نص مستعاد مقطع من رواية الأم 44 الفلسطينية بمناسبة ذكرى انطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية

نص مستعاد مقطع من رواية الأم 44 الفلسطينية بمناسبة ذكرى انطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية

Issam hamad
جورج حاوي شخصية في روايتي “الأم 44 الفلسطينية” عن الحرب الأهلية اللبنانية والاجتياح الإسرائيلي بالحشرات– أي بشخصيات حشريَّة– كان جورج حاوي الإنسان الوحيد الذي استعصى على التحشير أي التحوّل الى حشرة. إليكم ما كتبتُه عنه وعن جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية: هو إنسانٌ لبنانيٌّ. كان من الإنسانيَّة بحيثُ استعصَى على التَّحشير الإسرائيليِّ. لكن هاله انقلابُ بني جنسهِ حشراتٍ. وصمَّم على العودة بهم إلى الكرامة الإنسانيَّة- رافضاً دعوة صديقه الإنسان الروسيِّ، ليونيل بريجنيف، إلى اللجوء الإنسانيِّ في روسيا. وقد دأب جورج على الكتابة، بحرفٍ عربيٍّ فصيح، مُؤمناً بأن الكلمة “هي المناعةُ على التَّحشير”، ومُؤمناً أيضاً بأنَّ الدبابير ذات الشوكة هي “الطليعةُ الحشَريَّة في مُقاومة التَّحشير داخليَّاً كان أم خارجيَّا”. فجعل يتقرَّب منها في أوكارها بشُقوق أكواخ العمَّال والفلاحين ومَنامات الطلبة- ينتظر تفقيس بيُوضها، ويُشرف على إطعام يرقاتها، ويراقب نُموَّها وانسلاخها، ويسهر على رعايتها واحتِداد شوكاتها ونَبات أجنحتها، ثم يفرح لطيرانها، ويقلق عليها لدى مُهاجمتها مُكافحي الحشرات، لبنانيِّين كانوا أم إسرائيليِّين، فيحتفل بلسعاتها، ويحزن لإبادتها وسَحقها، مُصرَّاً على الاحتفاظ بهياكلها اليابسة في جُنينته بالوتوات على غُصون السنديانة العتيقة- وفاءً لذكراها وإجلالاً لتضحياتها.. حتى صار الرجُل للدبابير أباً، وعليها ملكاً، وباسمها كاتباً، تحُوم حوله أنَّى تنزَّه في الحديقة اللبنانيَّة “الجميلة”- مُتفوقاً في ذلك على الراحل كمال جنبلاط نفسه:
” أخاطبكِ أيَّتها الدبابير، أو بالأحرى
أخاطب الإنسانَ فيك. فأقول لكِ: لقد حملتِ على جناحك قضيَّةً من أنبل القضايا في تاريخنا العربيِّ المُعاصر. ألا وهي العودةُ بأهلنا المُحشَّرين إلى الكرامة الإنسانيَّة. ولا سبيلَ إلى ذلك إلا بالمُقاومة الشوكيَّة”.
لا أدري إن كانت الدبابير “تقرأ” هذا الكلام. بيد أن تلك الحشرات أصبحت لا تطيرُ ولا تحطُّ إلا بإشارةٍ من أبي أنيس- كما تدعُوه تحبُّباً- الدبابير الحمراء اللون، صانعة الورق منها، على وجه الخُصوص، راضيةً به أميناً على القضيَّة التي تلسعُ من أجلها وتقرِص.
أما نداء جميلة هذا فكان مكتوباً، على نسخات كثيرة، في أوراقٍ رماديَّة اللون خشنة، مُوزَّعة في أنحاء الجُنينة البيروتيَّة، بين الأشجار المحروقة، يُحوِّم عليها الذباب المحليُّ متفهماً مُتدبِّراً متسائلاً:
– أين وجد أبو أنيس ورقاً يكتب فيه؟
– إنها دبابيرُه الحمراء الصانعة للورق!
– تمضغُ لحاء الشجر اليابس. فتخلطُه بلُعابها، ثم تبني منه سطحاً. حتى إذا جفَّ صار ورقاً شبيهاً بالورق الذي كان يصنعُه ويكتب فيه إنسانُ ما قبل التَّحشير الإسرائيليِّ.
وكان ذبابةٌ صديقٌ لي يُدعى محمد دكروب يُحوم على الورقة تحت السنديانة. طرتُ إليه وسألته متودِّداً:
– كيف حالك أيها الرفيق؟
فرفع إلي عينيه الكبيرتين المُركَّبتين. وأجاب بعقلٍ شارد ونحن نحوم معاً:
– أهلاً يا روبرت فسك..
وقعتُ على الورقة قائلاً:
– ماذا يعني هذا الكلام؟
حطَّ دكروب فوق الورقة، على كلمة “إنسانية”. وقال شارحاً وعيناه تبرقان حماسة:
– لطالما كان تاريخ الإنسانية تاريخا للصراع بين المستغلين والمستغلين.
أما في الزمان القديم فكان الاستغلال متخذا شكل الحيونة، أي تحويل الناس إلى حيوانات. هذه الحيونة قسمَّت الكائنات بين مُحيوِن ومُحيوَن، أو حيوانات مفترِسة وحيوانات مفترَسة..
قلت أتابع منطقه:
– وأما في زماننا..
– في زماننا الراهن فإنه التحشير الذي يقسم الكائنات بين مُحشِّرين ومُحشَّرين، أو وحوش وحشرات.
جعلتُ أطير فأدور ثم أحطُّ على الورقة. ثم أعود فأطير وأدور وأحط- شأنَ الذبابة إذ تحاول الفهم. ثم سألته متحيرا:
– وهل من إنسان؟
مسح دكروب عينيه بقائمته كأنما يجلوهما. ثم قال:
– الإنسان تقهقر. فهو إمَّا وحشٌ أو حشرة. إذا داس أخٌ أخاه فسحقه، أو رشَّه بالمُبيد الحشَريِّ فأباده، مُسِخَ المسحوقُ المُباد حشرةً، وعلى النقيض، انقلب الآخرُ المُعتدي وحشاً لأنه سلب أخاه إنسانيَّته. وليس من إنسان الآن- حتى يُحَلَّ التناقضُ لصالح المُحشَّرين!
طرت راسما دائرة في الفضاء. ثم رجعت إلى دكروب أسأله:
– والاستغلال؟
فرفع الذبابة قائمتيه في الهواء وهو يجيب بقوة:
– هو الغاية من التحشير، بحيث تصير الجنينة بمحشريها مزرعة للوحوش، على ما شرح النداء.
أقلعتُ عن الورقة الخطيرة قائلاً:
– وصف النداء الدبابير بالطليعة الحشرية في مقاومة المحشرين..
فقاطعني دكروب إذ طار متحمسا وهو يهتف:
– إن على المُحشَّرين جميعا السعي لاستعادة إنسانيتهم. ولا سبيل إلى ذلك إلا.. (وابتعد الذبابة وهو يطنُّ مُردِّداً الشعار الشائع الذي كان أطلقه الإنسان الألماني كارل).. أيُّها المُحشَّرون في الأرض اتَّحدوا!
سألتُه وأنا ألحقُ به في الجوِّ:
– هل ستستجيبُ الدبابيرُ اللبنانيَّة للنداء؟
كان دكروب قد اختفى بين أغصان السنديانة. غير أنَّ الجواب جاء سريعاً… The Palestinian Centipede

  • Social Links:

Leave a Reply