اكاسيا الشام
عزيزي الذي أصبح بعيدا جدا في الزمان
مياه كثيرة جرت تحت الجسر ‘‘ مقدمة تقليدية مملة وبائسة‘‘ ومازالت روائح المكان تناديني لأكتب شيئا ما، في مطلع كل ربيع ، لكنني كنت أدفشها مع رياح لاتبخل بها الطبيعة في هذا الفصل المتعجل للرحيل .
وأذكر – فيما أذكر – أن لقاءنا ‘‘الأول طبعا‘‘ كان في الخريف .. وكنت ألملم آخر زهرات الياسمين المهرهرة على رصيف عريشة البيت ، وأشمها برومانسية أول عشق يصادف امرأة تحاول استعادة رائحة الحب
بعد أن غيبتها سنين العمر وسياق الحياة الروتيني لامرأة عادية، هلأ لماذا صرت فيما بعد أقرأ هذه المفردة ‘‘عادية، عادي‘‘ بكثرة كاثرة، في حين كنت معتقدة بتفاخر أنني أول من استخدمها لأغراض أدبية / شعرية ،
لاأعلم، المهم في الموضوع أنني مازلت متنحة أنني أول من استخدمها ، ولتذهب المياه الكثيرة التي جرت تحت الجسر حيث تشاء.. أن تصب .
اليوم ، في هذا اليوم الرمادي الدافئ قليلا.. الرطب قليلا، في مدينة بعيدة .. بعيدة جدا .. تقع فيما وراء المحيط.. لاتحمل علامات مميزة في العمران ، ولا الطبيعة، ولا التضاريس، ولا سماؤها تتلألأ بنجم جديد في مجرتنا ، غريب، ولا مياهها أشد عذوبة، ولا أكثر ملوحة ، تشبه مياه عين الفيجة – المدمرة بعد مرور البرابرة فيها ، مدينة عادية تبدو ملائمة تماما ، وبدقة عالية، لحالة : امرأة عادية ، ضبت حقيبتها وقالت يافكيك ، سافرت على عجل/
في الواقع – أقصد إذا أردت أن أكون واقعية ومن النادر أن أكون – ياحبيبتي هذه المدينة التي توفر لي كل تلك الرفاهية: ماء بأنواعه: عذب بارد ساحن ، وكهرباء نعم كهرباء ، من يصدق أنني أتنعم بالكهرباء ليلا نهارا ؟
لكن ست سنين بالتمام والكمال عودوني على النظر إلى ساعتي – التي اقتنيتها خصيصا من أجل مواقيت الكهرباء – فقد كان لدي ساعة بيولوجية في غاية الدقة – تجدني أهب لكنس السجادة الصغيرة قبل الساعة العاشرة، حيث موعد انقطاع الغالية
علما أن الساعة العاشرة صباحا هنا تساوي السادسة مساء هناك .. وأنتفض ذعرا لاقتراب موعد انقطاع الماء الذي يعني أن الحمّام سيفوتني، هذان مثالان صغيران وتافهان على بعض الأمراض الجانبية الثانوية جدا التي استوطنت في أرواح ‘‘سوريي الداخل‘‘ ، فكيف لاأحب وأحترم وأثمن عاليا هذه المدينة الغريبة التي لاتعرفني ولا أعرفها، ليس بيننا أدنى علاقة، ولا ذكرى ، ولا كتبت اسم حبيبي على حورها العتيق ! بل إن الجيران في كل صباح ، يحيوني، ويتمنون لي يوما طيبا
حتى شرطي الأمن في المطار تعاطف معي وتمنى لي إقامة طيبة ، عجبا !
لكن تلك الروائح الربيعية اللعينة، حتى لو أنها اختلطت برائحة المجاري سيئة .الصيت والصنع ‘‘هناك‘‘ متشبثة بي، تتسلق ذاكرتي وتبث شيفراتها بين الحين والحين
ولن تباعد المسافات بأكثر مما باعدت /
ولن تقرب الذكريات مامات واندثر /
ولن ‘‘نعود كما كنا
لن نعود
ولو لماما‘‘
2
عزيزي الذي أصبح بعيدا جدا في الزمان
ماذا أفعل لكتابة الجملة الأولى العصية دائما في الحضور؟
أنا بحاجة لمفردة، مفردة واحدة، تفتح هذا الطريق المسدود إلى كتابة مشرقة، أوفي الأقل ليست كثيفة القتامة والعتمة ( في تمن أكثر تواضعا)
أريدها عذبة، رقيقة، حانية، ودودة، رقراقة، خام
قوية الحضور، سلسة الحروف ، صلبة البقاء ، معافاة من أحرف العلة
لاتحمل ظلالا لماض، ولا لحاضر..
مولودة جديدة بريئة من أي استخدام سابق لوجودها
مولودة لتعبر إلى المستقبل .. قريبا كان.. أم بعيدا
دع عنك التفسير والتأويل
بمجرد أن تلفظ للمرة الأولى سنعرفها .. سيعرفها خلق كثير
لكن واحدا سيلتقطها .. شخصا واحدا مثلي كان يعاني من احتباس الكلمة / البدء
سوف يعرفها ويضعها في السياق الملائم
أما أنا فسأقول لحالي: كانت دائما أمامك .. لكنك لم تتعرفيها
3
عزيزي الذي أصبح بعيدا جدا في الزمان
لم أملك علامات تحثني على الكتابة إليك، ولم تصف لي أية بصّارة زرتها ملامحك في فنجان قهوتي، ولم يقرأ أحد في خطوط كفي أن خط عمري ، سيلتقي يوما مع زمانك الموغل في الابتعاد /
لكن ألوانا تتركها الشمس عند هذا المغيب تغويني .. وأنا – وبكامل إرادتي الواعية – أسلم نفسي لهذا الإغواء اللازوردي وأذهب معه حيث يدخل آخر لون في المساء /
لاأر يد سوى هذه النسمة العليلة أن تستمر في مداعبتي لأغفو قليلا في حضن هذا الغروب الحنون .. في مدينة صغيرة لايلمع اسمها بين المدن ، لكنها كافية لإيواء أحلام ، ومنامات يقظة، ومشاريع مؤجلة
وحياة لاجئين ، وذكريات حشرت على عجل داخل حقائب مسافرين غير مكترثين بالمكان الذي سيصلون إليه ، ماخلا ركاب الدرجة الأولى ، معظم البشر متشابهين
قلت لنفسي اكتبي ياامرأة ، ولترسلي ماتكتبين دون وجل :
قبل أيام قليلة فقط كنت تجلسين في شرفة بيتك لكي تؤنسي نفسك بضوء القمر حيث العتمة تلف المكان، وياما تمنيت أن يدخل معك البيت كي لاتتعثري بخطوك والفوضى المحتملة فيه
هاهنا لست بحاجة سوى للتملي من وجوده الساحر قبالتك تماما .. يبدو لك أكثر بعدا فالسماء هنا شاسعة فوق هذي البراري التي لايبدو لها آخر
ومن دون أسباب ولا مسوغات ، ومن دون استعارة أقنعة :
تعال شاركني هذه الجلسة الهادئة جدا
في مدينة صغيرة .. في بيت صغير.. على شرفة لاتشرف على مشهد ذي بال :
شجرة ذات نوار أبيض على اليسار
بارك للسيارات على اليمين
قمر ‘‘معلق على الشرفة ..
لايدخل الغرفة‘‘
ونسمة لطيفة تداعبنا
فنغفو على نداها
وننام
4
عزيزي الذي غاب تماما في الزمان
المكان: الراسخ الراسي المقيم الثابت في الجغرافيا التي لاتنتقل .. ولا أسماءها
حامل الزمان والتاريخ .. وصراع الثنائيات وحروب البشر.. الصحراء والصبار.. وسهول القمح والنهر العاصي لتقاليد الأنهر.. سماء الستيتيات
أصص الزريعة التقليدية في شرفات البيوت جرار الزيت وعلبة الخيطان …
غيّب سكانه وغرّبهم ، وهو يستعد ليبدل اسمه، ويستقبل مستوطنين جددا ، فهل سيبقى هو تفسه بعد أن اختفت كائناته وارتحلت سماؤه وانقلبت تربته وغاضت مياهه؟
وحين تختفي آخر صورة له في مخيلتنا والذاكرة… مالذي سيجمعنا – أنت وأنا من جديد؟
لنفترض أننا تواعدنا في الحديقة التي التقينا بها أول مرة، وضبطنا ساعاتنا ، ثم توجهنا إليها (كل على حدة)
قلنا للتاكسي (كل على حدة) : حديقة السبكي معلم
التفت السائق وقال ( بالفارسية ربما أو الإنكليزية الأمريكية أو العبرية أو التركية أو الروسية ): ماذا؟ أين؟
ندله على الطريق (كل على حدة وبعد أن نترجم ماقال من قاموس مختلط اللغات وزعوه علينا حين عدنا في رحلة استكشاف لموطننا الأصلي) فيجيب أنه لايوجد لهذه الحديقة وجود في الخريطة التي قدمناها !
نترجل من التاكسي (كل على حدة) ، نعرف أننا أضعنا موعدنا للمرة الأخيرة بعد طول تأجيل، وأضعنا بعضنا حيث الطرقات كلها لم تعد تفضي إلى أماكننا، وأننا كنا أبرياء وساذجين حين افترضنا:
أن المكان لايستبدل مكانه حين يرضى بتغييير سكانه
وأنه قد يصبح أكثر سيولة من زمانه
وأن من يفقد مكانه.. سيكون خارجا عن الزمان
وأن كل المواعيد المشتهاة علقت على هذا الفضاء الكوني الدامي
والأمل الذي كنا ‘‘محكومون به‘‘ كما قال أحد كتابنا العظماء ذات يوم بعيد
علق على خشبة ..

Social Links: