في بيان انشقاقه عن “الجيش العربي السوري”، بتاريخ 9/ 6/ 2011، قال المقدم حسين هرموش، في تبريره لقراره بالانشقاق: “لقد أقسمنا في القوات المسلحة اليمين على توجيه السلاح في وجه العدو، وليس في وجه شعبنا الأعزل. مهمتنا هي حماية المواطنين وليس قتلهم”.
طبعًا، توالت بعد ذلك بيانات الانشقاق، من مختلف الرتب العسكرية، وفي مختلف القطاعات، وكانت هذه الجملة الرابط بين جميع تلك البيانات تقريبًا، إذ على ما يبدو أن مهمة الجيش الحقيقية، وفق ما يفترض فيه عمله، أن يقوم بحماية المدنيين، وليس أنظمة الحكم، وهي حقيقة اكتشفها السوريون متأخرًا بعد مرور أسابيع على الثورة، وربما كان جيل سوري قد أدركها في وقت سابق، وهو يرى بأم عينه، كيف انقضت قوات الجيش العربي السوري على مدينة حماة، في ثمانينيات القرن الماضي، لتحولها إلى أثر بعد عين. في ذلك الوقت لم نسمع عن بيانات انشقاق، لكن من المؤكد أن ثمة ضباطًا رفضوا تنفيذ الأوامر وتمردوا عليها، وكان مصيرهم إما الإعدام ميدانيًا، وإما الإعدام البطيء في المعتقلات، ومن كان حسن الحظ ربما فرّ خارج سورية، ومات منفيًا.
والحقيقة أن “الجيش العربي السوري” لم يكن بحاجة إلى الثورة كي تنكشف عورته بالنسبة إلى السوريين، فقد كان جيشًا نخره الفساد، ويستطيع أي سوري أن يروي سرديات عن ضباطه الكبار الذين كانوا يتلقون الرشاوى جهارًا من دون أي حساب أو عقاب. كما شكل ذلك الجيش على مدى ربع قرن قوة احتلال في لبنان، وساهمت تلك السنوات في زيادة إفساده ووحشيته، وجعله يبتعد أكثر عن معنى أن يكون جيشًا وطنيًا، وتبدو هذه الحقائق مفهومة لدى السوريين، أقله أولئك الذين كانوا يدركون زيف الشعارات التي كانت السلطة تتاجر بها، وهم كثر بالمناسبة، فيما بعد ستظهر محاكمات جادة، وإن كانت خجولة في بعض الأحيان، عن معنى الانتصار “المزعوم” الذي يقول النظام إنه حققه في حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973.
هذه المعطيات آنفة الذكر وتفاصيل إضافية أخرى، جعلت موضوع الانشقاق عن الجيش لا يندرج تحت مفهوم الخيانة، كما هو متعارف، بل أسند إليه مفهوم الوطنية، وبمقدار ما تبدو تلك مفارقة عجيبة، بمقدار ما تبدو واقعية جدًا، فالوطنية تعني الدفاع عن الوطن ومواطنيه، وهذا ما أعلن عنه المنشقون في بياناتهم، فيما استبدلت قوات النظام ذلك المفهوم بشعار مثير للاشمئزاز حقًا: “الأسد أو نحرق البلد”، وهم بطبيعة الحال يطلقون تسمية سورية الأسد على سورياهم التي يخدمونها، لذلك فلن يكون مستغربًا أيضًا أن تستخدم على نطاق واسع تسمية مثل “جيش الأسد”.
الآن، ما الجديد الذي قد يقدمه ذلك الطرح المعروف سلفًا؟ الحقيقة لا جديد، إلا أن توالي الضربات الجوية والصاروخية الإسرائيلية، وخضوع أجزاء واسعة من سورية لاحتلالات مختلفة، ميلشياوية وسواها، كل هذا يضع ذلك الجيش أمام مأزق التسمية “حماة الديار”، الأمر يبدو وكأنه سخرية واضحة لا مواربة فيها، فأي ديار تلك التي يحميها أولئك الحماة المزعومون؟ إذا كان عرين الأسد نفسه في مرمى سهل للطائرات الحربية الإسرائيلية، وسوف تقودنا متابعة تداعيات القصف الإسرائيلي الأخير على مدينة اللاذقية، وإسقاط الطائرة الروسية خطأ، إلى حقائق مخزية فعلًا، تجعل أصغر جندي يستحي من النظر إلى وجهه في المرآة، فالقصف متفق عليه بين قوات الاحتلال الروسي والقيادة الإسرائيلية، هناك تنسيق وتفاهم على خطوات الضربة الجوية وأهدافها، وقد أخبرت موسكو كذلك بكافة الضربات التي تعرضت لها الأراضي السورية طيلة السنوات الفائتة، وليس مستبعدًا -والحال هذه- أن تكون القيادة العامة لقوات النظام على اطلاع كذلك بتلك الضربات الجوية، وهي إنما أعملت دفاعاتها الجوية الصدئة، من باب اكتمال المشهد لا أكثر ولا أقل، وكان متفقًا ألا تتعرض طائرة إسرائيلية واحدة للأذى، وهذا ما حدث، فالطائرات الإسرائيلية جاءت وضربت وعادت إلى قواعدها سالمة معافاة، فيما تصاعدت حمى التفاخر بالتصدي للعدوان “الغاشم” في وسائل إعلام النظام وحلفائه، وهو انتصار لن يكون مختلفًا عن انتصار حرب تشرين، انتصار كلامي ليس له أي مستند على أرض الواقع، بل سيزداد التغني بـ “حماة الديار” أكثر فأكثر، وهم أنفسهم لا يصدقون ما يقال عنهم طبعًا، فالأمر برمته لا يعدو أن يكون لعبة إعلامية متقنة قائمة على الكذب، بل على الإفراط به، فلا أحد يحاسب، بل إن هذا الاحتمال غير وارد على الإطلاق.
منذ سنوات ثلاث، ارتفعت أصوات بعض المعارضين بضرورة المحافظة على مؤسسات الدولة، حال سقوط النظام، ومن بين تلك المؤسسات طبعًا المؤسسة العسكرية، كي لا يتكرر ما حدث في العراق إبان احتلاله من قبل القوات الأميركية، التي كان أول قرار لها حلّ الجيش العراقي. وكم كان هذا الكلام سيبدو واقعيًا، لو أن الجيش السوري كان فعلًا جيشًا سوريًا، ولم يكن أصلًا واحدًا من أسباب استمرار المقتلة السورية، بل إن ذلك الجيش كان أول من أطلق رصاصة على صدور السوريين العزل، وكان بعضهم يحمل الورود والماء لجنوده، في محاكاة لما فعله المصريون إبان ثورتهم، قبل أن يتورط الجيش المصري لاحقًا بالمقتلة المصرية ويصير جيش نظام حكم وليس جيش شعب.
على هامش الاتفاق الروسي التركي الذي جنّب محافظة إدلب نارَ جحيم كانت ستفتح عليها، ألا يمكننا أن نتساءل: ماذا لو أن رأس نظام دمشق، ومعه الميليشيات الطائفية، قرر أن يتقدم باتجاه إدلب، كما كان يهدد ويتوعد، وماذا لو أن روسيا قررت ألا تقف معه؟ ما الذي سوف يحدث حينئذ؟ من المؤكد أن حماة دياره سيهرولون راكضين هاربين، كما هربوا قبل سنتين، ومن المؤكد أن الأغاني كلها والكذب الإعلامي كله لن تكون قادرة على إنقاذ نظام دمشق، من أن يكون مصيره كما سابقه القذافي، فكتائب الأسد لا تختلف كثيرًا عن كتائب القذافي، فهذا جيش الوثن وليس جيش الوطن.

Social Links: