نتابع نشر الكراس الذي كتبه المفكر الماركسي البريطاني جون مولينو في منتصف الثمانينات
ماهي الماركسية 3/6
2 – المكانة العلمية للماركسية:
بالنسبة لكثير من الناس، يتنافى تعريف الماركسية بأنها نظرية طبقة اجتماعية معينة مع ادعائها بأنها نظرية علمية. تسير الحجة في الاتجاهين، فمن ناحية هناك من يعترفون بأن الماركسية قائمة على أساس مجموعة اجتماعية محددة وبالتالي ينكرون مكانتها كعلم. في طليعة ممثلي وجهة النظر هذه عالم الاجتماع كارل مانهايم.(22) ومن ناحية أخرى هناك الذين يرون الماركسية كعلم وبالتالي ينكرون اشتقاقها من وجهة نظر الطبقة العاملة. وأكثر أنصار هذا الرأي أهمية من المعاصرين هو لويس التوسير الذي يرى أن مثل هذا التعريف يختزل الماركسية إلى مستوى الأيديولوجية. هذه الاعتراضات هي نتاج خلط مزدوج، أولا فيما يتعلق بطبيعة العلم الطبيعي، وثانياً فيما يتعلق بعلاقة العلم الطبيعي بالعلم الاجتماعي.
ينظر إلى العلم الطبيعي على أنه مصدر لمعرفة دقيقة (موضوعية) وغير محددة اجتماعياً، وبالتالي فهو يتخذ كنموذج للعلم الاجتماعي (الموضوعي) إلا أن هذا الرأي حول العلم الطبيعي هو نفسه نتاج اجتماعي. فهو في التحليل الأخير مشتق من التحالف بين العلم والبرجوازية الذي كان ضرورياً من أجل المعركة ضد الإقطاع ومن أجل تطوير الصناعة الحديثة. فمثلما صورت البرجوازية قوانين الرأسمالية على أنها طبيعية وخالدة، فقد صورت البرجوازية إنجازات العلم على أنها حقيقة مطلقة. إلا أن تاريخ العلم يظهره كسلسلة من الحقائق النسبية المؤقتة يتم إنتاجها بدافع حاجات إنسانية عملية متطورة والتي تبرهن بدورها على صحتها عمليا، أي بتوفير إمكانية أداء مهام محددة(23)، بالتالي فالعلم الطبيعي ليس مطلقاً وإنما تاريخي ومتغير.
يخضع العلم الاجتماعي بكامله، بما في ذلك الماركسية ، لنفس تلك القيود بالطبع إلا أن هناك أيضاً فارقاً أساسياً بين العلم الطبيعي والعلم الاجتماعي. يمتلك العلم الطبيعي موضوعية(24) ليست متاحة للعلم الاجتماعي. هناك سببان أساسيان لذلك:
المعرفة هي دائماً علاقة بين العارف والمعروف، بين الذات والموضوع. في العلم الطبيعي، موضوع المعرفة هو الطبيعية الموجودة خارج الإنسان، إلا أن المجتمع هو البشر، انه مجموع العلاقات الإنسانية(25). إن الطبيعية وقوانينها ليست من خلق الإنسانية على عكس المجتمع والقوانين الاجتماعية. في إمكان الرجال والنساء أن يغيروا عالم الطبيعية، ولكن فقط على أساس قوانين طبيعية لا يمكن تغييرها. أما القوانين الاجتماعية فيمكن تغييرها، ونتيجة هذه الفوارق هي أن الناس جميعاً لديهم على وجه التقريب نفس العلاقة بقوانين الطبيعة، إلا أن لديهم علاقات مختلفة بوضوح بقوانين المجتمع. هكذا على أساس قانون الجاذبية سيصطدم العامل والرأسمالي الساقطين من برج بيزا المائل بالأرض بنفس السرعة وبنفس النتائج، إلا أن قانون القيمة ليس له نفس النتائج بالنسبة للعامل والرأسمالي، أنه ينتج الفقر لأحدهما والغني للآخر، ولهذا السبب فان فكرة علم طبيعي بروليتاري في مواجهة البرجوازي هي قطعة من الهراء الستاليني(26)، ولكن، “توقع أ، يكون العلم الاجتماعي عبودية الأجر هو بنفس سخافة وسطحية توقع الحياد من أرباب الأعمال حول مسألة ما إذا كان ينبغي زيادة أجور العمال عن طريق تخفيض أرباح رأس المال”(27).
إن هدف المعرفة هو المساعدة في تغيير الواقع. ينطبق هذا بنفس القدر على العلم الطبيعي والاجتماعي. البرجوازية لها مصلحة في تغيير العالم الطبيعي، أنها في الواقع مدفوعة باستمرار لتغييره، من أجل تراكم رأس المال، أنها تحتاج بالتالي العلم الطبيعي. أما فيما يتعلق بالمجتمع، فالمصلحة الحقيقية للبرجوازية ليست في تغييره بل في الإبقاء عليه كما هو وبالتالي فحاجة البرجوازية ليست للمعرفة الاجتماعية، وإنما التبرير الاجتماعي، أي الأيديولوجية.(28) هكذا فان الكثير مما يؤخذ على أنه علم اجتماعي برجوازي ليس علماً من أي نوع، وإنما ببساطة تبرير وتعمية. (تعد نظرية المنفعة الهامشية في القيمة في الاقتصاد ونظرية التعددية في القوة السياسة أمثلة جيدة).
بالطبع تحتاج البرجوازية أن تغير المجتمع داخل حدود معينة، حدود نمط الإنتاج الرأسمالي، وبالتالي يوفي العلم الاجتماعي البرجوازي قدراً محدداً من المعرفة الحقيقية – معرفة يمكن استخدامها ضد الرأسمالية – ولكن هذه المعرفة دائماً ما توضع داخل إطار نظري يعوق الفهم الحقيقي للمجتمع ككل. الطبقة الوحيدة التي لا مصلحة في، وقدرة على، التوصل لفهم المجتمع ككل، هي الطبقة التي لها مصلحة في وقدرة على تغييره ككل – وهي البروليتاريا. وكما ذكر ماركس “إن وجود أفكار ثورية في فترة معينة يفترض وجود طبقة ثورية”(29). هكذا فان الأساس الطبقي للماركسية لا يقلل من مكانتها كعلم، بل على العكس من ذلك هو بالضبط ما يجعل طابعها العلمي ممكناً.
وهناك حجة أخرى ضد هذا الرأي وهي في الواقع امتداد للحجة التي تناولناها أعلاه، هي أن يضيق ويحد بشكل خاطئ من قابلية الماركسية للتطبيق. تقدم بهذه الحجة لوكاش في كتاباته المتأخرة. في دراسته للينين عام 1924 بدأ لوكاش بهذه الجملة “المادية التاريخية هي نظرية الثورة البروليتارية”(30) ولكنه يتخلى عن هذه الفكرة في التذييل الذي كتبه عام 1967 واصفاً إياها بأنها نتاج أفكار ذلك الوقت، كما يعترض على محاولة اختزال الشمول الاجتماعي للمادية التاريخية إلى بعد واحد وعرقلة ثروتها الحقيقية والمنهجية بواسطة مثل هذا التعريف.(31)
هذا الاعتراض مخطئ لان تعريف الماركسية كنظرية طبقية لا يحصرها بأي حال من الأحوال في تحليل الصراع البروليتاري فقط أو حتى المجتمع الرأسمالي فقط (وان كان ذلك بالطبع مهمتها الرئيسية). من الممكن تماماً تحليل التاريخ الإنساني بأكمله من وجهة نظر البروليتاريا. خذ على سبيل المثال مقال إنجلز حول “الدور الذي لعبه العمل في الانتقال من القرد إلى الإنسان” فالفكرة الأساسية لهذا لمقال هي “أن العمل هو الشرط الأساسي الأول لكل الوجود الإنساني.. وأن العمل بمعني ما .. خلق الإنسان نفسه”(32). لم يكن من الممكن التوصل لذلك إلا من خلال فهم عمل الطبقة العاملة الحديثة.(33) وبالفعل فقد تم اشتقاق الفكرة بهذه الطريقة حيث نجدها بشكل جنيني في مخطوطات 1844 والأيديولوجية الألمانية(34) أي قبل قيام ماركس وإنلجز بأية أبحاث أنثروبولوجية، وقبل دارون.
فضلاً عن ذلك، يقوم إنجلز في المقال نفسه بالإشارة إلى الاستنتاج السياسي النابع من طرحه، ألا وهو ضرورة ثورة كاملة في نمط الإنتاج القائم.(35) إن الشمول الاجتماعي الذي يطلبه لوكاش تمتلكه الماركسية بالضبط لأنها قائمة على مصالح البروليتاريا، الطبقة الشاملة، شاملة بمعنى أنها حاملة مستقبل وتحرر الإنسانية كلها – بحكم عدم احتياجها لطبقة فوقها تحكمها أو طبقة تحتها تقوم هي باستغلالها – قادرة على تكون كل الإنسانية. إن اعتراض لوكاش لا يعني أنه فهم الماركسية بشكل أعمق وإنما يعني ببساطة تخليه عن الموقف الطبقي الثوري من خلال استيعابه في الستالينية.

Social Links: