زكي الدروبي
انتفض فلاحو كسروان في عام 1859؛ بعد أن أثقلتهم الضرائب المتزايدة، والممارسات الإقطاعية التي كانت سائدة في لبنان، ضد الإقطاعي المستغل لعرقهم وجهدهم. وامتدت هذه الانتفاضة لمناطقَ كثيرةٍ في لبنان والساحل السوري، وطُرِدَ الإقطاعيون من أراضيهم وقصورهم، وتدخل رجال الدين الموارنة بتسليح الفلاحين الموارنة، وسلح الإقطاعيون الدروزُ الفلاحين الدروزَ. واستمر الحقن الطائفي والمذهبي، إلى أن تفجر في أيار 1860 بسبب عراك بين طفلٍ درزي وآخر ماروني؛ وخلال ثلاثة أيام دُمرت ستون قرية، ودُمرت معها مزارع التوت، وورشات تربية دودة القز؛ واستفادت فرنسا من هذا التدمير، لصالح مزارع التوت وصناعة الحرير في مستعمراتها الجزائرية.
دمار دمشق بعد فتنة 1860
كانت انتفاضة فلاحين مهمشين ضد إقطاعي ظالم، تدخلت فيها المصالح الدولية (السلطنة العثمانية، والإنكليز، والفرنسيين.. إلخ)، ومصالح المستفيدين المحليين “التحريض الطائفي من قبل رجال الدين الموارنة، والإقطاعي الدرزي”؛ فاقتنع الفلاحون الدروز الفقراء -أصحاب المصلحة الحقيقية في الثورة على هذا الإقطاعي- بأن الانتفاضة الفلاحية تمثل اعتداءَ فلاحين موارنة على الزعيم الدرزي، وحصل اقتتال راح ضحيته الفلاحين من الطرفين، وبقي الإقطاعي سيدًا مستمتعًا بالخيرات تأتيه من عرق جبين الفقراء.
انتقلت الفتنة إلي دمشق؛ لتشهد فتنة أخرى مسيحية إسلامية، يؤكد المؤرخون أن أبطالها -من غوغاء ومجرمين- أتوا في غالبيتهم من خارج مدينة دمشق، وراح ضحيتها الفقراءُ أيضًا، ودُمر حيُّ القيمرية (المسيحي) مركز صناعة النسيج (الدامسكو وغيره من المنسوجات الحريرية)، التي كانت صناعة متطورة تضاهي الصناعة العالمية، ولو قُدِّرَ لهذه الصناعة أن تبقى لكانت سوريا مركزًا صناعيًا متقدمًا على مستوى العالم.
فهم النظامُ الديمغرافيةَ السوريةَ جيدًا؛ فاستعمل تناقضاتها لتأليب المواطنين بعضهم على بعض، مبقيًا مكونات الشعب السوري في حال انقسام وخوف دائمين؛ كي لا يقوى هذا الشعب على مواجهة استبداد السلطة، التي يلجأ لها في مواجهة جاره العدو -كما أقنعه نظام الأسد- بدلًا من السلطة المستبدة الناهبة لجهده وعمله. رأينا -جيدًا- التقسيم واختلاق الفتن قبل ثورة 2011، حين حاول خلق فتنة بدوية درزية بالسويداء، وأخرى بين العرب والأكراد في القامشلي.
أخفى النظامُ حقيقةَ الأحداث (انتفاضات محلية ضد استبداده وأعوانه، ونهبهم وعدوانهم)، مظهرًا إياها (فتن طائفية محلية بين الدروز من جهة، والبدو السنة في الجنوب من الجهة الأخرى) أو (فتن قومية محلية بين الأكراد من جهة، والعرب في الشمال الشرقي من الجهة الأخري) أو (فتنة بسبب مباراة كرة قدم). الحقيقة المخفاة، فهمها الجار الخائف المتوتر على أنها حدثٌ موجهٌ ضد وجوده، وليس ضد السلطة الناهبة القاتلة لكلا الجارين.
كرر النظامُ ألاعيبَه التقسيميَّة -كعادة المستبد- بعد آذار 2011، قائلاً: إن ما يحدث عدوانٌ من قوى خارجية بأدوات داخلية طائفية وقومية، (سلفية سنية)، ودفع الجميعُ بقذارة لانقسامٍ واقتتالٍ لا يستفيد منه سواه، وأصبح ما قاله عن السلفية الجهادية السنية أمرًا واقعًا فيما بعد، (مشاهد قطع الرؤوس، والتهديد بمحو الطوائف لبعضها البعض)، وما سبق أن قاله عن الأكراد، وتخويفه لجيرانهم العرب من أنهم طامحون لدولة مستقلة، يحققه اليوم بعضُ الطامحين لمصالحَ وزعاماتٍ سياسية، أو أغبياء موتورون متحمسون من جميع الأطراف؛ وأصبح تبادلُ الشتائم والتهديد بالإفناء -علنًا، وبشكل فج وقذر- أمرًا عاديًا في التعليقات، سواءٌ على منشورات الفيسبوك، أو عبر مقالات وبيانات تخص هذا الشأن أو ذاك.
وقد يشطح بنا التفكير للقول: إن المستفيدين من حرف الصراع عن أهدافه، يدخلون بحسابات وهمية، ويكتبون تعليقات ساخنة في وسائل التواصل الاجتماعي، تحقن البغضاء والكراهية، وتنمي الخوف من الآخر؛ لتتحقق في النهاية مقولته بوجود سلفية جهادية تُقَّطِّع الرؤوس، وتريد إفناء الطوائف والناس المغايرين لفكرهم، وبأن الأكراد السوريين لديهم مشروع الانفصال عن سورية؛ أليس هذا ما بشَّرَ به النظامُ في آذار 2011 ؟!.
وفي لبنان، ترسخت الزعامات الإقطاعية بعد 1860 بشكل أكبر، وتسلطت على رقاب البسطاء. وبعد الحرب الأهلية اللبنانية -التي راح ضحيتها الكثير من اللبنانيين- تحول زعماءُ الميليشيات الطائفية المتقاتلة إلي زعماء أحزاب سياسية. ولا زالت مصالح الناس مستباحة، ولازال الإقطاع بشكله الجديد، جاثمًا فوق صدور المساكين والفقراء؛ يعبر عن مصالحه فقط، ولا يرى مصالحَ الناس إلا من خلالِه.
قبل 160 عامًا من يومنا هذا، استطاع المتنفذون المحليون والقوى الدولية تحريفَ ثورة الفلاحين اللبنانيين ضد الإقطاعي المستبد، وجعلها فتنة طائفية لا تبقي ولا تذر؛ وفي 2011 ثار السوريون ضد المستبد، واستطاع دفع ثورتهم وتشويهها ردحًا من الزمن، ولا يزال يحاول خلق الفتن والتنازع بين أبناء الوطن الواحد. في التاريخ الأول عبرة ودرس لمن يعيش في التاريخ الثاني، فهل يتعظون؟.

Social Links: