بقلم بادية الأتاسي
من كتاب : انطباعات .. من الاستقلال إلى الثورة
…………………………………………..
اعتمد عبد الناصر في حكم سورية على ضابط أمن متدرب العقيد عبد الحمدي السراج وجعله وزيراً للداخلية في الإقليم السوري ولم تعد دمشق العاصمة السورية أكثر من محافظة في الإقليم الشمالي، فأغلقت السفارات الأجنبية فيها وكانت شؤون الوحدة بيد وزارة مركزية كان فيها في بداية الوحدة سوريان بعثيان هما الحوراني والبيطار ووجد مجلس أمة واحد مؤلف من أربعمئة عضو مصري ومئتين عضو سوري يتم تعيينهم من قبل عبد الناصر شحصياً ، كما نقلت كلية الطيران السورية إلى مصر مع قسم من الكلية العسكرية في حمص.
وفي تشرين الأول من عام 1959م عين المشير عبد الحكيم عامر حاكماً في دمشق بصلاحيات كاملة وفي نهاية 1959م استقال البعثيون من مناصبهم الصورية وغادروا القاهرة وسط خيبة أمل كبيرة.
استمرت خيبة أمل البعثيين الضباط الذيم اعتادوا العمل الياسي والدخول في قلب الصراعات الحزبية والعمل للوصول إلى السلطة وانتاب بعضهم الشعور بالمرارة لاضطرار حزبهم بالرضوخ لإرادة عبد الناصر بحل الحزب، فنقموا على زعيم البعث ميشيل عفلق لأنه ترك الحزب دون قيادة ولا دفاع واتهموه بأنه عمد مع صلاح الدين البيطار إلى حل الحزب لإخماد الصراع الداخلي في الحزب الذي كان يدور بين القوى الأكثر راديكالية في قواعد الحزب وبين القيادة, فسخطوا واشتدت كراهيتهم ضد عفلق والبيطار واعتبروا حل الحزب جريمة كبرى. ومن هنا نبتت بذور الشقاق البعثي الذي أدى فيما بعد عام 1966 إلى الإطاحة بعفلق وأصدقائه.
ومن الأسباب الرئيسية التي فجرت الغضب والكره لدى هؤلاء الضباط الشباب لقيادتهم أنهم فوجئوا بأن أعداءهم من سكان المدن من التجار والملاك والوجهاء الذين ظنوا أنهم أودعوهم خزائن التاريخ قبل سنوات قليلة ما لبثوا أن تسلقوا السلطة الأمر الذي يعرض صعودهم السياسي والاجتماعي كأبناء الريف ومن الأقلية المذهبية للخطر والتهديد .
لقد كانوا بمجموعهم ينتمون للريف وينتسبون لمذاهب الأقلية العلوية والأسماعيلية التي تشكل المجتمعات المذهبية القاطنة في الجبال الساحلية والسهل الممتد تحتها.
وفي عام 1960م تشكل في القاهرة أول تنظيم عسكري سري في داخل حزب البعث مكوناً من خمسة ضباط كان ثلاثة منهم علويين هم محمد عمران وصلاح جديد وحافظ أسد وإثنان اسماعيليين هما عبد الكريم الجندي وأحمد المير. كان هدفهم الأول إسقاط النظام القديم في سورية الذي يمثل طبقة النخبة المتعلمة من الطبقة البرجوازية في المدن ليكفلوا استمرار صعودهم العسكري والسياسي والاجتماعي مع طوائفهم. ففي نظرهم أن أبناء الطوائف الريفيين هم أول الخاسرين فيما لو عادت الحياة السياسية إلى الوراء في سوريا واسترجعت النخبة في المدينة نفوذها.
كانت خليتهم السرية أبه ما تكون بالمحفل الماسوني وقد دمروا بعضهم البعض فيما بعد خلال تسلقهم القمة ولم يبق منهم سوى واحد هو حافظ الأسد.
في الواقع كانت جموع الأعضاء في حزب البعث غير مترابطين بشكل جيد ففي المؤتمر التأسيسي للحزب عام 1947م ارتبط تياران قوميان معاً في حزب واحد هما التيار العفلقي والتيار الأرسوزي، وفي المؤتمر الثاني للحزب في حزيران يونيو عام 1954م اندمج حزب البعث العربي مع تيار الحوراني العربي الاشتراكي في حزب واحد حزب البعث العربي الاشتراكي، وشكلت تلك التركيبة إئتلافاً غير مترابط أدى إلى تبادل الكره والنزاع بين الأعضاء داخل الحزب الواحد بسبب اختلاف المنبت المدني عن الريفي والاختلاف المذهبي. كان الشباب الوافدين إلى الحزب من الريف وخصوصاً من منطقة الجبال الساحلية وأغلبهم ضباط ومجندون في الجيش جميعهم من أتباع وانصار الأرسوزي الذي أتى من لواء اسكندرونة إلى سورية بعد ضم اللواء إلى تركيا والذي يماثلهم مذهبياً. ولكونهم أيضاً تلاميذ الدكتور وهيب الغانم الذي كان يدعو إلى نشر أفكار الأرسوزي في القومية العربية في مقر عيادته في اللاذقية. ويجمع الشباب في تكتل قومي عرب وكانوا جميعهم يعتبرون الأرسوزي مؤسس البعث القومي العربي وينفرون من ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار اللذان ينتميان إلى الطبقة الوسطى المتواضعة في العاصمة دمشق ويعملان مدرسين في المدرسة الثانوية .
كان عفلق مدرساُ لمادة التاريخ والبيطار مدرساً لمادة الرياضيات وكلاهما يختلفان بأصولهما المدنية ونظرتها المعتدلة عن الريفيين المحرومين من كل شيء والناقمين على الأوضاع السياسية والاجتماعية التي سادت المجتمع طيلة عصور. وظل هذا الشعور قائماً لديهم وسيطر على نشاطهم الحزبي طوال فترة صعود الحزب إلى قمة السلطة ونجاحهم بإسقاط عفلق والبيطار من قيادة الحزب مع العناصر ذات الأصول المدنية.
كان الهدف من وراء الاندماج الحزبي بين هذه التيارات القومية هو بناء أول حركة جماهيرية في الوطن العربي تتجاوز الحدود تإقليمية إلى المجال القومي عن طريق توسع حزب البعث في الأقطار العربية. كانالحزب يأمل بأن يحقق حلمه بالوحدة العربية تدريجياً لكن ظهور عبد الناصر وتوجهه القومي العربي أوهم القادة البعثيين بأن حلمهم المنشود سيتحقق سريعاً بجهود عبد الناصر وربما بين عشية وضحاها. إلا أنّ عبد الناصر أجبر الحزب على حلّ نفسه وعمل على قطع أوصاله في المنطقة العربية بأسرها.
عندما قرر عفلق حلّ الحزب، عُقد مؤتمراً في عام 1959م أثناء الوحدة أقرّ به قرار عفلق، ولكن بعد سنة واحدة حينما عقد مؤتمر الحزب عام 1960م حضره صلاح جديد كمندوب سري عن اللجنة العسكرية خالف قرار الحلّ ونجح برفضه. كان هذا أول نصرْ للجنة العسكرية في تمردها على القيادة أثناء قيام الوحدة.
حين تشكلت اللجنة العسكرية عام 1960م من الضباط الخمسة عمران وجديد والأسد والجندي والمير تعاهدوا على انتهاج شلوك الالتزام بالكتمان والسرية حتى باتصالاتهم مع زملائهم الضباط البعثيين لتشجيعهم على التمرد الحزبي ضد قيادة البعث وذلك من جوتن ان يكشفوا عن تنظيمهم السريفقد أقسموا على السرية بوما أنهم الخمسة ينتمون للمذهب الباطني فقد كانوا مشتركين في غريزة الكتمان والتقية التي تتصف بها مجتمعات الأقليات المذهبية الباطنية.
كان الأسد من بينهم ماهراً في انتهاجه السرية التي استعملها كسلاح لكسب الوقت والإمساك بزمام المبادرة وإخفاء ما يتخذه من قرارت. وكانت ترافقه في جميع مراحل حياته صفة الحذر والتخطيط الصبور الذي يسبق تحركاته وقد تعلم من تجاربه أن يتفحص الأرض بعناية قبل أن يبدأ بالتحرك فوقها. لذلك نجحوا بتجنب إثارة ريبة المخابرات المصرية حيث شكلوا تنظيمهم في القاهرة خلال الوحدة.
كان خوفهم الرئيسي هو أن يكتشف قادة حزبهم ما يقومون به من نشاط وكان هدفهم الرئيسي هو إحياء حزب البعث من جديد بعد حلّه لأنه السلم الوحيد الذي يستطيعون تسلقه للوصول إلى قمة السلطة ويضمنوا من خلاله قاعدة جماهيرية تسندهم.
في تلك الظروف الصعبة في آخر مرحلة زمنية للوحدة كان عفلق والبيطار والحوراني في بيروت لبنان هروباً من السلطة في الجمهورية العربية المتحدة. وكان البعثييون مختلفين حول السياسة التي يجب انتهاجها حيال الوحدة وزعيمها عبد الناصر، فرأى البعض مصالحة عبد الناصر بتخفيف حدة النقد له، لكن الحوراني وأنصاره رفضوا ذلك ووجهوا اللوم كله في مساوئ الوحدة لسياسة عبد الناصر وطالبوا بقطع كل العلاقات معه.
في ذلك الحين كان حزب البعث قد تفرّق في أنحاء سورية بلا قيادة أو توجيه ، ووجدت بعض الخلايا المبعثرة هنا وهناك تعمل من أجل الحفاظ على وجودها السري، ومع هذه الخلايا المعزولة حاولت اللجنة العسكرية الاتصال بهم حيث كانت تبحث عن حلفاء لها.
………………………….
يتبع.. نهاية الوحدة وثم إسقاط الحكومة الإنفصالية..

Social Links: