السياسية و العنف في سورية – د. عبد الله حنا – الجزء السادس

السياسية و العنف في سورية – د. عبد الله حنا – الجزء السادس

      التحركات الشعبية ربيع 2011 قبل إنزلاقها إلى  العسكرة

      التحركات الشعبية السلمية ، التي اندلعت من درعا في آذار 2011 ، رفعت راية الحرية والعدالة وصون الكرامة المهدورة ، وعبّرت في أعماق وعي ناشطيها عن الحقد الدفين على نهب البورجوازيات الطفيلية والبيروقراطية للمال العام والخاص. وبعد ستة أشهر من اندلاعها داهمتها العسكرة نتيجة استخدام ” النظام ” للرصاص الحي في قمع التظاهرات .

  هذه التحركات  الشعبية المندلعة بسبب عوامل داخلية تشابك فيها الديموقراطي بالطبقي بالطائفي  . وسرعان ما اعتلت أمواج احتجاجاتها عوامل خارجية دولية واقليمية ، فحوّلتها إلى صراع ذو أبعاد مذهبية هدد اللحمة الوطنية ، وهو نقيض الشعار في منتصف القرن العشرين : ” الدين لله والوطن للجميع ” .

  ونرى من الضروري لفهم آليات التحرك الشعبي وأماكن انتشاره الواسعة إلقاء الأضواء على التغيرات الجارية داخل المجتمع وسنتناول محورين منها هما : موقف الفلاحين من جهة ، والتغيرات الجارية في نسيج الفئات الوسطى وفكرها .

أولا مواقف الفلاحين ( ونعني اكثرية السنة منهم ) إزاء الإسلام السياسي  في أحداث حماة عام 1982 وتأييد شرائح واسعة منهم للنظام أو وقوفها موقف المتفرج . أمّا في التحركات الشعبية ربيع 2011 فانضمت الأكثرية منهم إلى ” الجهاد المسلح ” .

عام 1982 وقفت أكثرية الفلاحين السنة ( إذا استثنينا ريف ادلب الغربي ذي الملكيات الصغيرة)، كما رأينا ، ضد تحرك الإخوان . لماذا ؟ ..  لقد استفاد الفلاحون من الإصلاح الزراعي وحصلوا على الأرض المستولى عليها من كبار الملاك . وبما ان تحرك الإخوان ضد النظام لاقى تأييد أولاد كبار الملاك من الإقطاعيين السابقين ، فإن هؤلاء الفلاحين المعروفين باسم فلاحي الإنتفاع من الإصلاح الزراعي خافوا أن تُسترجع الأرض التي حصلوا عليها وتعود إلى الإقطاعيين ،  ولهذاوقفوا موقفا مناهضا للتحرك الإخواني عام 1982 . أما في ربيع 2011 وبعد مرور أكثر من اربعة عقود على توزيع الأرض على الفلاحين توفي هؤلاء وورثهم أبناؤهم الذين لم يذوقوا مرارة الإضطهاد الإقطاعي ولم يعد ثمة خطر في عودة الأرض إلى أبناء الإقطاعيين . وقد أصبح لهؤلاء هموم أخرى ومن بينها تغيّر طبيعة النظام وتحوّل المسؤولين ( قادة النظام ) وأبنائهم إلى ” إقطاعيين ” جدد . ولهذا علينا أن نأخذ بعين الاعتبار ما جرى من تغيرات في المواقف الطبقية داخل المجتمع في النصف الثاني من القرن العشرين لفهم وقوف أكثرية الفلاحين السنة إلى جانب التحركات الشعبية ، وبالتالي حملهم للسلاح .

ثانيا التغيرات الجارية داخل شرائح البورجوازية الصغيرة .. كانت هذه الفئات الوسيطة في منتصف القرن العشرين تعجّ بالمشاعر الوطنية والقومية العربية وتتطلع إلى النهوض بالعرب واللحاق بركب الحضارة العالمية . هذا الصعود بدأ في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين وبلغ أوجه في خمسينيات وبداية ستينيات ذلك القرن . وفي هذه الفترة برز البعث حزبا ثوريا طامحا إلى الإنتقال بالأمة العربية على دروب الحضارة الحديثة ، مؤيدا من العديد من شرائح البورجوازية الصغيرة وبخاصة جناحها الريفي .

هذه البورجوازية الصغيرة بجناحيها المديني والريف تحوّلت بفضل تربُعِها على كراسي الحكم ونهب ما تستطيع إلى برجوازية بيروقراطية وطفيلية تأكل الأخضر واليابس ، وفقدت ثوريتها السابقة . وكانت سهام التحركات الشعبية موجهة  بغضب إلى هذه البورجوازية الصغيرة المتحولة إلى بورجوازية ( كبيرة ) بيروقراطية وطفيلية . ولكن دخول العامل المذهبي ( لأسباب كثيرة )على خط التحركات الشعبية حوّلها إلى تحركات ذات صبغة مذهبية .

وهنا نلاحظ تداخل العامل الديني ( المذهبي ) مع العامل الطبقي ( الإقتصادي – الإجتماعي ) . فالتحرك الشعبي , الممتد في المناطق الفقيرة أو غير المستفيدة من ” نِعَم النظام ” سار بإيقاعات متنوعة متحدياً النظام , تُحَرِكه المشاعر السنية المختلفة الإتجاهات والدوافع . ودخل على خط التحرك نشاط من يسمون ” دعاة اسلاميين ” ( مستفيدين من الفضائيات ) قاموا بشحن المشاعر السنية بكره الآخر والتحريض عليه وتحويل التحرك ذي الطبيعة السياسية إلى تحرك طائفي باتجاه العداء المذهبي للعلويين , الذين يهيمن من اغتنى منهم على مفاصل النظام القائم .

لم يخدم هذا التيار السني المتطرف التحرك الشعبي السلمي ، الذي سعى اليسار والقوى السنية الليبرالية والمعتدلة إلى جعله تحركا وطنيا يشمل سائر أبناء المذاهب والطوائف المكتوية بممارسات بعض أطراف النظام وعنجهيات كثير من قواه الأمنية وغيرها . وقد نجحت هذه  القوى الأصولية الظلامية إلى حرف التحرك عن مساره الوطني والطبقي وتوجيهه  للعداء لمذهب معين والكره لطائفة بكاملها . هذا الفكر الظلامي طمس الدوافع الإقتصادية الإجتماعية للتحرك ، وأغمض العين عن الاستبداد ولم  ينظر إلى الأمور إلا من زاوية دين ضد دين أو مذهب مخالف لمذهب . وهو يعتبر نفسه ” الفرقة الناجية ” وما سواه فهو ضلال وجاهلية . أجهض هذا التيار المتزمت والمتحجر ، والمستند إلى الجوانب المظلمة من تاريخنا ، التحركات الشعبية السلمية ومنطلقاتها الوطنية . كما خدم النظام بسلوكه وشعاراته مخيفا الطوائف الإخرى وجعلها تقف حذرة خائفة ، وكثير من جمهورها رأى في النظام طوق النجاة .

  مقابل هذا التيار المتزمت ( والظلامي في كثير من جوانبه ) كان ثمّة تيار اسلامي سياسي معتدل له في سورية جذور عميقة ممتدة في أعماق المجتمع السوري المتداخلة في ثناياه العروبة والإسلام ووحدة وطنية سارت تحت لواء ” الدين لله والوطن للجميع ” .

  نتوقف هنا عند مواقف الإخوان المسلمين وبيانهم المشهور الصادر في لندن والداعي إلى الحوار والوحدة الوطنية . ونشير إلى تصريحات المراقب العام الأسبق للإخوان المسلمين عصام العطار ذات النكهة الليبرالية الواضحة المعالم . وهذه التصريحات هي في كثير من النواحي استمرار لخط الدكتور مصطفى السباعي والشيخ اليعربي المتنور محمد مبارك . وننقل هنا بعضاً من مواقف وتصريحات العطار :

– ” أنا طول عمري ضد العنف سواء كان عنف أفراد أم عنف دولة ” .

– ومن أقواله عام 1977 شعرا : سيان عندي إن أثنوا وإن كفروا      الله قصدي لا الدنيا ولا البشر

– وأثناء التحرك الشعبي وجه العطار من مكان إقامته في ألمانيا رسالة في 22 – 3 – 2011  بدأها بالعبارة التالية : ” إلى الشعب السوري الثائر من أجل حريته ومن أجل كرامته , وإلى كل أحرار العالم ” … تطرق فيها إلى الهوية والمواطنة والإصلاح ووسائل التغيير .

– وفي رسالة تالية يستشهد بشعر ” الشاعر السوري القومي العربي بدوي الجبل ” . والمعروف أن بدوي الجبل علوي المولد ، ورغم ذلك فإن علوية بدوي الجبل لم تنزل من قيمته في نظر العطار ، بعكس ما يقوم به هذه الأيام بعض الدعاة السلفيين وغيرهم من دعاة التيارات المتطرفة في نظرتهم الدونية والعدائية للعلويين ولغيرهم .

– ويسترعي الانتباه ان العطار لا يتهم  , كغيره في بيانه الصادر في آذار 2011 , الحكم في سورية بالكفر والإلحاد . وهو يدعو في بيانه إلى ” ثورة لرفع الظلم والطغيان عن الجميع , وتحقيق العدل والمساواة والحرية للجميع ” . كما يدعو إلى ” لمّ شتات البلاد كلها , بمختلف أديانها وأعراقها وأطيافها على أساس جديد من المواطنة والمساواة والعدل والإحسان ” .

   ولكن تصريحات العطار وغيره من الإسلاميين المعتدلين ذوي النكهة الليبرالية والديموقراطية لم تكلل بالنجاح وحجبتها رياح دعاة الإسلام السياسي المتزمت والمتحجر والرافض للآخر رفضا يحمل في طياته الدعوة إلى تصفيته ؟ .. وكان لفتاوى عدنان العرعور وغيره وخطبهم ودروسهم في الفضائيات الدينية دور كبير في المنتفضين ودفعهم باتجاه التعصب والعنف …

      وهكذا انحرفت التحركات الشعبية في سوريةعن مسارها السياسي المناهض للاستبداد أولا وعن حقدها الدفين على ” الحرامية ” من بورجوزيات بيروقراطية وطفيلية ثانيا . وعاش المجتمع السوري  في مهبّ عاصفتين صحراويتين :

– عاصفة المتزمتين الإسلاميين التي تنهل من التراث المملوكي العثماني وتكفيريات ابن تيمية ضاربة عرض الحائط بالتراث العربي الإسلامي المجيد في أيام عزه , والذي ضمّ بين جناحيه سائر مكونات المجتمعات العربية الإسلامية وأنتج حضارة إسلامية مزدهرة بين القرنين الثامن والثالث عشر الميلاديين . وهذه العاصفة حملت عواصف عديدة أيقظت كل ما اختزنه التاريخ من أعمال دموية همجية .

– عاصفة الحشد الطائفي ( العلوي ) الذي تسّعره بعض قوى السلطة لحماية نفسها وثرواتها . وهذه القوى الرأسمالية البيروقراطية والطفيلية تخيف الطائفة العلوية زاعمة أن ” وجودها ” مهدد بالخطر إذا لم تمتشق السلاح وتسير وراء الحكام . كما تعزف قوى الحكم على أوتار إخافة الأقليات الدينية والمذهبية ( مسيحيون ودروز واسماعيليون ) ودفعها  لمساندة النظام خوفا من قدوم ” عثمانية ” جديدة تعيدها إلى عهد السلطان المستبد عبد الحميد . وطبول ” العثمانية الجديدة ” تقرع ابواب الحدود الشمالية لسورية منذرة بغزوات مغولية ترفع راياتها داعش وأخواتها

    كان من أخطاء بعض” قيادات ” التحركات الشعبية وضع العلويين جميعا في قفص الاتهام . وتناسى هؤلاء عن عمد أن العلويين لم يكونوا جميعا مستفيدين من ” نِعَم ” النظام . فلماذا تزر وازرة وزر أخرى ؟ .. ولماذا الهجوم على العلويين وتسميتهم بالنصيرية والدعوة للعداء لهم كطائفة مارقة ؟ .. ولماذا تقوم قوى ظلامية لها أرضية في بعض الأوساط  المتدينة وتشن مستعينة بالفضائيات الدينية حربا على الطائفة ككل ؟..

  ومعروف أن أبناء الطائفة العلوية , الذين لم يغتنوا أو لم يستفيدوا من فتات الحكم ، هم في أعماقهم غير راضين عن ابناء طائفتهم ممن ارتشى وسرق واغتنى بوسائل غير شرعية وتاجر وتحكّم في البلاد والعباد . وعدد المناهضين للحكم وعدد من دخل من احرار العلويين السجون ( في عهد من يسميهم دعاة الإسلام السياسي المتزمت باسم الحكم النصيري ) معروف بكثرته لدى متتبعي الأحداث . وهؤلاء قاسوا الأمرين من اضطهاد النظام وسجونه . إضافة إلى ذلك يزخر التاريخ السوري بالعشرات من العلويين المبدعين في مختلف الميادين ، الذين رفعوا راية الوطن السوري عاليا ، وكانوا في طليعة المنادين بالعروبة ومجد الحضارة العربية الإسلامية أيام ازدهارها .

  وهكذا فالتحرك الشعبي الموجه في العمق ضد الرأسماليات الطفيلية وصلفها تشابكت فيه الدوافع الطبقية والطائفية وتداخلت ، إلى أن طغى الدافع الديني المذهبي ( الممول  بالأخضر الفلتان   وريث الأصفر الرنان ) على الدافع الطبقي ومن ضمنه الحياة المعيشية للمواطن الفقير والمقهور . ونتيجة لسيطرة من يسمون ” الدعاة الإسلاميين”ودعوتهم المتزمتة المنغلقة والمتحجرة والبعيدة عن التاريخ الثوري المجيد للحضارة العربية الإسلامية ، غُيّبت  الممارسات الاستغلالية والاستثمارية للفئات الحاكمة ، واقتصر ويقتصر حديث الدعاة على تسعير المشاعر الطائفية والمذهبية وكره الآخر وتكفيره والاستعلاء عليه .

   في بداية التحركات استلم الشباب زمام المبادرة مع تحريض محدود من الشخصيات والأحزاب المعارضة الضعيفة اصلا والمقموعة وقد بلغت سن الشيخوخة بسبب تجفيف النظام لينابيع رفدها بالشباب .  وبعد أن كُسِرَت عصا الخوف من المباحث السلطانية تصاعدت شجاعة الجموع  الشبابية النازلة إلى الشارع متحدية رصاص الأمن . وتدريجيا أخذت تظهرصيغة جديدة لتنظيم الشباب متلائمة مع ظروف القمع هي : التنسيقيات في كل بلدة أو حي أو جزء منه . وسرعان ما توحدت هذه التنسيقيات في ” اتحاد تنسيقيات الثورة السورية ” . وأخذت هذه التنسيقيات تصدر البيانات وتتواصل مع بعضها عن طريق الفايسبوك على شبكة الانترنيت أو بالهواتف الجوالة . ولم تعد ” عيون ” النظام تتمكن من رصد كل حركة مع استخدام الشباب لوسائل الاتصال المتطورة .

   ومع الزمن ازدادت وتيرة حمل  السلاح  واستخدامه من جانب بعض المنتفضين ، مع العلم أن  الطابع السلمي للمظاهرات كان واضحا للعيان في بداية التحركات . ويرى كثيرون ان ظهور السلاح في أوساط المنتفضين واستخدامه أضرّ بالتحرك الشعبي وأضعفه وقدّم حجة للنظام لرفع درجة قمعه للمتظاهرين . كما جرى تبرير انتقال بعض اجنحة التحرك الشعبي إلى العمل العسكري واستخدام السلاح بعدم جدوى التظاهر السلمي بعد ان أصرّ النظام على الحل العسكري وانزل دباباته إلى الشوارع لقمع المتظاهرين .

   وليس بين ايدينا معطيات تبيّن ماهي الجهات التي دفعت إلى استخدام السلاح .ولكن أصابع الإتهام تشير إلى جنوح بعض اجنحة الإسلام السياسي نحو العسكرة . كما أن الكثيرين يتهمون النظام بأنه هو البادئ بالعنف المسلح .

ونتساءل هل كانت عسكرة التحرك طريقا للخلاص ؟ .. وهل هذه هي الثورة ، التي اشعل فتيلها قوى يسارية وليبرالية يغلب عليها الطابع الثقافي ؟ .. وكثير من التنسيقيات خشيت من مغبّة حمل السلاح ودعت  للحفاظ على سلمية الثورة ” جاء في نداء إحداها : ” يا أهلنا .. ويا شبابنا .. الانظمة الطاغية لا تعرف ان تتعامل إلا لغة الترهيب والسلاح .. فإذا سحبنا منها هذا العنصر في المعادلة فإنها تفقد توازنها … ” .

  • Social Links:

Leave a Reply