عبد الله هوشة . . الرفيق والإنسان
جورج صبرة
الزمان : ربيع 1985
المكان : مخيم سبينة للاجئين الفلسطينيين والنازحين السوريين .
في غرفة صغيرة ببيت منفرد ومعزول ، يقع في إحدى الضواحي الجنوبية لمدينة دمشق . وفي ظروف غاية في الاستثنائية والصعوبة ، كانت اللقاءات الأولى بيننا ، والتي افتتحت فرصة التعارف والتواصل والعمل المشترك مع عبد الله هوشة كرفيق وإنسان .
ولأنه مخيم ، وبسبب طبيعته الشعبية المفرطة ، كان المكان الأمثل للحياة السياسية السرية ، يوفر البيئة المناسبة لإيواء الملاحقين من أحزاب المعارضة والمتوارين عن أنظار الأجهزة الأمنية . فهو مكان لا ينتمي للسلطة ، ولا تربطه بالدولة ومؤسساتها إلا علاقة واهية . لذلك يمكن للمرء أن يعيش فيه دون اشتباه أو مساءلة ، ولا يحتاج لكبير عناء من أجل أن يخفي هويته الحقيقية ، ويتوارى خلف شخصية أخرى . ولن يكون مضطراً لإبراز الوثائق والأوراق ، وتوقيع عقود الإيجار وتصديقها من الجهات الرسمية في مكان دافىء وحنون على الغرباء . يزخر بالوجوه الجديدة والمتبدلة ، وتزدحم شوارعه بالأطفال ، ويتنادى فيه الناس بعفوية مطلقة “عمي أبو فلان ” و ” خالي أبو فلان ” . يتصايحون ويتشاتمون بوجوه باسمة وأصوات عالية وكلمات محببة لا تغضب سامعها .
كان عام 1979 عاماً مفعماً بالحركة السياسية لأحزاب المعارضة . فقد انتظمت خمسة أحزاب هي ( حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي – الحزب الشيوعي السوري / المكتب السياسي – حزب العمال الثوري – حركة الاشتراكيين العرب – حزب البعث الديمقراطي / حركة 23 شباط ) في إطار تحالف للعمل السياسي المشترك المعارض للنظام ، سمي ” التجمع الوطني الديمقراطي في سورية ” ، أشهر نفسه ببيان معلن في منتصف آذار 1980 . وفي العام نفسه 1979 ، نجح حزبنا ( الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي ) في عقد مؤتمره الخامس ، الذي شكل نقلة نوعية في حياة الحزب ، وطدت نهجه الوطني الديمقراطي وخطه السياسي من أجل ” التغيير الديمقراطي الجذري في حياة البلاد ” . حيث عقد المؤتمر تحت شعار ” الإشتراكيون الحقيقيون هم الذين يناضلون اليوم من أجل الديمقراطية ” ، وعبرت الوثائق التي صدرت عن المؤتمر عن الوجود الراسخ للحزب في حقل المعارضة الديمقراطية الجذرية للنظام . وهو ما استدعى أن يواجه الحزب فترة عصيبة وقاسية ، تعرض فيها لحملات القمع والاعتقال التي قام بها النظام – إلى جانب الأطراف الأخرى من قوى المعارضة – واستمرت لعقدين من الزمن . كان الرفيق عبد الله هوشة أحد فرسان تلك المرحلة العصيبة ، ومن أبرز الذين خاضوا غمارها بنجاح .
ونتيجة الحملة الشعواء التي أعلنها النظام على الحزب بدءاً من منتصف آذار 1980 ، اعتقلت الأجهزة الأمنية جميع أعضاء المكتب السياسي ومعظم أعضاء اللجنة المركزية . ونجا من الاعتقال عدد قليل من أعضائها ، لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة . كان الرفيق أبو يوسف واحداً منهم . وحمل هؤلاء الرفاق أمانة المحافظة على الخط السياسي للحزب ، خط المؤتمر الخامس الذي كان في دائرة الاستهداف ، مع ما تطلبه ذلك من مسؤولية وعناء في توفير اسباب البقاء والاستمرار بمواجهة قرار السلطة وإجراءاتها لإنهاء الحزب . وكان اللجوء لحياة التخفي والتواري عن الأنظار ، واعتماد أساليب العمل السري هو الوسيلة الضرورية والوحيدة المتاحة لتحقيق استمرار العمل .
مع نهاية عام 1980 ، وعلى إثر حملات الاعتقال المتكررة ، بضعة رجال فقط من أعضاء اللجنة المركزية للحزب بقوا خارج القضبان . يعملون من الداخل في ظروف بالغة الصعوبة على لم شمل التنظيم وإعادة ما انقطع بسبب الاعتقالات من صلات حزبية مع الرفاق والمنظمات ، وعلاقات سياسية منظمة ومثمرة مع الحلفاء والأصدقاء . مثلما كانت مهمة إعادة الصلة مع منظمة الخارج للحزب وتنظيمها مهمة صعبة وحساسة ، لكنها ضرورية ومتوجبة ، كي يكون صوت الحزب في الداخل والخارج صوتاً واحداً ومسموعاً بالاستناد إلى وثائق المؤتمر الخامس وخطه السياسي ، الذي كان مستهدفاً . وحمل هؤلاء الرفاق مسؤولية حمايته والحفاظ عليه بعد محاولات النظام العديدة والمتكررة لاختراقه وتشويهه ، وتبديد التنظيم بمساعدة بعض المتبرعين والمتعاونين والمتخاذلين .
كان عبد الله هوشة أحد الرفاق الذين باشروا هذه المهمة الشاقة ضمن إطار ” لجنة المركز ” ، التي واجهتها ثلاث معضلات راهنة بنفس العناء والأهمية وهي :
– حماية الذات من الوقوع بأيدي الأمن والاعتقال .
– متابعة العمل التنظيمي في الإطار الحزبي .
– تلبية متطلبات العمل السياسي في إطار المعارضة ومؤسسات التجمع الوطني الديمقراطي .
وللحقيقة والتاريخ كان الرجل أبرز وجوه الحزب في هذا الميدان ، ولفترة امتدت نحو عقدين من السنين . وكان لرأيه ومواقفه ونشاطه دور كبير في النجاحات التي تمت وأوجه القصور والفشل التي حصلت ، نتيجة للدور المحوري الذي لعبه في تلك المرحلة واستحقاقاتها . دون أن ننسى تلك المهمة الاستثنائية اللازمة ، وهي فتح قنوات تواصل مع الرفاق في السجن من أعضاء اللجنة المركزية والمكتب السياسي من أجل الاستئناس برأيهم ، وتوحيد الرؤية والموقف من القضايا الطارئة في الإطار التنظيمي الداخلي ، وفي الإطار السياسي الوطني العام . في وقت كانت تواجه فيه سورية وشعبها الأهوال من عسف واضطهاد النظام ، وأشكال العنف العاري على أيدي جلاوزته وأذرعه الأمنية والقمعية المتفلتة من كل عقال .
وعندما نجوت من الاعتقال إثر حملة 1985 وتعرضت للملاحقة ، كان من الطبيعي أن أنضم إلى هذه القبضة من الرجال ، التي تباشر مسؤولياتها الخطيرة ، وتعيش الحياة السرية داخل البلاد . من هنا أتت فرصة التعرف إلى الرفيق أبي يوسف عن قرب ، والعمل المشترك معه في ظروف تلك المرحلة الصعبة والمعقدة . وقد تشرفت بتلك المعرفة التي شكلت إضافة نوعية لصحبتي وحياتي ، أغنتهما بالفائدة والمتعة . سعدت بالعمل معه كرفيق ، أفادني على تحمل تلك الأيام بحلوها ومرِّها ، واكتسابه كصديق . فالزمان الضيق والغرف المغلقة والمهام الصعبة تتيح للنفس البشرية أن تعبر عن مكنوناتها بشفافية وفعالية وصدق ، وتتيح للناس فرصة التعارف الحقيقي والتواشج الإنساني المنزه عن أي غرض . وهذا ما كان بيننا .
في بيت بعيد عن الأنظار ، يفتقر لأبسط شروط ومؤهلات البيت العادي . وغرفة بنافذة صغيرة لا يجوز فتحها ، تغطي أرضها حصيرة من القش ، وكل محتوياتها فراش من الاسفنج ومسندين ووسادة ، كانت تجري اجتماعات ” لجنة المركز ” . ولم يكن عسيراً من خلال المشاركة والعمل اكتشاف مركز الثقل الحقيقي والواقعي بين أعضائها . رغم عدم وجود أهمية للمناصب الحزبية أو التسلسل الهرمي للهيئات في تلك المرحلة . فالأهمية القصوى كانت للفعالية والمبادرة ومباشرة العمل . غير أن سمات القدرة على العطاء والجدية الواضحة في شخصية الرجل ، كانت كافية ليحتل قلب الصورة .
هادىء ورزين ، متعفف ووقور ، ودود وصادق وقليل الكلام . يضفي بروحه المرحة وصوته الخفيض أجواء لطيفة ومحببة على الجلسات والاجتماعات ، مهما كنت الظروف صعبة ومعقدة ، والمناقشات حادة ومتوترة . شخصية بناءة ومعطاءة ، تتسم بالكثير من الجدية . تعلن حضورها الواضح في المكان دون عناء ، ولديها ما تقوله وبالوقت المناسب . هكذا بدا لي أبو يوسف في أول لقاء بيننا في الثمانينات ، وهكذا رأيته في آخر لقاء منذ سنوات ، قبل أن أغادر سورية .
كانت سنوات الضنك التي عشناها ، وعملنا فيها معاً ، فرصة فعلية وكبيرة للاقتراب من الرجل ، والتعرف إلى المعالم الحقيقية لشخصيته . وهذا ديدن الذين تفرض عليهم الظروف أن يعيشوا حياتهم السياسية العامة بالتلازم والتزامن مع الحياة الاجتماعية في أسرهم واهتماماتهم ومواقع عملهم بشكل مشترك مع الآخرين . وهو ما يؤدي إلى اكتشاف مواطن النبل فيهم ومواقع الضعف ، وينتج التعارف الحقيقي بينهم من كل الجوانب بصدقية عالية دون غلالات أو أستار . لذلك أدعي أننا تبادلنا المحبة والاحترام كرجلين وأسرتين ، وتواشجنا كرفيقين وصديقين ، يجمعهما الهم العام والدرب المشترك .
قارىء من الطراز الرفيع ، مثقف حقيقي من طبيعة شعبية بعيدة عن التكلف والادعاء ، من النوع الذي تكلم عنه غرامشي ” المثقف العضوي ” ، الذي يندمج مع الشعب ومسيرته وأهدافه ، دون أن يقع في الغرور والأستذة والخيلاء أو في مطب الشعبوية المبتذلة . متواضع وديمقراطي في بيته وفي تعامله مع الناس . يتقن فن الإصغاء إلى الآخر والتفكير خارج الصندوق وبعيداً عن المحددات الأيديولوجية والقيود الحزبية . حلو المعشر ويتقن التواصل مع الآخر المختلف والتوصل معه إلى توافقات ممكنة . لذلك اكتسب صداقات واسعة ، واختطف هذا القدر من الذكر الحسن حياً وميتاً . وهو ما يفسر الإجماع بين الرفاق والأصدقاء والمعارف على تقديره واحترامه حضورياً وغيابياً ، وتثمين دوره في الحياة العامة من خلال عمله الوظيفي والإداري ونشاطه الحزبي ودوره في التحالفات ومؤسسات العمل الوطني المشترك . من هنا استحق أيضاً موقعه المميز في قيادة الحزب خلال المرحلة الصعبة ، ووجوده ضمن قيادة ” التجمع الوطني الديمقراطي ” كممثل للحزب خلال نفس الفترة . وبقي مخلصاً لنهجه وحزبه ووطنه حتى الرمق الأخير .
بخروج آخر رفاقنا من السجن عام 1998 ، برزت مشكلة الملاحقين لأكثر من عشرين عاماً ، فلا تزال قرارات الاعتقال وأوامر القبض عليهم تلاحقهم وتقض مضجعهم ، وتعيق حياتهم الشخصية وعملهم السياسي . وكان الرفيق عبد الله واحداً منهم . اتخذ الحزب قراراً ، نفذه الرفاق الملاحقون ، بالعودة إلى بيوتهم في يوم محدد ، أعلنه الحزب في بيان مسبق ، ونشره للرأي العام والمعنيين بالأمر . وهكذا عاد هؤلاء الرفاق – وبينهم أبو يوسف – إلى حياتهم الطبيعية الشخصية والعامة .
كانت خبرة الرفيق عبد الله هوشة وثقافته المميزة ، تبرز في الاجتماعات الموسعة في الإطار الحزبي ومع الحلفاء . وخاصة في ” المؤتمرات التداولية ” ، التي تنكب على معالجة قضايا محددة ، وتتطلب توسيع دائرة النقاش وصنع القرار . وكان ما يقدمه من مقترحات ومشاريع وأفكار مثار اهتمام الجميع وموضع اعتبارهم . غير أن اسهاماته المميزة والمشهودة ، كانت من خلال أعمال التحضير للمؤتمر السادس عام 2005 . حيث كان الحزب على عتبة تغييرات جوهرية ، طالت الكثير من مرتكزاته الفكرية والسياسية والتنظيمية . انعكس ذلك في استبدال جميع وثائق الحزب الأساسية ( الموضوعات – البرنامج السياسي – النظام الداخلي ) بأخرى جديدة . وكذلك تغيير اسم الحزب ليصبح ” حزب الشعب الديمقراطي السوري ” . وكان للرفيق أبي يوسف دور مهم وفعَال في التحضير لهذه النقلة النوعية للحزب وتنفيذها ، وفي إعداد مشاريع الوثائق ومناقشتها وإقرارها في المؤتمر .
توجه المؤتمر السادس ( أيار 2005 ) نحو تجديد قيادة الحزب بانتخاب الشباب لعضوية اللجنة المركزية . ولم يكن أمراً غير ذي معنى ، أن يعيد المؤتمر انتخاب عبد الله هوشة عضواً في اللجنة المركزية . إذ كان أحد ثلاثة رفاق فقط من المركزية السابقة ، أعاد المؤتمر انتخابهم ضمن قيادة الحزب الجديدة . وفي أول اجتماع لها ، انتخبته اللجنة المركزية الجديدة أميناً أول بالإجماع .
مضى عبد الله هوشة كما يمضي الجميع ، وإلى حيث سيمضي الجميع . لكنه ترك لنا من مسيرته النضالية وأخلاقه الشخصية وسيرته الوطنية ما يبقى عصياً على النسيان . وسنبقى نذكر – مثل كل الذين عرفوه – المآثر الكبيرة التي تمتع بها في الحقلين العام والخاص . وطالما نال بفضلها الاحترام والتقدير من الجميع . وأنا شخصياً يملؤني الزهو والاعتزاز بالرجل الذي اغتنيت بصحبته ، وعرفته رفيقاً وصديقاً وإنساناً . صنعنا معاً أعمالاً طيبة ونجاحات ، وارتكبنا هفوات وأخطاء . ويتملكني حزن عميق على رحيل ذلك الرجل الكبير ، دون أن أتمكن من وداعه .
استنبول 14 / 1 / 2019

Social Links: