئيس نافد الصبر. وأحد المقربين منه يصفه بـ «رجل الدقيقتين» وطول «صبره لا يزيد عن (وقت قراءة) نصف صفحة». وهو يطالب بموجز استخباراتي لا يزيد عن 5 صفحات عوض 60 صفحة درجنا على تزويد الرؤساء بها. وهذه مشكلات لا يستخف بها. وفي بعض الأحيان، يصيب في مسألة من المسائل- وكأن الإصابة هذه من بنات السحر وليس المنطق. فخطابه في آب (أغسطس) المنصرم عن أفغانستان كان ملفتاً ويُعتد بالاستماع إليه. وكان من غير لبس نتاج سيرورة تقليدية في المناقشة تعرض فيها الاستخبارات صورة دقيقة عن المسألة استناداً إلى سيرورة مركبة من العمل الاستخباراتي والأمني: انتخاب أجود المعلومات ثم تقييم وكالات الأمن الرؤى المختلفة التي يقول فيها مجلس الأمن القومي كلمته. ولكن هذا الخطاب كان الاستثناء. فالرئيس يواصل الهجوم على الاتفاق الإيراني. ومن المرجح أن يطويه على رغم رأي الاستخبارات أن إيران لم تنتهكه انتهاكاً ملموساً، وعلى رغم تقويمها الاستخباراتي الإيجابي للاتفاق. فهو يجعل عسيراً على طهران صنع السلاح النووي… وفي مسألة روسيا، اضطر الرئيس أخيراً إلى المصادقة على عقوبات عليها جزاء تدخلها في الانتخابات الأميركية، ولكنه يواصل وصف التحقيقات حول المسألة بـ «صيد الساحرات» ويُمطر أجهزة في إدارته نفسها بالنقد. فهو ذلّ المدعي العام، وأضعف مستشاره للأمن القومي، وشن حملة انتقام شخصية من مسؤولين بارزين في الـ «أف بي آي». وحين يطلب موظفون في أجهزة الاستخبارات مشورتي اليوم، أذكِّر الأصغر منهم بواجباتهم- وهذه تقضي بمساعدة الرئيس على النجاح في عمله. ثم أنبههم قائلاً «احموا أنفسكم، دونوا ملاحظات واحتفظوا بها… والأهم من هذا كله احموا المؤسسات. فأميركا لا غنى لها عنها».
وفي عالم ما بعد الواقع، تجد أجهزة الاستخبارات نفسها في خندق واحد مع شركاء غير متوقعين: الصحافة والأكاديميا والمحاكم، وأجهزة القانون ودوائر العلوم- والدوائر هذه كلها، شأن جمع المعلومات الاستخباراتية، تستند إلى الأدلة. ويسلط المؤرخ تيموثي سنايدر الضوء على أهمية الواقع في كتيبه التحذيري «حول الاستبداد»: «أن نهجر الوقائع هو صنو أن نهجر الحرية. فإذا لم يكن شيئاً صحيحاً، ليس في الإمكان نقد السلطة في غياب سند يبنى عليه النقد… ما بعد الواقع هو ما قبل (يمهد لـ) الفاشية». وحين أقابل ضباط في الـ «سي آي آي» وغيرها من الأجهزة، أتساءل إذا ما كانوا يدركون أننا نعوّل عليهم. فما لا يخفاهم هو أننا نستند إلى رواية الوقائع لحماية أنفسنا من الأعداء. واليوم، نحتاج إلى الوقائع لحمايتنا من أنفسنا وإنقاذها.
* جنرال أميركي سابق، مدير سابق لوكالة الأمن القومي، عن «نيويورك تايمز» الاميركية، 28/4/2018، إعداد منال نحاس

Social Links: