علاقة الدين بالدستور في عصر المواطنة 1/2

علاقة الدين بالدستور في عصر المواطنة 1/2

أحمد الرمح – حرمون :

منذ اللحظات الأولى للانتفاضة السورية، اعتمد النظام سياسة التسويف والمماطلة لكسب الوقت، وقد نجح في ذلك بامتياز، وأسهمت المعارضة الرسمية في إنجاح سياسة النظام، من خلال العزف على وتر الشعبوية الدينية التي قسمت الشارع الثوري عموديًا؛ فزادت من حدِّية الزوايا المجتمعية هوياتيًا، بطرحها مشروعات إسلاموية، أخافت الآخر الثوري، ودفعته إلى الابتعاد مبكرًا، لانحراف المسار الثوري عن أهداف الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، فكانت خسارة ما نزال ندفع ثمنها حتى يومنا هذا.

بهذين السلوكين: سلوك النظام الخبيث بالمماطلة، وسلوك المعارضة المداهن للشعبوية المتدينة؛ أضفنا خسارة أخرى إلى خسائرنا الثورية، تمثلت بخسارة التعاطف الدولي مع ثورتنا، حيث بات يراها حربًا أهلية، وصراعًا بين نظام دكتاتوري وإرهابيين، لتتحول أجمل ثورة عرفها التاريخ السوري إلى مأساة إنسانية لا نظير لها في هذا القرن.

هذه المقدمة تدفعنا إلى التساؤل، ونحن نمرّ بمرحلة اللجنة الدستورية ومعركة كتابة الدستور: ما علاقة الدين بالدستور والدولة في عصر المواطنة؟

هذا السؤال متعلق على نحو كبير بخبث النظام وبغباء المعارضة اللذين أشرت إليهما في المقدمة؛ إذ إن المعلومات التي رشحت من اجتماعات المعارضة في لقاء الرياض، وكواليس جنيف، تحدثت عن صراع ضمن وفد المعارضة ذاته، حول دور الدين في الدستور، بين فريقين: الأول إسلاموي يريد دورًا للشريعة الإسلامية يمنع مخالفتها بحسب تصوره! والثاني يريد دستورًا علمانيًا لا علاقة للدين به([1]).

إن الاصرار على وضع عبارة في الدستور تقول بأن الشريعة الإسلامية مصدر أو المصدر، لبعض قضايا الدستور والقانون، يدخل في باب الشعبوية الدينية التي يحاول التيار الإسلاموي من خلالها القيام بثورته المضادة الجديدة على الشارع الثوري، بعد ثورات مضادة عدة، بدأت أولاها بالمجلس الوطني الذي خطف الثورة باسم الدين، ويريد إعادة الكَرَّة في معركة الدستور، مستغلًا حالة التدين الفطري عند الشارع السوري.

للدستور مهمتان أساسيتان: الأولى تأمين حرية المواطن وحماية كرامته، وتحقيق العدالة الاجتماعية للجميع؛ والثانية ترسيم الحدود بوضوح بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية. وأي دستور لا يحقق ذلك فهو دستور أبتر.

من يرسم ملامح الدستور ويضع خارطته؟ ومن يصوغ مواده؟

المتعارف عليه أن من يضع الدستورَ فريقان: الأول فريق سياسي واقتصادي واجتماعي ذو خبرة، يرسم الملامح العامة التي يجب أن يكون عليها الدستور؛ والفريق الثاني مكوّن من فقهاء دستوريين وحقوقيين، ويكون دوره تحويل هذه الملامح العامة إلى مواد دستورية، يوافق عليها الشعب، ثم تُرسل إلى فريق قانوني، ليستنبط مواد القانون العام من تلك الفقرات الدستورية.

 

في المعركة “الدونكيشوتية” القائمة بين فريق المعارضة ذاته وفريق المعارضة مع فريق المجتمع المدني، مارس الإسلامويون ثورتهم المضادة الجديدة بشعبوية دينية، لعلّ الإسلام السياسي يستعيد جزءًا من شعبيته بعد أن كفر جلُّ السوريين به، ولم يعودوا يثقون به، لما جرَّ عليهم من ويلات حولت انتفاضتهم إلى مأساة إنسانية قاسية مع نظام استبدادي فاقد لكل شروط الإنسانية.

 

كيف بدأت فكرة أسلمة الدستور؟

في منتصف القرن الماضي، بدأت بعض الدول العربية تنال استقلالها، ومنها سورية، وبدأت استحقاقات شكل الدولة الحديثة تفرض نفسها، ومن هذه الاستحقاقات أن يكون هناك دستور ينظم ويضبط العلاقة بين الدولة ومؤسساتها والمجتمع. بدأ البرلمان السوري سنة 1950 مرحلة كتابة الدستور الذي جاء معززًا لصلاحيات البرلمان ومقلصًا لصلاحيات رئاسة الجمهورية، للحد من أطماع الأقطاب السياسية والعسكرية، آنذاك. لكن صراعًا جديدًا ظهر بين تيار الإسلام السياسي والتيار العلماني حول أسلمة الدستور الجديد.

تزعم تيار الإسلام السياسي آنذاك (مصطفى الزرقا ومعروف الدواليبي ومحمد المبارك، بقيادة مصطفى السباعي) أما التيار العلماني فكان بزعامة (أكرم الحوراني)؛ إذ طرح التيار الإسلامي مسألتين للأسلمة: الأولى دين الدولة الإسلام؛ والثانية دين رئيس الجمهورية الإسلام. انتهى الصراع بالتوافق بينهما على أن تبقى فقرة (دين رئيس الجمهورية الإسلام)، وتم تعديل عبارة (دين الدولة الإسلام) إلى عبارة أخرى (الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع).

عندما وضع حافظ أسد دستور 1973، حاول إلغاء المادة الثالثة، لكن ووجه باحتجاجات كبيرة، قام بها الإخوان المسلمون آنذاك، وتزعم الحراك ضد الأسد (سعيد حوى، ومروان حديد، ومحمد علي مشعل) ووافق الأسد الأب على بقاء الفقرة، وتم تعديل فقرة (الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع) بإلغاء أل التعريف منها.

هذا التنازل من الأسد الأب جاء بعد أن أصدر الشيخ سعيد حوى فتواه بالرِدَّة في كتابه (من أجل خطوة إلى الأمام على طريق الجهاد المبارك)؛ إذ نقد فكرة سيد قطب القائلة بجاهلية المجتمع، وطرح فكرة أكثر خطورة، وهي “ردة المجتمع”، وما بين المصطلحين فرق كبير، تترتب عليه أحكام تهدر الدماء. فأدرك الأسد أن المواجهة مع الإخوان المسلمين قادمة، وعليه أن يؤجلها حتى يتمكن من مواجهتها!

 

بعد معركتي 1950 و1973، نحن اليوم أمام معركة ثالثة أشد خطورة من سابقتيها؛ إذ إن التيار الإسلاموي يصرُّ على أسلمة الدستور القادم، ولديه من أسباب القوة أكثر بكثير مما كان يمتلك في المعركتين السابقتين.

 

ولكن ما حجج التيار الإسلاموي الشرعية؟

 

الحجة الأولى: “صحيفة المدينة”

يتذرعون بصحيفة المدينة، كدليل شرعي لإدخال الدين في الدستور، وهذا تدليس شعبوي. فلو قرأنا الصحيفة بتدبر، فسنجد أنها عقد اجتماعي بين المكون الجديد (المسلمين) في يثرب، وباقي المكونات الأخرى القديمة؛ إذ ترسل الصحيفة رسائل تطمئن تلك المكونات، وهذا واضح من السطر الأول لها، ومن الموقّعين عليها؛ إذ يقول نص الوثيقة: “هذا كتابٌ من محمد النبي بين المؤمنين من قريش وأهل يثرب”([2]). وهذا يعني أن الصحيفة تنظّم العلاقة بين مكونات مختلفة العقائد، وليست وثيقة قهرت أهل يثرب على اعتقاد واحد ودين واحد وشريعة واحدة، كما يود الإسلامويون الحصول عليه في كتابة الدستور الجديد.

وقد يقول بعضهم: إن في الصحيفة بعض التميّز للمسلمين، وأقول: إنه تميُّز فيما بينهم مع قريش، لأنهم في حالة حرب معها، وليس على الآخرين من يثرب، وأن هذا التميز نُسِخ بصلح الحديبية، فالصحيفة كُتبت في السنة الأولى للهجرة، وصلح الحديبية كان في السنة الثامنة للهجرة! وقد “حوت الصحيفة اثنين وخمسين بندًا: خمسة وعشرين منها خاصة بأمور المسلمين، وسبعة وعشرين مرتبطة بالعلاقة بين المسلمين وأصحاب الأديان الأخرى، ولا سيّما اليهود وعبدة الأوثان. وقد دُونت على نحو يسمح لأصحاب الأديان الأخرى بالعيش مع المسلمين بحرية، ولهم أن يقيموا شعائرهم حسب رغبتهم، ومن غير أن يتضايق أحد الفرقاء. وفي حال هاجم المدينةَ عدوٌ، عليهم أن يتحدوا لمجابهته وطرده” ([3]).

وكم نتمنى لو أن الإسلامويين يهتمون بثقافة المواطنة، ويقرؤون الصحيفة على هذا الأساس، لا على أساس أكثرية وأقلية، أو قوي وضعيف، وبتدبّر الوثيقة؛ نستخلص ما يلي:

– الاعتراف بالتعددية الدينية، والحق لأهل كل اعتقاد بالتعبير عن طقوسهم.

– العدل والمساواة والحرية حقوق لكل أبناء المجتمع، على اختلاف مشاربهم الفكرية والدينية.

– الانتصار لأي مظلوم من أبناء المجتمع من أي طغيان أو تعدٍّ يتعرض له.

– المحافظة على المدينة، ومنع أي فرد من أبنائها من نشر الفساد فيها أو إشاعة الظلم أو الفتنة.

– لا يؤخذ أحد بجريرة أحد، بل يحاسب المخطئ فقط على خطيئته.

– احترام حقوق الآخرين وعدم التعدي عليهم بذريعة الحرية الشخصية.

– منع حماية المجرمين والتستر عليهم أو مناصرتهم.

– تكافل وتضامن أبناء المجتمع الواحد للمشاركة في المصائب، ماديًا ومعنويًا.

– لا يُعفى أحد من جرمه بذريعة الدين أو النسب أو لمكانته السياسية أو الاجتماعية.

– تشكيل ما يشبه صناديق المساعدة المادية لمساعدة الغارمين والمحتاجين والفقراء.

– حق المواطنة مكفول لكل مواطني المدينة، سواء كانوا مسلمين أم يهودًا أم غير ذلك.

 

ولم يذكر النبي أيّ دليل على أن تكون الشريعة الإسلامية مرجعًا يحتكمون إليه، وترك ذلك كل حسب شريعته، وكان إذا احتكم إليه اليهودُ يسألهم: أعلى شريعتكم أم على شريعتنا؟([4]).

 

الحجة الثانية أن “الإسلام صالح لكل زمان ومكان”([5]).

الإسلام صالح لكل زمان ومكان، ولكن ليس بمنظاركم الراغب في السلطة، وإن الإنسانية دين الأديان، والتديّن الذي لا إنسانية فيه هو تديّن مغشوش ومزيّف، ودعاته يكذبون على الله، فالقرآن بدأ باسم الله، وانتهى باسم الإنسان، والدين في خدمة الإنسان والعكس خطأ. فالدستور كما الله (قياس مع الفارق)؛ الله وصف نفسه في كتابه بأنه “ربّ العالمين”، أي رب الجميع يرزقهم ويرعاهم سواء كانوا مؤمنين أم غير مؤمنين، وكذلك الدستور لكل المواطنين، يحميهم ولا يميز بينهم على أساس ديني أو طائفي أو عرقي. فإنْ كنا صادقين في تأسيس دولة المواطنة، فعلينا أن نؤسس بعمق ثقافة المواطنة، ولا تتحقق المواطنة، إن لم يتساو أبناء الوطن كلهم في الحقوق والواجبات دون أي تمييز.

ولمن يريد إعادة استنساخ المادة الثالثة (دين رئيس الدولة الإسلام)، نقول: لا نريد رئيسًا متديّنًا، فهذا شأنه مع ربه، إنما نريد رئيسًا عادلًا، وقد ولّى عهد الرئيس الفرد القائد، ولا بد أن يكون مقام الرئاسة مؤسساتيًا يديره فريق من أشخاص ممثلين بشخص أمام الشعب، عندئذ لا عبرة إنْ كان هذا الشخص امرأة أو رجلًا، ولمن يعترض على تولي المرأة الرئاسة باسم الدين، نقول: لا دليل قطعيًا يؤيد ذكورية القيادة([6]).

وعودة لمقولة “الإسلام صالح لكل زمان ومكان”، أيّ إسلام تقصدون؟ فلدينا أكثر من إسلام، الشيعي أم السلفي أو الصوفي أو الجهادي.. إلخ؟ وبهذه المقولة تريدون فرض علينا فهمًا لإسلام يناسب مشروعكم السياسي لا الإسلام ذاته، الذي يعرفه المسلمون كافة. ثم تريدون إحراجنا بقولكم: “أنتم ترفضون الإسلام”.

نعم، نحن نرفض فهمكم السياسي للإسلام، ولا نؤمن بالإسلام التاريخي الذي أنتج دينًا موازيًا، لكننا نؤمن بمقاصد الدين الإنسانية والتوحيدية، ولا نظن أن دينًا من الأديان الثلاثة جاء ليؤسس إمبراطورية باسم الله، لهذا لا نؤمن بوهمكم المسمى (الخلافة) فهذا كان فهمًا بشريًا للإسلام، اقتضاه شكل الدولة آنذاك، وسطوًا سياسيًا عليه، بدأ بالأمويين وانتهى بالعثمانيين، ويريد التحريريون والإخوان والجهاديون استعادة وهمهم المفقود([7]).

وإذا كنتم تأخذوننا إلى عبارات الأصوليين وقواعدهم، فنحن نعيدكم إلى عبارات أصولية محكمة، إذ قالوا: “الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان”. فالزمان تغير والمجتمعات تطورت، من مجتمعات تعيش الأيديولوجية الدينية وتفرضها على الآخرين، إلى عصر المواطنة وحقوق الإنسان، فإعادة عقارب الساعة إلى الوراء دليلٌ إفلاس لا إبداع([8]).

فما هي مهمة الدستور والقانون المنبثق عنه؟ أليست هي حماية المواطن والمجتمع، وأنَّ هدف الحدود الشرعية هو حماية المواطن والمجتمع من أيّ اعتداء؟ وبناءً على نظرية الشاطبي في المقاصد؛ فإن أي دستور يستند إلى حمايتهما فهو قائم على مقاصد الرسالات السماوية التي جاءت لحماية الإنسان، وجعلته مقدسًا من أن تنتهك قدسيتَه سلطٌة سياسية مستبدة أو دينية غاشمة، تدّعي أنها تمثل الله سبحانه وتعالى.

إن الأديان الثلاثة كانت إنقاذًا للإنسان من أن يكون قربانًا حتى لله، لذلك نقول: الدين في خدمة الإنسان لا العكس. الأديان حولت الإنسان، من إنسان الغريزة إلى إنسان الخطيئة، ثم من الإنسان القربان إلى الحيوان القربان، وسنَّت الإبراهيمية الحنيفة ذلك.

لكن مشروع الإسلام السياسي عبر التاريخ عكَس القاعدة، وأعادنا إلى الإنسان القربان، من أجل السلطة باسم الدين، فذهب الآلاف من أبنائنا قرابين لتحقيق طموح الإسلام السياسي بالعودة إلى السلطة. وعلى مدار مئة عام من تاريخ ولادة الإسلام السياسي، ذهب عشرات الآلاف من شبابنا ضحايا فكرة لا تتناسب مع رسالات السماء، فبعد أن أقنعوا المتدينين بقدسية التاريخ وطهرانيته، بدؤوا بإيديولوجية صناعة المستقبل المقدس المثالي، من خلال عودة الخلافة، قياسًا على قدسيّة التاريخ، وتاريخنا السياسي مدنّس لا مقدس. والإسلام دعوة لا دولة، وكم أضرَّ إسلام الدولة إسلام الدعوة.

المراجع : 

[1] ـ معلومات حصلت عليها من أعضاء في اللجنة الدستورية الممثلة للمعارضة.

 

[2] ـ راجع صحيفة المدينة عند ابن كثير في كتابه (البداية والنهاية).

 

[3] ـ المستشرق الروماني جيورجيو: ممدوح الشيخ: مدخل إلى ثقافة قبول الآخر: رؤية إسلامية (الطبعة الثالثة 2018). المركز الدولي للدراسات والاستشارات والتوثيق.

 

[4] ـ راجع حادثة عبد الله بن سلام في الزنا، وهي مذكورة في صحيح البخاري.

 

[5] ـ أول من أطلق هذا الشعار هو عبد العزيز جاويش في عام 1905 في مؤتمر تونس، للرد على حمالات التبشير، ثم تبناها حسن البنا وروّجها؛ وجاويش من أشد مناصري الخلافة ثم من مؤسسي جمعية الشبان المسلمين.

 

[6] ـ حديث أبي بِكرة (ما أفلح قوم ولّوا أمورهم امرأة) لم يصح سندًا، وإن صح وقبله بعض المحدثين والفقهاء في عصرهم الذكوري، فهو تحليل للنبي، وليس إخبارًا.

 

[7] ـ راجع بحثنا المنشور في مركز حرمون للدراسات بعنوان: (حلم الخلافة من البنا إلى البغدادي).

 

[8] ـ راجع في هذه القاعدة كتب: إعلام الموقعين عن ربّ العالمين لابن القيّم. والقواعد الفقهية للشيخ مصطفى الزرقا، والقواعد الفقهية للعزّ بن عبد السلام.

  • Social Links:

Leave a Reply