لأربعينية الراحل د . طيب تيزيني

لأربعينية الراحل د . طيب تيزيني

عقاب يحيى ألقاها الاستاذ صفوان الموشلي

مطلع عام 1969 تعرّفت على الدكتور طيب تييني ولم يكن عنده زمن طويل على عودته من ألمانيا حاملاَ شهادة الدكتوراه بالفلسفة..
ـ كان طيّباً، ودوداً، لطيفا، دمثاً كشخص..
ـ ممتلئاً بالحماس لفعل شيء يواجه إرث وبنى التخلف، وبناء أسس متينة للتنوير والنهضة .
ـ غزيراً بالكتابة والإنتاج، ومسكوناً بالحداثة والتغيير، لكنها الحداثة غير مقطوعة الجذور، إنها النابعة من إرثنا الحضاري الطويل، الحريصة على وضع إصبع النقد والتفصيح فيها، بما شكّل مشروعه الرئيس الذي عمل فيه ولم يكمله كما كان يتمنى لانشغاله بأمور عديدة كانت الكتابة في ميادين مختلفة، والجامعة، واللقاءات والندوات جزءاً من ذلك الانشغال الذي لم يفارقه حتى رحيله .
ـ يساري ، ماركسي لكنه غير ملتزم حزبياً، ولديه رصيد كبير يشكل منطلقاً لنقد الشيوعية التقليدية وأسباب عجزها عن تجسيد الفكر والأهداف .
ـ عربي الانتماء بمسحة قومية حداثية تولي أهمية أولى لواقع العرب وأسباب تخلفهم وفرقتهم، وتحاول المزاوجة بين الفكر اليساري والقومي ..
<<<
كنت نائباً ـ حينها ـ لرئيس اتحاد شبيبة الثورة، ومسؤول الإعلام، ومديراً لمجلة الشبيبة التي أصدرنا العدد الأول منها عام 1969، وكانت أعدادها الثمانية ـ حتى تاريخ انقلاب حافظ الأسد ـ لا تخلو من مقال، أو دراسة له في ميادين مختلفة، خاصة تلك التي لها علاقة بالشباب ومشكلاتهم ودورهم، وقد فتحنا له أبوابها ليكتب ما يراه دون أي تدخل من قبلنا، وكان سعيداً بذلك، وخضنا حوارات كثيرة ثنائية وأكثر، وكان انفتاحه وتواضعه عاملان مهمان في الأثر الذي يتركه، مثلما كانت لغته وتمكّنه من العربية، ومن ذلك الأسلوب البسيط الممتنع يجعله ممسكاً بتلالبيب الموضوعات البسيطة والمعقدة مع قدرة إيصالها لذهن المستمع، ولفت انتباهه، بل وإقناعه بجوهرها .
<<<
يؤخذ على الدكتور ” مرونته” في مواجهة نظام الفئوية والاستبداد بشكل مباشر، وعدم تناول مخاطر بنى الاستبداد والنظام الأمني بشكل مباشر، وواقعي، وليس عبر التعميم الذي يطال تلك البنى في أمكنة شتى دون تخصيص . ووفق معلوماتي فقد نجح الأسد ـ بخبثه ـ في جذب بعض المفكرين والكتّاب إلى فخاخه عبر ما يعرف بتشكيل” لجنة تطوير الحزب” وحديثه النظري عن حرية هؤلاء في ممارسة عمليات نقد شاملة والبناء عليها، وقد دفعه ذلك للانتساب لحزب السلطة وإن لم يكن متحمساً، ولعل طبيعته المجاملة وتقديراته بإمكانية فعل شيء إيجابي هي الدافع وليست أية أسباب أخرى، وقد اكتشف بالتجربة أهداف تلك المحاولة ودجل شعاراتها، فوضع مسافة بينه وبين التنظيم، وارتحل لأكثر من بلد عربي يدرّس فيه كأستاذ جامعي يمارس التنوير، والدعوة للتحديث، ليصبح أحد أعلام الفكر والتغيير في سورية والوطن العربي .
<<<<
ـ كان مشروعه الرئيس ” من التراث إلى الثورة” الذي صدر كتابه الأول عام 1976 بأمل أن يكون سلسلة تتناول تحطيم بنى السائد في التراث المكتوب لصياغة البديل القائم على فهم حداثي، اساسه التحليل العلمي للتاريخ وتشكيلاته، والقوى وخلفياتها، والاستبداد وأعمدته، وقد وجّه نقداً واضحاً لنتاج المفكر المغربي محمد عابد الجابري، وأدلى برأيه الجريء في موقع الدين وتأثيره، وفي ذلك الاحتباس الذي شكّله إيقاف الاجتهاد، وتقديس النص، خاصة تلك النصوص المشكوك بصحتها من الأحاديث، ومن السائد في الفقه المعتمد، وفي سنواته الأخيرة عرف تطورات مهمة في وعيه ونظرته، وبات أكثر تمسكاً بالديمقراطية والتعددية، وبمنسحة ليبرالية تعمل على وضع قراءات جديدة لواقعنا ومستقبلنا . ويلخص نظرته في المقطع التالي :
«أن الإرادة المتعسفة لاتجاه الأفكار يدفع العقل إلى اعتبار الوجه الثاني من المسألة وكأنه أطروحة معاكسة. وكما قال في نهاية مشروعه لتثوير الماضي: إن البدء من التراث للانتقال إلى الثورة هو وجه أول من قضية واحدة، والوجه الثاني هو أن تبدأ من الثورة لتكتشف التراث».

ـ حين قامت الثورة كان الطبيعي أن ينتمي إليها هذا المفكر الثائر، والحداثي، فأعلن انتماءه بصراحة، وفي الندوة التي أقامها النظام برئاسة فاروق اتلشرع تحدث بكل صراحة عن الدولة الأمنية ـ الاستبدادبة ومحاطرها، وعن شكوكه بإمكانية التغيير عبر نظام فاشي أحادي، أمني، وفئوي، ومما عبّر عنه : “ما يجري في سوريا هو نتيجة هيمنة الدولة الأمنية على المجتمع وتفشي الفساد السياسي”، كما طالب رئيسَ النظام بشار الأسد بالتنحي، وتعرض للضرب والاحتجاز من قبل قوات النظام يوم 16 آذار عام 2011، خلال مشاركته في وقفة أمام وزارة الداخلية بدمشق للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين.
ـ عمل مع بعض الشخصيات المحسوبة على المعارضة على تشكيل ما يعرف ب”لجنة الحكماء” كمحاولة منه للإسهام في حلّ الأزمة السورية بعد ما عرفته من تعقيدات، وتشابك المشاريع والتدخلات، وهي اللجنة التي لم تستطع تقديم الكثير لاصطدماها ببنية ونهج ذلك النظام الذي خبره جيداً، ووصفه بدقة وهو يدعو إلى تغييره .
ـ تراث الدكتور طيب تيزيني يحتاج المراجعة والاطلاع العميق للتعرّف على نتاج هذا المفكر المتميز صاحب البصمة الخاصة، وحبذا لو يصار إلى نشر مؤلفاته الغزيرة ..

  • Social Links:

Leave a Reply