أحمد نسيم برقاوي – مفهوم المتمجد في طبائع الاستبداد 2/2

أحمد نسيم برقاوي – مفهوم المتمجد في طبائع الاستبداد 2/2

أحمد نسيم برقاوي – الهدف:

وبعد: لا يحتاج المرء لكبير عناء ليكشف عن البديل الذي طرحه الكواكبي للاستبداد ولكن كيف السبيل عنده لتجاوز حالة الاستبداد؟ “الاستبداد ينبغي ألا يقاوم بالعنف، كي لا تكون فتنة تحصد الناس حصداً، نعم الاستبداد قد يبلغ من الشدة درجة تنفجر عندها الفتنة انفجارا طبيعياً، فإذا كان في الأمة عقلاء يتباعدون عنها ابتداء، حتى إذا سكنت ثورتها نوعاً وقضت وظيفتها في حصد المنافقين، حينئذ يستعملون الحكمة في توجيه الأفكار نحو تأسيس العدالة، وخير ما تؤسّس يكون بإقامة حكومة لا عهد لرجالها بالاستبداد ولا علاقة لها بالفتنة”.

 

هنا يبرز موقف الكواكبي من العوام. وهو موقف النبيل النخبوي، أو قل يميز الكواكبي بين تمرد العقلاء والساعين إلى المجد، وخاصة مجد النبالة وهو البذل في سبيل الجماعة. وبين تمرد العوام وهو تمرد آني، ويأتي لأسباب مخصوصة مهيجة فورية كما يقول.

 

فالعوام لا يثور غضبهم إلا عقب مشهد دموي مؤلم يوقعه المستبد على مظلوم يريد الانتقام لناموسه، أو عقب حرب يخرج منها المستبد مغلوباً، أو عقب تظاهر المستبد بإهانة الدين، أو عقب تضيق شديد عام أو حالة فاجعة أو مصيبة، أو عقب تعرض المستبد لناموس العرض، أو تضييق يوجب تظاهر قسم كبير من النساء في الاستجارة، أو عقب ظهور مولاة شديدة من المستبد لمن تعتبره الأمة عدوّاً لشرفها.

 

لا يؤيد الكواكبي هبّة العوام لأن أهدافها من الهبّة غير واضحة وعفوية. فيما مقارعة الاستبداد تحتاج إلى تعقل أهم مظاهره هو معرفة الغاية والخطة، وتعميمها على الناس. إذ دون تحديد الغاية بصراحة ووضوحها وإشهارها بين كافة الناس ينسدّ العمل ويتحول إلى انتقام وفتن.

 

لكن هذا لا يمنع ضرورة تنبيه الأمّة بآلام الاستبداد وحملها على البحث في القواعد السياسية المناسبة لها، وهذا يحتاج إلى وقت حتى يحصل التلهف الحقيقي على نوال الحرية في الطبقات العليا، والتحتي في الطبقات السفلى. كما يقول الكواكبي.

 

والحق أن معجم الكواكبي مثير نوعاً من اللبس في فهمه. فهناك العقلاء والنبلاء والمستبد والمتمجّد والعوام والأمّة والطبقات العليا والطبقات السفلى والخواص والرأي العام. ولو أعدنا ترتيب هذه المفاهيم وتحديدها من خلال نص “طبائع الاستبداد” لوجدنا، أن مفهوم الأمة مفهوم يشير لكل فئات الناس الأغنياء منهم والفقراء، العقلاء والبلهاء والنبلاء والعوام والطبقات السفلى والطبقات العليا.

 

ثم إن العوام مفهوم يشير إلى سواد الشعب دون الخاصة لكنه يضم في ذاته الأغنياء والفقراء. وبالتالي لا ينتمي الأغنياء إلى صنف النبلاء، وآية ذلك أن النبيل صفة عائلية نفسية قبل كل شيء وأحياناً تردّ إلى الأصالة في العائلة. فيما مفهوم الغنيّ ومفهوم الفقير ذوا علاقة مباشرة بالثروة.

 

أما الطبقات العليا والطبقات السفلى فإن نص الكواكبي يسمح لنا بالقول إن الطبقات العليا هي فئة النبلاء والعقلاء والخواص. فيما الطبقات السفلى هي ما دون ذلك، إنها العوام والفقراء.

 

ولهذا نفهم لماذا تتلهف الطبقات العليا على نوال الحرية فيما الطبقات السفلى تتمناه. والفرق بين التلهف والتمني فرق في الكيف والكم .

 

فالمتلهف حزين وشاعر بالكرب والظلم ومحترق. ولهذا فدافعه إلى العقل شديد، فيما التمني شعور سلبي.

 

بل إن كلّ فئة من هذه الفئات السابقة تبنى علاقة خاصة بالاستبداد. ففيما النبلاء والعقلاء والخواص هم أعداء الاستبداد رغم محاولة المستبد الاستعانة ببعض العقلاء الذين سرعان ما يقعون في تناقض معه. فإن، الأغنياء هم كما يقول الكواكبي “أعداؤه فكراً وأوتاره عملاً، منهم ربائط المستبد يذلهم فيئنون ويستدرّهم فيحفون ولهذا يرسخ الذل في الأمم التي يكثر أغنياؤها”.

 

أما الفقراء، وإن كان المستبد يخافهم خوف النعجة من الذئاب كما يقول الكواكبي فإنهم “يخافونه خوف دناءة ونذالة خوف البغاث من العقاب، فلا يجسرون على الافتكار فضلاً عن الإنكار.. وقد يبلغ فساد الأخلاق في الفقراء أن يسرهم فعلاً رضاء المستبد عنهم بأيّ وجه كان رضاؤه”.

 

ومع ذلك فإن الاستعداد الفكري لاستبدال الاستبداد لا يجوز أن يكون مقصوراً على الخواص، بل لا بد من تعميمه حسب الإمكان ليكون مقصوداً بقبول الرأي العام. وكأن الرأي العام هنا هو المجتمع ككل.

 

والمتمجّد ليس صفة طبقية بل هو صفة نفسية – أخلاقية، فالمستبد يستعير متمجّده من كل الفئات الاجتماعية على حسب درجتهم في السفالة واللؤم بلغة الكواكبي.

 

لا شك أن الكواكبي في وصفة الاستبداد وتعريفه جمهور الانتهازيين المتمجّدين قد كشف للعامة السلوك الظاهري للمستبد وأعوانه، كشف آلية سلوك المستبد وآلية دعمه معاً.

 

لكنه ظل وصفياً، متوقفاً فقط عند ما تشاهده العين المجردة، إذ لا يخفي على المرء سواء أكان من العامة أم من الخاصة آلية سلوك المستبد وأعوانه.

 

وهو وصف على أيّ حال مفيد كي يدرك المستبد أنه ظاهر للعيان فيما يذهب إليه، ويدرك المتمجّد أن الآخرين الذين يقع عليهم فعل الاستبداد، وهم أدواته – عارفون بهم وبنفوسهم الوضيعة.

 

لكن سؤال الاستبداد أعمق من مجرد الكشف عن ظاهره، بل السؤال الأساسي في الاستبداد: ما الشروط التي تجعل من الاستبداد واقعاً. فسلوك المستبد وأشكال فعل أدواته لاحقة لظهور الاستبداد، نازعة لاستمراره أنفاً عن رافضيه.

 

فالاستبداد بكلّ أشكاله ظاهرة تاريخية تجد تفسيرها الأول في بنية اجتماعية – اقتصادية وأخلاقية محددة، قام ويقوم على عصبيات مرتبطة بمستوى التطور التاريخي – الاجتماعي والاقتصاد لهذا الشعب أو ذاك.

 

فالمجتمع القبيلي الذي يتحول إلى دولة لا يمكن إلا أن تكون القبيلة الأقوى عدة وعدّاً، وبفضل تحالفات مصلحية، هي العصبية التي تحمل القبيلة إلى سدة الحكم الوراثي المستبد.

 

فيكون الاستبداد حالة طبيعية بهذا المعنى. المهم هو الكشف عن العصبية التي تخلق الاستبداد، العصبية بوصفها ثمرة من ثمرات حال المجتمع الكلية. إنها القاع الأساسي الذي يصدر عنه الاستبداد لأنها تنطوي بالضرورة على المصلحة، والتي هي مفهوم ينتج القوة التعسفية للسلطة.

 

ثم إن استمرار السلطة كما هي يخلق الوعي بآلية الحفاظ عليها رغم التغيرات التي تصيب المجتمع. وهنا نقع على الظاهرة التالية: فإذا كان الاستبداد نتيجة طبيعية لمستوى تطور المجتمع في لحظة من لحظات تاريخه، فإن استمراره يحتاج إلى مواجهة الشروط الجديدة التي تتناقض مع بقائه، هنا يزداد الاستبداد تعسفاً ويصير بحاجة أكبر لأدوات المجتمع المادية والأيديولوجية.

 

بل إن وعي الاستبداد حالة ينتجها تطور المجتمع نفسه. إذ قد يمر حين من الدهر دون أن ينشأ لدى الناس هذا الإحساس بالاستبداد. فتطور البنية التي أنتجت الاستبداد سابقاً يخلق الشرط الضروري لمواجهته، لأنها تخلق قوى اجتماعية جديدة، لم تعد قادرة على تحمل الاستبداد كظاهرة تحن إلى الماضي وليس إلى الحاضر.

 

فآل عثمان الذين حكموا البلاد والعباد منذ القرن السادس عشر ظلوا بمأمن من التمردات النافية للاستبداد بالمعنى السياسي – الاجتماعي للكلمة. صحيح أنهم واجهوا حركات انفصالية، لكنها لم تكن حركات ضد الاستبداد أصلاً. بل حركات تريد أن تخلق استبدادها الخاص بها. حتى جاءت التحولات الكبرى في العالم وفي الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر، تحولات في الاقتصاد والثقافة والحراك الاجتماعي والتكون الطبقي، فظهر الوعي باستبداد الدولة العثمانية بوصفها دولة تنتمي إلى عصر مضى، ولم تعد مطابقة لنـزوع الفئات الاجتماعية الجديدة، وعلى رأسها المثقفون الذين عبّوا من معين الثقافة الأوربية وعكسوا نزوعات الفئات التجارية الجديدة.

 

وفي اللحظة التي يظهر فيها التناقض بين السلطة المستبدة كسلطة تنتمي إلى الماضي، والبنية الاجتماعية الاقتصادية الثقافية الجديدة، تظهر السلطة المستبدة أقصى درجات الاستبداد الممكنة، من قتل وسجن وتعذيب ونفي، ويتحول المتمجّدون الانتهازيون إلى وحوش ضارية.

 

وتكون هذه الحالة في الغالب بداية نهاية السلطة المستبدة. دون أن ينفي ذلك ظهور استبداد جديد قائم على عصبية أخرى حيث يتحول النظام الجديد رويداً رويداً من حالة استبداد قديم إلى حالة استبداد جديد استناداً إلى قول أيديولوجي آخر.

 

وعندها تظل الآليات هي هي مع تغير شكلي فقط. إذ يتحول المتمجّد التقليدي كأبي المهدي الصيادي، إلى متمجّد حديث دون ذكر الأسماء.

 

ولا شك أن تغير عصبية الاستبداد من عصبية قديمة إلى عصبية جديدة يترافق مع تغير في طبيعة القوة. وليس في آلية استخدامها وفي درجة القمع وليس في كيفيته.

 

وهنا لا أقصد بالعصبية الجديدة إلا العصبية الأخرى التي أتت على العصبية الماضية. إذ قد تكون العصبيتان متشابهتان من حيث الجوهر. وقد تنشأ عصبية جديدة مختلفة كل الاختلاف عن استمرار آلية الاستبداد على نحو أشد.

 

فالانتقال قد تم مثلاً في روسيا من استبداد قيصري قديم إلى استبداد ستاليني حديث، هنا تغيرت العصبية وتغيرت أشكال ممارسة الاستبداد دون أن يصيبها – هذه الأشكال – تغيّر في جوهر الممارسة اللهم إلا حفر القبور الجماعية. فالاستبداد ذو المنشأ العائلي أخلى المكان للاستبداد ذي المنشأ الأيديولوجي وهكذا..

 

أما خوف الكواكبي من العامة أو العوام فهو خوف الأرستقراطي النبيل الذي لديه بالأساس موقف مزدر ممن هم أدنى في النسب والحسب، وشعور بالاستعلاء عليهم، وخوف من عنفهم ولاعقلانيتهم.

 

وكان الاستبداد لا يقع إلا على عقلاء الأمة ونبلائها وأصلائها، وهي الفئات الأكثر إحساساً كما يفهم في نصه بالغبن والقهر من سلوك المستبد.

 

لكن التعويل على النبيل والعاقل لا يمنع أن تكون عند الكواكبي نزعة إنسانية أخلاقية تدعو إلى المساواة بين البشر على مستوى الحقوق والواجبات والثروة، وهذا أمر آخر.

 

وبعد: لقد مدنا الكواكبي بنص للقراءة لم يصبه البلى بعد. وهذه هي المأساة الكبرى.

  • Social Links:

Leave a Reply