صديقي بيكاسو … ” نزهة الموت الأخيرة ” اسامة دويعر

صديقي بيكاسو … ” نزهة الموت الأخيرة ” اسامة دويعر

صديقي بيكاسو … ” نزهة الموت الأخير 

اسامه دويعر

حين قامت الطائرات الحربية الألمانية التابعة لسلاح الجو ( لواء الكوندور ) النازي ، في مساندة لقوات القوميين الإسبان بزعامة فرانكو، ووحدة أفيانزيوني ليغوناريا التابعة لإيطاليا الفاشية، بقصف مدينة ” غورنييكا ” مسقط رأس بيكاسو في 26 / April /1937 في أقليم الباسك ، بهدف الترويع والقتل خلال الحرب الأهلية الأسبانية . أتصفت رؤية بيكاسوالفنية بحجم أسبانيا كلها ، إذا لم تكن بحجم العالم ، في صورة أختزلها في الموقف الفني تجاه القضايا السياسية الكبرى ، وقد كان متعاطفا” مع الأشتراكيين في ذلك الوقت ومؤيدا” للجمهوريين . وشكلت غورنييكا / بيكاسو 7.80 X 3.50 رمزا”من رموز الفن في العصر الحديث ، بدلالات تعبيرية لكسر قوانين الطبيعة ،وخلق رؤية فنية ذات بعد إنساني يماثل البعد الجمالي، وطرح واقعا” مضادا” للحرب وتجسيدا” مبتكرا” للسلام . وبما يتعلق بموقفه من مفهوم الحرب والقتل في هذا العالم . واللوحة حاليا” معروضة في متحف مركز الملكة صوفيا الوطني للفنون في مدريد . Museum Nacional Center Art Reina Sofia أتسمت بالأزرق الداكن / الأسود والأبيض / الرمادي … لسنا هنا في صدد تحليل ودراسة اللوحة من الناحية الفنية – هذا بحث آخر- لكن في العام أثبت بيكاسو ، أن الفن ضرورة من ضرورات الحياة ، وأن الفن فلسفة واقعية عميقة وإنسانية بالمقام الأول ، والفنان أبن الحياة بظروفها الأجتماعية والسياسية ، والحياة مصدر لفنه وإبداعه . وهكذا ، بهذا المعنى تكون مأساة الحرب لدى بيكاسو ” ذاكرة ضوئية للزمن والتاريخ “عبر 27.30M2 ولا ندري إلى أي درجة تصح المقاربة بين غورنييكا / بيكاسو وغورنييكا / سوريو “سورية ” على إحداثيات جغرافية / إنسانية / فنية . شمالا” 35ْ وشرقا” 38ْ 3500N 3800E وقد شكلت بالأحمر الناري الداكن / الأسود المتوحش البربري / الأبيض الهادئ المرعب/ والرمادي الساكن المتحجر/ وبكل ألوان الأرض والسماء ، وعناق الشجر والحجر والبشر . معروضة حاليا” في متحف – مركز الهواء الطلق الطبيعي للفنون في مركز الشرق الأوسط . وعكست ما يتعلق بفساد نظام سياسي شمولي ، كمتحف دامغ لوحشية طبقته السياسية وكمفهوم إبداعي في القتل . وكأنها من خارج الزمن ، من خارج الذاكرة بصورتها السوريالية الواقعية / الخيالية المفعمة برائحة النار والبارود ، إذا صح التعبير . عندما تذهب لمشاهدة لوحة ضخمة معلقة على جدار الزمن ، وتقف أمامها مدهوشا”، وأسئلة الوجع والألم ، في ثنايا الروح ، وما يناسبها من إضاءة، ومؤثرات بصرية فنية ، لتشع وتتألق بقاماتها العالية . لن تتفاجئ في غورنييكا / سوريو في متحف الهواء الطلق ، وهي معلقة على جغرافيا الزمن / الأرض ، مع ما يناسبها من إضاءة سماوية ،ومؤثرات بصرية فانتازية ، وهي تشع خرابا” وقتلا” وموتا” وتهجيرا” وجوعا” بقاماتها المأساوية . غورنييكا / سوريو، بالفعل أثبتت بأن العبث واللامعقول أيضا”، فلسفة واقعية عميقة ، مغرقة بالإنسانية المتوحشة ، وجزءا” لا يتجزأ من ” لوحة الطبيعة الجغرافية / الخرافية” المختزلة والمكثفة بمصالح فئوية ضيقة ، والتطاحن الإيديولوجي ، في متاهات الصراعات المسلحة المدمرة للشعوب ، وصفاقة الأنظمة وفي تلاعب القوى العظمى . التاريخ لا يكرر نفسه إلا على شكل مهزلة ” كارل ماركس ” كأن أجراس الجحيم لا توقظ التاريخ من سباته ، ولا يمكن أن تنجب فنا” ولا إبداعا” ، يرسم للتاريخ وللإنسان ، بإستثناء فنا” في القتل وإبداعا” في التوحش . هل يمكن حقا” للفنان أن يتفوق على الطبيعة ، وبأي طريقة ، عبثا” مجرد التفكير بهذه المعادلة ، عبر تلك السنوات التي شكلت منعطفا” مفصليا” تاريخيا” لتحولات عميقة في المجتمع السوري . كيف يحدث أن يكون الفنان متخلفا” ؟ . وهو الذي يرتقي بالفن … روحا”وصهيلا” … وشغفا” …وحلما”… وجنونا” … وشكلا” وأيقاعا” كونيا”. أجراس الجحيم مشحونة بالديناميت السياسي ، بظهور القوى المتأصلة ذات العقلية القبلية ،وبوجود القوى الأمنية الفاشية ، التي أفرغت الأزمة من بعدها الشعبي، وأستخدمت الطائفية كأداة تفتيت وتمزيق ، في مجتمع يعيش في حالة استعصاء مرعبة فكريا” وسياسيا”، وأنهيارا” أقتصاديا”، وتمزقا” أجتماعيا” كارثيا”، وغيابا” تاما” لوعي سياسي وحراكا” فاعلا” على مدار نصف قرن تقريبا” . وهكذا ، بهذا المعنى تكون مأساة الحرب لدى السوريين ” ذاكرة غير قابلة للنسيان “عبر 185.180KM2 مساحة اللوحة الكلية . لأنها لوحة واقعية بإمتياز ، أكتملت عناصرها الفنية ، وزخرفتها اللونية ، وتقنيتها المذهلة بنسيجها المتشظي ، وطمست تعقيدات الصراع خطوطها الفاصلة ، وأجهضت متعتها البصرية ، ودفنت دهشة مشروعها الوطني ، ودقت مسمارها الأخير- كأنفجارها الأجتماعي – في جدار الزمن / التاريخ . فضاء من حدود الدم … خطوط الدم …مجتمع تحت الرماد … تصدع في الوجدان والهوية والفوضى على خشبة مسرح العبث / الحياة . لوحة بقتاماتها وبشاعتها أشبه بجحيم دانتي . حصان / بيكاسو أعلن صرخته المفزعة الحزينة ، بلونه الرمادي ، ونظرته إلى قنديل الحرية. حصان / سوريو كذلك أعلن صرخته السماوية المتوحشة ، بلونه الأحمر البركاني ، ونظرته إلى شمس الحرية. ولم يسمع أحد ، ولم يرى أحد ، ولم يزره احد ، في متحف الهواء الطلق في مركز الشرق الأوسط . والمقصود متحفا” مهجورا” من كل القيم الروحية والأخلاقية والمبادئ الإنسانية ، متحفا” دامغا” للديكتاتوريات القاحلة من ثوب الجمال . أن ديناميكية الصراع ، التي رسمت المشهد السوري ، مازالت مفتوحة بكل أشرعتها على مملكة الحلم . أطفال / بيكاسو … ضحايا الحرب بالأزرق . أطفال / سوريو … ضحايا الحرب بالأحمر . وأسوأ ما في لوحة غورنييكا / سوريو ، وهي لا تليق بالمواثيق الدولية ، ولا بحقوق الإنسان ، أنها قتلت الأطفال ورسمتهم بطريقة وحشية أكثر وأكبر وأعمق من تعبيرية بيكاسو . كيف يمكن العودة الى الوعي في – مسرح العبث هذا – بحيث تفارق الغرابة وتتلاشى الدهشة ، ويتجسد الأوغاد واللصوص والكاذبون والأنتهازيون والمجرمون ، وكأنهم أسياد اللحظة . الفن … القوة الدافعة ، الحضارية ، أيقونة الحب ، أيقونة الجمال . العنف في الفن … هل يجب مشاهدته أم لا ؟ . هل يقف كحارس مرئي خلف اللوحة ؟ . هل يتعلق بالجانب الأخلاقي والروحي للموت ؟ . غورنييكا / بيكاسو … فتحت دائرة الحياة ، بنهاية بيكاسو . غورنييكا / سوريو … أغلقت دائرة الحياة ، ولن تنفتح إلا بنهاية فساد طبقتها السياسية . وهاهي اليوم تدعوكم لزيارة معرضها ، في متحف الهواء الطلق في مركز الشرق الأوسط للجنون . ويستمر لغاية يوم العبث / الحاضر المستمر لا ينتهي أبدا” . أسامة دويعر فنان تشكيلي

  • Social Links:

Leave a Reply