ودّع حزب العدالة والتنمية العاصمة أنقرة في صراع محتدم مع غريمه العلماني حزب الشعب الجمهوري العائد من بعيد… هزيمة أخرى مني بها حزب أردوغان في اسطنبول التي كانت مطيته نحو النجاح وبداية مسيرته السياسية نحو الحكم… تباعا تلتحق مدينتا إزمير وأنطاليا في مشهد رأى فيه خبراء ومحللون على أنه نتيجة لسياسات أردوغان الداخلية والخارجية، واستفتاء أو مؤشر لما ستكون عليه الانتخابات التشريعية والرئاسية المقبلة إذا لم يسارع الحزب إلى التغيير، لكن ثمة من يرى غير هذا كما عبر عن ذلك الصحفي التركي المخضرم عبد الرحمن ديلبياك؛ بقوله: “من جاء إلى الحكم من خلال البلديات سيذهب من الحكم من خلال البلديات.”
أول الكلام وعيد وتهديد
سبق أن قال أردوغان: “بعد الانتخابات سنحلّ حتما بالدرجة الأولى الملف السوري، أما عن طريق المفاوضات إذا أمكن، أو حتما في الميدان”.
الرئيس التركي يقصد بالتأكيد بالملف السوري حسب العارفين بتفكيره، وحدات حماية الشعب الكردية، التي يتهمها بأنها امتداد لحزب العمال الكردستاني، ويوضح العارفون هذه الحقيقة، كي لا يذهب البعض في تفسير قوله بأنه يقصد الجيش السوري، أو ما يخص الوضع في إدلب.
استعجال تنفيذ المخططات
أردوغان صوّر الانتخابات البلدية على أنها معركة حياة أو موت، كان يعلم أن نتائج الاقتراع بمثابة استفتاء على شعبيتة و”العدالة والتنمية”.
الانتخابات انتهت وفاز من فاز والدلالات باتت واضحة، لكن ما يهمنا كسوريين: هل تحمل النتائج ملامح متغيرات جديدة على المشهد السياسي التركي و”تركيا المستقبل”، وتاليا على المشهد السوري والسوريين في تركيا، خاصة أن ثمة من يرى أن الخسارة تجعله يستعجل تنفيذ مخططاته في سورية وهو مطمئن لأربع سنوات وعليه أن يختم حياته السياسية، فمن جاء من البلديات يغادر الحكم من البلديات أيضا…!؟
والحال هذه، هل سيكون ثمة تغييرات تطال التعاطي التركي مع المشهد السوري في شقيه (الأزمة، السوريين في تركيا) خاصة لمن تابع الحملات الانتخابية للأحزاب التركية، وتسليطها السهام على الوجود السوري في الداخل التركي والغمز من قناتهم…؟
للإجابة على هذه التساؤلات وغيرها كان لابد من طرق الباب المؤدي إلى إجابات ومقاربات تمتاز بمعرفة أصحابها ومعايشتهم لهذه الأجواء عن قرب، أو ممن هم على تماس مباشر مع الشارع التركي، بحكم اللغة والوقت الذي قضوه في تركيا، لكن قبل هذا كيف تنظر قوى سياسية بالداخل السوري إلى انتخابات تركيا…؟
البشير: لا تغييرات مع أردوغان
أردوغان يراهن على “الاستراحة ” المقبلة، لا توجد أمام حزبه أي استحقاقات انتخابية للسنوات الأربع ونصف المقبلة، كيف سيتعاطى مع الأمة السورية، وهو كان قال إنه سيتم تركيز العمل خلال الفترة المقبلة على الصعيدين المحلي والدولي، وطبيعي أن يكون الملف السوري في الصدارة لأنه مرتبط بأطراف دولية أخرى…
في هذا الخصوص يرى الشيخ نواف البشير أمين عام حزب الشعب ونجل شيخ عشائر الحسنة – قبيلة عنزة أن لا تغييرات محتملة بالسياسة التركية في ظل وجود أردوغان “كنا قد عولنا على القمة الثلاثية التي عقدت في سوتشي في 14 شباط الماضي، وضمت إلى الرئيس بوتين نظيريه الإيراني والتركي، وبحثت الوضع في محافظة إدلب وانسحاب القوات الأمريكية من الأراضي السورية، فضلا عن مساعي تشكيل لجنة صياغة الدستور، انتظرنا أن يكون هناك التزام ومصداقية في تنفيذ الوعود التي قطعتها تركيا بخصوص حل الأزمة السورية، وبالتحديد فيما يتعلق بوجود المسلحين في إدلب.”
أضاف: نحن نرى أن التغييرات الحاصلة في المشهد السياسي التركي هي تراجع وخسارة أردوغان في غير مدينة تركية كبيرة بما تمثل هذه المدن من دلالات ورمزية… وعليه يتوقع البشير أن يكون هناك تغيير من جانب الأحزاب التركية، التي تريد أن تكون علاقات تركيا جيدة مع محيطها، وخاصة سورية، وأمل البشير أن تكون هذه الأحزاب والشخصيات التركية التي تنظر إلى الأمور من زاوية المصالح التركية العليا وليس من منظار إخواني ضيق، كما يسعى أردوغان ويريد أن يكون له عمق أخواني في المحيط العربي…
وتوقع رئيس حزب الشعب أن تأخذ أحزاب المعارضة في تركيا دورها في المدى المنظور، لكن اليوم قال البشير: “نحن لا نعول على أردوغان، خاصة بعد أن أحكم قبضته على الجيش والاقتصاد والسياسة بشكل مطلق بعد التعديلات الدستورية.
لكن البشير اعتبر أن الرئيس التركي، قد يرى أنه ستحل عليه كوارث كبيرة إن لم يحل هذه المعضلة الكبيرة المتعلقة بوجود المسلحين في إدلب بطرق المختلفة، وأكد البشير أن أردوغان حريص جدا اليوم ألا يدخل هؤلاء المسلحين إلى بلاده، فهو يعرفهم بالاسم ويعرف من أين أتوا ومن يدعمهم، فضلا عن تسليحهم وتدريبهم وعددهم وما هو تأثيرهم عليه إن دخلوا إلى تركيا.
ويخلص البشير إلى القول: “بالعموم وفي المدى القريب لن يكون أي تأثير لما حصل في تركيا على الساحة السورية، وحده الجيش العربي السوري هو من يحمل الآخرين على التغيير في حسم المعركة في إدلب، وهو قرار متخذ، لكن التدخل الروسي – الإيراني والطلب بالتريث املا من الحليفين أن يكون هناك حلا سياسيا صادقا من قبل الجانب التركي يؤخر هذا الإنجاز”.
ويشدد البشير “إن لم يجد أردوغان حلا لهذه المعضلة التي أوجدها في إدلب فالمعركة قادمة وهو (أردوغان) يدرك حجم الوبال الذي سيحل عليه من خلال هذه الجماعات المسلحة التي جمعها من كل حدب وصوب ودفع بها إلى سورية، وختم البشير بالقول: “أعتقد أن أردوغان هو من سوف يسعى للحلول السلمية التي تأتي بأقل الأضرار عليه وعلى نظامه ودولته، إن كان حريصا على بلده”.
الأتاسي: درس مهم
بدوره أكّد منصور الأتاسي، الأمين العام لـ “حزب اليسار الديموقراطي السوري” أنه بالنسبة للسوريين فلا أحد يعلم ماذا ستكون نتائج الانتخابات على وضعهم في تركيا، على الرغم من أن أحد أهم الدعايات الانتخابية التي قدمتها المعارضة كانت موجهة ضد الوجود السوري في تركيا، وخاصة حزب الشعب الجمهوري والأحزاب المنضوية في تحالفه المسمى تحالف الأمة”.
ورأى أن نتائج الانتخابات التركية مفاجئة، وخاصة خسارة حزب العدالة والتنمية المدن الكبرى (اسطنبول التي حافظ على رئاسة بلديتها منذ ٢٥ عاما)، وأشار الأتاسي إلى أن الانتخابات تدل على تململ الشارع التركي من بعض سياسات حزب العدالة والتنمية، وخاصة بعد الضغط الاقتصادي الذي تعرض له المواطن التركي ونسبة التضخم المرتفعة والمتصاعدة والتي أرهقت المواطن التركي بشكل كبير، وانعكست على مستوى دخل الفرد التي انخفضت بشكل ملحوظ من ١٠ آلاف دولار سنويا إلى أقل من ٨٠٠٠ آلاف دولار.
واعتبر المعارض السوري المقيم في اسطنبول أنه وعلى الرغم من المفاجأة التي حققتها الانتخابات وخسارة العدالة والتنمية لبلديات شديدة الأهمية فإن قبول الجميع بالنتائج ونسبة المشاركة العالية التي وصلت إلى ٨٣ % من الذين يحق لهم التصويت، والتي تكاد تكون الأعلى في العالم، تدل على وجود تقاليد انتخابات ديمقراطية حقيقية في تركيا من الصعب معها العودة للاستبداد أو الانقلابات، فالأحزاب المتنافسة اليوم كانت قد وقفت جميعها ضد الانقلاب الذي هدد هذه الحالة الديمقراطية، وخلص إلى اعتبار أن” العدالة والتنمية” لم يعزو الخسارة التي مني بها إلى حرب ضد الحزب، بل عزاها إلى قصور في عمله لا بد من تلافيه وهذه من أهم النتائج .
سحلول: تأثيرات إدارية
وفي السياق نفسه يرى الصحفي والخبير بالشأن التركي محمد غياث سحلول أنه بشكل عام من الناحية السياسية لن يكون أي تأثير لهذه الانتخابات، لأنها انتخابات إدارية محدودة ضمن المدن حتى لو خسر حزب العدالة بلدية استنبول الكبرى، أما بلديات القضاء أو بالأحرى الأحياء فمعظمها بيده هذا بالنسبة لاسطنبول، لكن ليست هي كعاصمة اقتصادية فقط، بل هناك المناطق الحدودية فكلها بيد حزب العدالة ماعدا إنطاكيا.
أما من الناحية الإدارية فهناك بعض الأحياء التي فيها تجمع كبير للسوريين وفيها مراكز تجارية متعددة، من مطاعم ومحلات متنوعة وهنا أعتقد أنها ستشهد مضايقات متنوعة بالنسبة للسوريين هناك، عبر إلزامهم بشروط صعبة والضغط عليهم للإغلاق، لأن لديهم هذه النية أثناء الحملات الانتخابية، أما الأحياء التي فاز بها حزب العدالة فلا أعتقد أنها سيكون فيها أي تأثير.
واعتبر سحلول أن الأمور السياسية الأساسية وذات الأهمية بيد العدالة (حكومة ورئاسة وبرلمان) ولذلك هذه الانتخابات تؤثر إداريا بشكل محدود وليس سياسيا، وقال: “المعارضة ستحافظ على هذا الفوز الذي طال انتظاره، ولن تغضب الناس حتى لو كانوا من الأجانب حتى لا ينقلب الرأي العام عليها”.
لكنه لفت إلى أن السوريين كانوا سلعة انتخابية فمثلا مرشحة الحزب الجيد عن منطقة الفاتح قالت إن السوريين احتلوا الحي وأشارت إلى تحول “لافتات” المحال التجارية إلى العربية، وإلى العمال السوريين المهيمنين على حساب الأتراك، ولفت سحلول إلى أن الرئيس أردوغان تحدث في أكثر من مناسبة أثناء الحملة الانتخابية عن إنهاء الملف السوري وخاصة شرق الفرات وإنشاء منطقة آمنة، وإعادة اللاجئين السوريين، وكذلك فعل مرشح العدالة والتنمية عندما تحدث بأن هناك سوريين يخالفون القواعد والخصوصية التي تتمتع بها استنبول، ويرتكبون مخالفات كبيرة ولذلك سوف يرحلون.
دلي: خشية من محاولات تصدير الأزمة
لكن الصحفي الخبير بالشأن التركي خورشيد دلي ينطلق في مقاربته من أسباب داخلية ويقول إن “العدالة والتنمية” الحاكم وإن حافظ تقريباً على النسبة نفسها، التي حصل عليها في الانتخابات المحلية السابقة، فإن النتائج تشكل خسارة سياسية حقيقية، وعليه فمن حق المعارضة التركية أن تقول إنها انتصرت وبشكل باهر، للمرة الأولى منذ عام 2002، وهو عام وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم لم يتعرض الحزب الحاكم لمثل هذه الخسارة.
وأضاف دلي أن قول أردوغان: “من يحكم اسطنبول يحكم تركيا”، كلام سياسي بامتياز. ولفت دلي إلى دلالات الفوز في أنقرة (رمز الحالة الوطنية والقومية) وأزمير (رمز أو معقل العلمانيين)، واستنبول (رمز الاقتصاد)، وديار بكر وأنطاليا (رمزية سياسية كبيرة، فهذه المدن تمثل ألوان الطيف القومي والعلماني والكردي واليساري، معقل الهوية الكردية).
وارجع دلي أسباب كسب المعارضة لهذه المعاقل الكبيرة إلى جملة من الأسباب الاقتصادية، والأمنية بعد أن حول أردوغان تركيا إلى سجن كبير، لافتا إلى وجود تململ في صفوف العدالة والتنمية، مع أحاديث واسعة الانتشار عن جهود قادة سابقين من حزب أردوغان، أبرزهم عبد الله غل وأحمد داود أوغلو، لتشكيل حزب جديد، وإذا حصل ذلك، فربما سيكون بمثابة تكرار لتفرع “العدالة والتنمية”، عن حزب الفضيلة، بزعامة نجم الدين أربكان، إذ تتمتع هذه الشخصيات بوزن سياسي وشعبي وفكري لدى الحاضنة الشعبية لـ “العدالة والتنمية”، وهذا كله بالصرف السياسي يؤكد أن المعارضة قد انتصرت بحسب دلي.
وشدد دلي على أن خيارات أردوغان السياسية في الخارج صعبة، مشيرا إلى وجود خلافات مع أمريكا بشأن الملف السوري، فضلا عن تبنيه للأخوان ما أثر على علاقات تركيا مع العالم العربي وقال: “أردوغان سيحتاج لبعض الوقت كي يبلور ما يمكن أن يقوم به بخصوص الأزمة السورية، وكيف سيتصرف لا سيما وأنه كان قد أكد قبيل الانتخابات أنه سيحل هذا الملف، وحذر دلي من محاولة أردوغان تصدير أزمته الداخلية خارجيا إذا لم يبادر إلى المراجعة، ما يعزز من احتمالات الحراك الداخلي، واعتبر دلي أن أردوغان يبقى أحد أوجه المشكلات في المنطقة.
خليل: الاصطدام قادم
أما الناشط السياسي السوري آزاد خليل فاعتبر أن ما يحدث من تحولات سريعة في منطقتنا تستوجب قراءة ما بين السطور، فالمرحلة الحالية تمر بالكثير من الأحداث السياسية والعسكرية والاقتصادية، خصوصاً بعد انتصارات الحلف الروسي السوري الإيراني، مقابل تراجع الحلف الغربي التركي والقطري من جهة أخرى، وتمثل بما يخص الشأن السوري بعودة مناطق كثيرة لسيطرة الدولة، وانهزام “داعش” وتراجع الدور التركي الذي كان يلوح بالورقة السورية في كل مرحلة، ما يهز أركان حكمه، لكن ما حدث في تركيا، كان لافتاً خصوصاً بعد خسارة العدالة والتنمية الذي يتزعمه أردوغان أغلب البلديات الكبيرة في تركيا.
ورأى خليل أن خسارة أردوغان وحزبه ستنعكس خيرا على سورية
وقال: “تركيا الآن تعيش في حصار اقتصادي كبير، انهيار الليرة، تزايد الدين العام، هروب رؤوس الأموال الأجنبية، إعلان البنك التركي بأنه لا يملك سيولة نقدية وفقدان ٣٠% من قيمة الليرة، هذا يعني أن تركيا تعاني وشعبها يعاني من الفقر البطالة وعدم استقرار، وفي المرحلة القادمة سيكون الدور التركي خجولاً جداً وستعود سورية قوية كما كانت وسيكون هناك انفراج للأزمة وتحرير للمناطق الخاضعة للإرهاب و”المتأسلمين”.
يضيف خليل: إلى ذلك الحين، يتوجب اتخاذ خطوة جريئة من الدولة السورية لفتح حوار مسؤول مع الطرف الكردي، كونه أيضا قاسم الدولة وحارب الفكر الإرهابي، وحدوث أي خلاف هذا لا يعني الاختلاف على الخطوط الأساسية”.
وشدد خليل على أن هزيمة أردوغان هي هزيمة لمحور الأخوان ومحور الشر الذي كان يحاول إسقاط دمشق، لأن سقوط أردوغان في مدن كبيرة ولها رمزيتها شكل صدمة غير متوقعة لحزب العدالة والتنمية، مما يجعل اصطدامه في المرحلة القادمة مع المعارضة التركية أمرا قائما، ما يرجح الدخول في نفق مظلم خاصة إذا استعمل “العدالة والتمنية “القوة على غرار ما حصل مع حزب “الشعوب الديمقراطي”، الذي كان يتزعمه صلاح الدين دمرطاش.
آخر الكلام
الانتخابات محلية لكن نار سخونتها والتنافس بين أطرافها جعلها محط متابعة واهتمام حتى لتبدو وكأنها تشريعية أو حتى رئاسية.
الأجواء التي أجريت فيها بدت اختبارا لأردوغان وحزبه الحاكم، خصوصا أنها أجريت على وقع أزمة اقتصادية، الأمر الذي دفع البعض إلى اعتبار النتيجة “عقابية” لأردوغان وحزبه الذي كان اعتبر الانتخابات مسألة حياة أو موت “نكون أولا نكون”، على حد تعبير صحيفة “يني شفق” التركية التي خاطبت الأتراك بقولها: “لا تعتبروا الانتخابات محلية، فالخطوة التالية من هذا الأمر هي شل حركة تركيا”.
المعارضة الرابحة لن تركن للراحة، فالنتائج ستكون دافعا لإعادة الاصطفاف، وتنسيق الاستراتيجيات والتحالفات، في محاولة للتمدد على حساب الحزب الحاكم، مما يعني أن قواعد اللعبة السياسية في تركيا ستشهد لاعبين بروح جديدة وأدوات جديدة في تركيا جديدة

Social Links: