ماجد كيالي_الشرق الأوسط
يجادل البعض في أن تأثير الكفاح المسلح الفلسطيني ينبغي ألا يُختصر أو يُختزل في عدد القتلى والجرحى الإسرائيليين، بالنظر لفداحة خسائرنا بالقياس لخسائرهم، وربما للتغطية على ذلك، وإنما يجب أن يُنظر إليه بمعايير سياسية واقتصادية، أيضا، وهو كلام صحيح تماما، لكنه بحاجة للمراجعة أو التفحّص، لمعرفة صوابية هذا الحكم.
على الصعيد السياسي، مثلا، كانت الانتفاضة الشعبية الأولى هي اللحظة التي جلبت أوسع تعاطف دولي مع الشعب الفلسطيني، وهي التي عززت التناقضات في المجتمع الإسرائيلي، بين اليمين واليسار، والمعتدلين والمتطرفين، وبين الإسرائيليين المستوطنين في الضفة والإسرائيليين في 48. بيد أن إسرائيل استطاعت في الانتفاضة الثانية، التي غلب عليها طابع العمليات التفجيرية، مستغلة الحرب الدولية على الإرهاب (11 سبتمبر 2001)، أن توصم المقاومة بالإرهاب، وأنها تستهدف المدنيين، وسهلت لها مخاطبة الإسرائيليين باعتبار أن تلك العمليات التفجيرية لا تتوخى إنهاء الاحتلال (1967) فقط وإنما هي تستهدف اقتلاع اليهود الإسرائيليين من كامل أرض فلسطين.
عدا ذلك يمكننا أن نرى أن مكانة إسرائيل على الصعيد السياسي ليست في تراجع، بل إنها باتت تتقدّم باضراد، وهي أضحت في مكانة، وفي علاقة، مرموقتين، مع روسيا مثلا، التي كانت سندا للشعب الفلسطيني في زمن الاتحاد السوفييتي، وحتى مع الصين، التي استقبلت أول وفد لحركة “فتح” في منتصف الستينيات، ومع الهند، التي كانت في قيادة دول عدم الانحياز، وكل تلك الدول لها علاقة تعاون وطيدة مع إسرائيل في مجالات السياسة والاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا، وفي مجال الأمن أيضًا.
أما على الصعيد الاقتصادي، فإن بيانات البنك الدولي تشير إلى احتلال اقتصاد إسرائيل المركز 32 بين دول العالم، من حيث الناتج المحلي الإجمالي عام 2018، بقيمة 369.7 مليار دولار، بينما جاء الاقتصاد الفلسطيني في المركز 123 دوليا بقيمة 14.6 مليار دولار، أي أن الاقتصاد الإسرائيلي يمثل 25 ضعفا لحجم الاقتصاد الفلسطيني، وكان نصيب الفرد في إسرائيل من الناتج المحلي السنوي عام 2018 نحو 41 ألفا و715 دولارا، محتلا المركز 25 بين دول العالم من حيث نصيب الفرد من الناتج، بينما بلغ نصيب الفرد الفلسطيني من ناتج بلاده 3199 دولارا، علما بأنه في مكانة المركز 128 بين دول العالم، علما بأن نسبة السكان تحت خط الفقر في فلسطين بلغت 29.2 في المئة.
وبلغة الإحصائيات والأرقام بلغت التجارة السلعية الإسرائيلية عام 2018 نحو 136 مليار دولار، مقابل 9.4 مليار للتجارة السلعية الفلسطينية، أي أزيد بأكثر من 14 ضعفا، أما بالنسبة للصادرات السلعية لإسرائيل فسجلت حوالي 59 مليار دولار (في المركز السابع والأربعين عالميا)، مقابل 2.3 مليار فقط للصادرات السلعية الفلسطينية (في المركز 115 دوليا).
وفي التفاصيل فإن الناتج القومي لإسرائيل ظل يرتفع حتى في ذروة المواجهات المسلحة إبان الانتفاضة الثانية، إذ ارتفع من 104 مليارات دولار للعام 2002 إلى 123 مليارًا للعام 2005، وهذا ينطبق على الصادرات التي ارتفعت في العامين المذكورين من 29 مليار دولار إلى 42 مليارًا، بمعنى أن الاقتصاد الإسرائيلي لم يتراجع ولم يتوقف، بل إنه ظل مستمرا، في حين الأمر بالنسبة للفلسطينيين كان عكس ذلك، سيما مع تدمير إسرائيل البنى التحتية والمشاريع والبيوت.
اللافت أن الأمر انعكس على الفجوة بين الفلسطينيين في الضفة والفلسطينيين في غزة، إذ يبلغ الناتج المحلي (2018) للضفة حوالي 12 مليار دولار، في حين أنه يبلغ في غزة حوالي 3 مليارات، وبينما نسبة البطالة في الضفة 18 بالمئة هي في غزة 52 بالمئة. (106).
وفي المقارنة بين الطرفين، إن جاز ذلك، فقد بلغ الناتج المحلي لإسرائيل في العام 2003 مبلغا قدره 119 مليار دولار، مع نصيب للفرد قدره 17.8 ألف دولار، في حين انه في العام 2019 بات 390 مليار دولار، مع نصيب للفرد قدره 43 مليارًا.
أما بالنسبة للفلسطينيين فبلغ الناتج المحلي الإجمالي لهم في العام 2003 نحو 3.7 مليار دولار، مع نصيب للفرد قدره 1.2 مليار دولار، وحقق في العام 2019 حوالي 16.8 مليار مع نصيب للفرد قدره 3.6 مليار، مع معرفتنا بالفارق الكبير بين وضعي الضفة وغزة، ومع ملاحظة أخرى تفيد بأن دخل إسرائيل ارتفع إبان الانتفاضة الثانية من 119 مليار دولار في العام 2003 إلى 146 مليارا في العام 2006، ومع العلم أن موازنة حكومة إسرائيل وحدها تبلغ 85 مليار دولار، وأن إنفاقها العسكري يبلغ 21 مليار دولار سنويا.
وفي السياق نفسه يمكن ملاحظة أنه حتى في مجال الاستيطان ثمة توسع كبير، حتى في ظل الانتفاضة الثانية، فبينما كان عدد المستوطنين (في 2002) حوالي 400 ألف في الضفة وضمنها القدس، ارتفع عددهم (في 2006) إلى 470 ألف مستوطن، ووصل عددهم في العام 2019 إلى 670 ألف مستوطن.
وبدهي أنه في أوضاع هي كذلك، وحتى لو تجاوزنا إمكانيات إسرائيل العسكرية، ومقدرتها على تدمير القطاعات الاقتصادية الفلسطينية، فإن الفلسطينيين يخسرون في المعركة على هذا الصعيد، وهي ليست خسارة مادية فقط، أي ذات تأثيرات آنية، وإنما هي خسارة على المدى البعيد، وتمس قدرة الفلسطينيين على مواصلة الكفاح، وعلى تمكينهم من تعزيز صمودهم وبناء كياناتهم.
قصارى القول، فإن وضعا هو على النحو الذي ذكرناه، سياسيا واقتصاديا، لا يخدم استمرارية الكفاح المسلح الفلسطيني، بل إنه لا يخدم صمود الفلسطينيين في أرضهم، بقدر ما أنه يجعلهم عرضة للابتزاز والارتهان الإسرائيليين، سيما بالطريقة التي أُدير بها.
والفكرة أن أي شكل نضالي للفلسطينيين يُفترض أن يكون مدروسا، ومحسوبا بخصوص جدواه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بحيث يأتي كي يعزز صمودهم وأن يحصنهم إزاء أي سياسة تنتهجها إسرائيل، لا أن يستنزفهم هم بدل أن يستنزف الإسرائيليين.

Social Links: