سوريا.. بيضة القبّان في صراع أميركا وإيران اسامة اغي

سوريا.. بيضة القبّان في صراع أميركا وإيران اسامة اغي

بعيداً عن نظرية المؤامرة التي تروّج لها بعضُ الجهات، يستطيع مراقبو تطورات الصراع الأمريكي الإيراني أن يكتشفوا حدود هذا الصراع وأبعاده، والنتائج المحتملة له.

الصراع الأمريكي الإيراني لا يندرج تحت يافطة المناورات السياسية، بل يتعداها إلى احتمال حدوث حربٍ عسكريةٍ حقيقية بين الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، وبين إيران وأذرعها في إقليم الشرق الأوسط.

هذه الحرب لها ما يبرّرها أمريكياً، وقد اتضحت هذه التبريرات من خلال ما طرحه مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكي، وأطلق عليه تسمية شروط ومطالب واشنطن الـ12 لحلّ النزاع الأمريكي الإيراني. الشروط الأمريكية المتمثلة بضرورة كشف إيران لبرنامجها النووي والصاروخي البالستي، والتوقف عن دعم ما تصفه الولايات المتحدة منظمات إرهابية، والمقصود هنا “حزب الله” وحركتي حماس والجهاد الفلسطينيتين، إضافةً إلى سحب كلّ الميليشيات الشيعية من سوريا، والتوقف عن تخصيب اليورانيوم والبلوتونيوم، ووضع كلّ المنشآت النووية الإيرانية العسكرية وغير العسكرية تحت رقابة وكالة الطاقة الذرية الدولية.

لقد وضع انسحابُ الولايات المتحدة من اتفاقية (5+1) مع إيران والموقعة في صيف عام 2015م حكومة طهران في وضعٍ يتسم بالخطورة. فهذا الانسحاب الأمريكي عبّر عن مصالح أمريكية، وجدت إدارة ترامب أن الاتفاقية لا تحقّقها. وهذا أعاد نصاب الأمور إلى المربع الأول للصراع بين الطرفين.

لم يكتف الأمريكيون بالانسحاب من الاتفاقية المذكورة، بل عمدوا إلى تطبيق حزم عقوبات متتالية بحقّ إيران. هذه العقوبات تتوجت بحصار أمريكي يمنع إيران من تصدير نفطها وغازها، ويلغي الاستثناءات الممنوحة لبعض الدول باستيراد النفط الإيراني. والمعلوم أن اقتصاد إيران يعتمد على تصدير البترول والغاز بنسبة كبيرة.

ولقراءة الصراع الأمريكي الإيراني بصورة أكثر دقة، ينبغي معرفة استراتيجيتي البلدين، لاكتشاف مربعات التوافق والتناقض بينهما، وامكانية حصول صراع عسكري وفق ذلك. وهذا يدفعنا إلى القول إن جوهر الشروط الأمريكية الـ12 يُظهر أن الأمريكيين يلجأون إلى استراتيجية نزع المخالب الإيرانية، وإعادة إيران إلى المظلة الأمريكية. هذه الاستراتيجية أوضحتها بشكلٍ جليٍ شروط واشنطن الـ12 لتطبيع العلاقات بين البلدين.

إذاً الأمريكيون يصرّون على إجبار إيران على تقديم تنازلات جوهرية تخصّ جوهر نظامهم السياسي القائم على مبدأ “تصدير الثورة”، والهيمنة على دول المنطقة من أجل قيام الامبراطورية الفارسية الجديدة. بينما يصرّ الإيرانيون على تنفيذ استراتيجيتهم السياسية القائمة على مبدأ أن تكون طهران عاصمة القرار السياسي والاقتصادي في منطقة الشرق العربي وآسيا الوسطى، مما يسمح بإقامة الحلم الامبراطوري الفارسي.

التناقض واضحٌ وجليٌ بين الاستراتيجيتين الأمريكية والإيرانية، وحلُّ هذا التناقض سيعتمد عل أحد أمرين اثنين، وهما: إما أن توافق إيران على الشروط الأمريكية، وتدخل بيت الطاعة الأمريكي، وبهذا يكون “برنامجها الخميني” قد انتهت صلاحيته المعتمدة على مبدأ “تصدير الثورة”. وقتذاك تكون إيران قد عادت من غياهب حلمها الامبراطوري إلى حقول واقعها كدولة تنتمي لدول العالم الثالث. وهذا ما سيفتح الباب أمام انقضاض الداخل الإيراني المقهور على حكومة الملالي، التي أضرّت الشعب، وبدّدت ثرواته الوطنية من أجل أوهام سياسية قابعة في ذهن القيادات الثيوقراطية الإيرانية.

الاحتمال الثاني أن ترفض إيران الشروط الأمريكية، وتبقى في حالة استنفارٍ لمواجهة هذه الشروط والعقوبات المطبقة عليها. أي أنها ستذهب في لعبة “شدّ الحبل” مع الأمريكيين إلى آخر لحظةٍ ممكنة. وهذا يقود بالضرورة إلى احتمال حدوث صراعٍ عسكري مباشر، عند أي خطأ ترتكبه إيران بحقّ الولايات المتحدة وحلفائها.

الإيرانيون لن يستطيعوا استمالة الموقف الروسي لمصلحتهم في هذا الصراع، لأن الروس في مرمى العقوبات الاقتصادية الأمريكية والغربية، وبالتالي لا مصلحة لهم بالدفاع عن إيران، التي تتعرض قواتها علناً للغارات الجوية الاسرائيلية في سوريا، فالروس يغمضون أعينهم عن رؤية الغارات الاسرائيلية.

الاستراتيجية الأمريكية الموضوعة على الطاولة تقول بإخضاع إيران على كل المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية، ولعلّ أول عمليات الاخضاع ستكون بإجبار إيران على سحب قواتها وميليشياتها من الأراضي السورية، وهذا يعني فشل الاستثمار الإيراني في الصراع السوري. هذا الفشل يتمثل بتبدّد مشروع الهلال الشيعي ذراع إيران في قيام إمبراطوريتها. الأمر الذي سيقود إلى خسارة إيران لطريق الحرير الجديد القادم من أوربا إلى سواحل لبنان وسوريا ثم إلى العراق وإيران وآسيا، وبالعكس.

إن خروج سوريا عن القبضة الإيرانية هو بوابةٌ لخروج إيران من باقي الساحات التي تتواجد فيها (لبنان، والعراق، واليمن)، وهذا يعني فشل ذريع لسياسة الاحتواء الإيرانية المبنية على مبدأ “تصدير الثورة” والهيمنة. هذا الفشل سيكون له تبعات سياسية داخلية، لا يمكن لحكومة ملالي طهران أن تتحمّل نتائجها.

إذاً ما الاحتمالات الحقيقية لقيام الحرب بين الأمريكيين الذين حشدوا الأساطيل في مياه الخليج العربي وفي البحر المتوسط، وبين إيران التي ترفع من سويّة تهديداتها باستهداف المصالح الأمريكية في المنطقة؟ وهل يمكن أن نأخذ تصريحات الرئيس الإيراني حسن روحاني بجديةٍ حين قال إن بلاده ستواصل تخصيب مخزون اليورانيوم في الداخل بدلاً من بيعه إلى الخارج؟

تصريحات روحاني لم تقف عند هذا الحدّ، بل أضاف عليها أن “إيران ستقوم بإنتاج اليورانيوم عالي التخصيب خلال 60 يوماً”. وهو أمرٌ اعتبرته شبكة CNN الأمريكية ينطوي على تهديدات تجعل “العالم أكثر خطورةً”. لذلك من المحتمل أن تدخل إيران الحرب بصورة محدودة، لتبرّر للداخل الإيراني أنها تتعرض لحرب غير متكافئة، وبالتالي ستُضطرُ إلى تقديم تنازلات جوهرية لمصلحة الولايات المتحدة وشروطها المعلنة، وهذا يعني فشل المشروع السياسي الإيراني الهادف لقيام الامبراطورية الفارسية وفق الرؤية الخمينية.

كذلك هناك احتمال وارد أيضاً أن يلجأ صقور الولايات المتحدة (بومبيو، وبولتون، وهاسبل) وصقور المحافظين الإيرانيين إلى لعبة الحرب والنار، وفي هذه الحالة ستشهد المنطق حروباً متتالية تنفرج عن خسائر فادحة للمشرع الإيراني، الذي ستتهاوى أحجاره على رؤوس حكّام طهران.

ويبقى السؤال: هل النارُ التي ستشعلها الحرب المتوقعة بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني ستلتهم عمائم ملالي طهران؟ وهل ستفرز الحرب نتائج تقول بإعادة ترتيب أحجار الدومينو في الشرق الأوسط بما يخدم الاستراتيجية الأمريكية البعيدة، ويخدم اسرائيل؟، أم أن الأمور ليست أكثر من حربٍ نفسية على إيران؟

الجواب ستحمله الأيام القادمة، من لعبة شدّ الحبل الأمريكية الإيرانية.

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي بروكار

  • Social Links:

Leave a Reply