بعض من ذكريات مع الصديق منصور أتاسي

بعض من ذكريات مع الصديق منصور أتاسي

عقاب يحيى

عرفته من زمن طويل مناضلاً في الحزب الشيوعي السوري يحمل همّ الوطن فيسكنه، ويدفعه للبحث عن مخارج.. بدءاً من إيجاد سبيل لمعالجة الأزمة التاريخية والبنيوية للحزب الشيوعي بقيادته المعروفة، وتوجيهه جملة من الانتقادات الجادّة لخط ومواقف الحزب، وغربته عن الواقع السوري ..

ـ أمام التصدّعات التي عرفها الحزب الشيوعي، خاصة بعد التحاقه فيما يعرف ب” الجبهة الوطنية التقدمية” التي أسهمت في مزيد تهميش الحزب ومسخه، وذلك الانشقاق الكبير المتمثل فيما يعرف بخروج جزء هام ـ اغلبية المكتب السياسي ـ وتكريس حالة تنظيمة منفصلة ( الحزب الشيوعي ـ المكتب السياسي ـ حزب الشعب لاحقاً) على قاعدة الخلاف العميق حول الخط السياسي…

ـ أمام ذلك عرف الحزب عدة حالات من الانشقاق، وكان الصديق منصور أتاسي حاضراً وفاعلاً، خاصة فيما عرف ب”هيئة الشيوعيين” والطموح أن تتطور لفعل شيء جديد عساه يسهم في توحيد الحركة الشيوعية واليسارية، ويمنع مسار الانحدار المتلاحق ..

ـ حين لم تثمر تلك المحاولة أسس وبعض رفاقه “حزب اليسار الديمقراطي” واختير أميناً عاماً له من منطلق أن يكون منفتحاً على مختلف التيارات اليسارية، وأن يسهم في وحدة عمل التشكيلات اليسارية إما بقبولها داخل هذا الحزب، أو عبر صيغ تحالفية، توافقية.

ـ الصديق منصور كان متميّزا بمواقفه عن عديد الشيوعيين بانتمائه الكلي للثورة السورية منذ قيامها وانخراطه فيها، والمشاركة بفعالياتها، بما في ذلك المظاهرات التي كانت حمص أحد أهم ساحاتها، ثم عاصمة حقيقية للثورة، فتعرّض للاعتقال نتيجة تلك المواقف والجهود التي كان يبذلها مع مروحة واسعة من الأطياف والفعاليات السورية .

ـ عام 2012 وكان النظام في بداية انهياره، وسورية تحتشد بمعظم مدنها ومناطقها بمظاهرات مليونية وبمئات الآلاف.. قررت الجامعة العربية عقد مؤتمر موسّع للمعارضة تحت رعايتها بهدف تجميع قواها، والبحث عن صيغة لتوحيدها عبر ما يعرف بتشكيل ” لجنة متابعة” فتشكّلت اللجنة التحضيرية التي ضمّت معظم الأطياف والقوى الفاعلة في الثورة، ووصل العدد إلى 18 عضواً، وبعد مناقشات حول عدد من يمثلون هيئة التنسيق، وافقت قيادة هيئة التنسيق على المشاركة بعضوين منها، هما : الصديق منصور أتاسي، والأستاذ محمود مرعي والتحقا بتلك اللجنة التي كانت تعقد جلساتها المكثفة يومياً بالقاهرة.

ـ سمح العمل في تلك اللجنة التعرّف عن قرب على توجهات وآراء وشخصية الأستاذ منصور الذي كان يجمع بين تشرّبه العميق للنظرية العلمية وبين محاولة تطوير ذلك المألوف من المواقف التقليدية باعتماد الديمقراطية نهجاً، ونظاماً، ومخرجاً، وسبيلاً لإقامة الدولة المدنية الديمقراطية، وكنا قد قطعنا خطوات في مناقشة الوثيقة النظرية ” وثيقة العهد” التي تحدد رؤية المعارضة لسورية القادمة، وطبيعة النظام المنشود، وكانت مساهمته تغني النقاش وتضفي عليه بعداً نظرياً مغمّساً بمسحة إديولوجية .

ـ من خلال النقاشات اليومية تضاءلت التباينات، وأعلن الأستاذ منصور استعداداً مفتوحاً للتناغم مع الآخرين، وتطوير مواقفه، والتراجع عن بعض التوجهات التي بدت غير عملية، وصولاً إلى التوقيع من قبل جميع أعضاء اللجنة التحضيرية على وثيقة العهد التي تعتبر من أهم وثائق المعارضة والتي حددت ثوابت الثورة، ورؤيتها للواقع والمستقبل، ولطبيعة النظام المنشود عبر إقامة الدولة المدنية الديمقراطية التي تساوي بين جميع المواطنين بغض النظر عن الجنس والقومية والإثنية والدين والمذهب على أساس المواطنة، وعبر دستور عصري يقره الشعب باستفتاء عام .

مع تغيّر الأوضاع في مصر غادر عديد السوريين باتجاه تركياً غالباً، وكان من بينهم الصديق منصور الذي واظب بدأب على حيوية لم تتوقف عبر المشاركة بمعظم الورشات والندوات التي تعقد، والتقدّم بمبادرات نظرية وسياسية وعملية كمخارج لأزمة الثورة وما عرفته من تعقيدات، ولم يبخل بوجهات نظره، ونقده الموضوعي لمؤسسات المعارضة، خاصة الائتلاف، وللعمل العسكري عبر الفصائل، وتوجيه سهامه ضد بعض التشوّهات والسلبيات التي لحقت بالثورة، ولظواهر الإسلاموية التي أرادت احتكار الثورة وفرض نمطية معينة عليها، وآثار ذلك على الحاضنة الشعبية، وعلى موقع الثورة داخلياً وإقليمياً وعالمياً .

ـ كثيرة لقاءاتنا الحوارية في الائتلاف، أو في منزله المتواضع، أو من خلال عديد الندوات والورشات التي شاركنا فيها، وكان حضوره بارزاً في جميعها، ويحمل مبادرات يرى فيها السبيبل لمعالجة الواقع الصعب، ومن ذلك : السعي الجاد لعقد مؤتمر وطني لقوى وفعاليات المعارضة تنبثق عنه هيئة تمثل الثورة بشكل أفضل، وطالما تناقشنا في الظروف المانعة لعقد مثل ذلك المؤتمر ـ على أهميته ـ والبحث عن حلول متدرّجة، أو واقعية يمكن أن تكون المدخل، أو الممهد لمثل ذلك المؤتمر .

لقاءاتنا الأخيرة كانت في الورشة التي عقدها مركز حرمون ـ صالون الكواكبي ـ في 13 أكتوبر 2019، وإغنائه تلك الورشة بمداخلة عبّر فيها عن وجهة نظره . كما التقينا بعد أيام في احتفالية أقامها مركز حرمون لتكريم عدد من الخريجين في اتقان لغة الترجمة للأرشيف العثماني، وكان لنا حديث لم يخلّ من بعض الطرف، وقد اشتهر بخفة دمه، وكان يحرص دوماً في السؤال عن صحتي وينصحني بترك التدخين بعد أن طلب منه الطبيب ذلك، وردّي عليه بما يشبه النكتة بأنك أنت ” ابو مطيع”، وأنا اسمي عقاب فضحك من قلبه.. كعادته بتلك الطيبة البارزة، وتلك الإنسانية الواضحة في تعابيره وسلوكه .

مسكون بالفكر والسياسة والوطن الصديق أبو مطيع، لا تهزّه الصعوبات والتعقيدات فيبقى ممسكاً بالأمل، وتصور الحلول، يعلو فوق مصاعب الغربة، والعمر، والمرض ليعطي الكثير من روحه، وتجربته، وثقافته ..ولعل من أهم تكوينه قبوله بالرأي الآخر مهما كانت مساحة الخلاف، وتعامله بتلك الأريحية مع الآخرين المختلفين معه، محافظاً على علاقته بالجميع.

ـ في زيارتي للأهل بالجزائر علمت أن جلطة أصابته وأنه أدخل الإنعاش نتيجتها، ولم أقدر أنها ستكون حاسمة، وسترتحل به.. وحاولت الاتصال به فلم يردّ على غير عادته.. وكان الرحيل ..

سيبقى الرفيق منصور أتاسي قامة وطنية بارزة، وستبقى بصمته الخاصة تراثاً للمناضلين السوريين، ولرفاقه في حزب اليسار الديمقراطي، ولأصدقائه ومحبيه الكثر ..

  • Social Links:

Leave a Reply