إضاءة على كتاب السلطة والاستخبارات في سورية, رضوان زيادة

إضاءة على كتاب السلطة والاستخبارات في سورية, رضوان زيادة

أحمد العربي – تحالف قيصر :

 

يعتمد الكاتب في قراءة التاريخ السوري منذ الاستقلال على تقسيم طريقة الحكم إلى ثلاثة جمهوريات.

 

(بنية النظام الاستبدادي السوري الحقيقية وعلى كل المستويات تحت المجهر، نظام يحكمه فرد من خلال عصبة تتغلغل في بنية الدولة والمجتمع).

 

اولا. ولادة الجمهورية الثالثة وبناء التسلطية السورية.

 

الجمهورية الأولى.

 

وهي التي ورثت مرحلة الاستعمار الفرنسي حيث كانت ثلاث سلطات منفصلة : التشريعية والرئاسية والقضائية والتي كان لها حضورها في قيادة الدولة والمجتمع، والتي أنتجت دستورا متقدما في عام 1950، هذه المرحلة امتدت من الاستقلال إلى فترة الوحدة المصرية السورية 1958، ورث السلطة وجوه الحكم أيام المستعمر، مما كان له حضور وفاعلية في أجهزة الدولة ، كبار ضباط الجيش، وكذلك كبار أجهزة السلطة التشريعية والتنفيذية، كان هناك حد أدنى من السلطة الديمقراطية، لكن الدولة كانت محكومة بمشاكل الكيان الحديث التشكيل، وكذلك ولادة دولة (إسرائيل) في فلسطين؛ ككيان معتدي ،غير شرعي يشكل تهديدا وجوديا على سورية أدى إلى وجود تدخلات خارجية في السياسة السورية سواء عبر الطرق الدبلوماسية أو العمل الاستخباري، كان جرح فلسطين ومأساتها حاضرا بقوة، وكذلك إرادة الدول العظمى في عصر الاستقطاب الدولي في عصر الحرب الباردة، حيث يراد لسورية أن تكون جزءا من أحلاف الغرب في مواجهة الاتحاد السوفييتي، وكان هناك استثمار اندفاعة الضباط لامتلاك السلطة في البلاد كمحاولة لإيجاد حلول لمشاكلها المستعصية على كل المستويات، فكانت مرحلة انقلابات عسكرية عدة افتتحها حسني الزعيم بانقلابه الأول، وسرعان ما توالت الانقلابات مستغلة طموحات الضباط وضعف أجهزة الدولة ووجود الدعم الخارجي من هذه الدولة أو تلك.

تميزت هذه المرحلة بعجز الطبقة السياسية والانقلابات والخوف من وضع سورية على طريق الاستقرار والنجاح السياسي، في جيش ضعيف وطبقة سياسية مترهلة وأخرى حزبية جديدة صاعدة تمتلك الاحلام ولا تمتلك الرؤية السياسية، وأحلاف دولية تحاصر سورية وتريدها جزءا من خطتها واجنداتها؛ سورية على خاصرة فلسطين، وصراع مصر عبد الناصر والغرب، ومعركة قناة السويس وتأميمها وتمركز عبد الناصر زعيما عربيا، حاضرا في الوجدان الشعبي السوري، وعند طبقة الحكم والساسة والجيش ، فكان آخر الحلول واسهلها عند الكل ان يلتقوا مع عبد الناصر ليؤسسوا دولة الوحدة مع مصر.

 

(سوريا ترث ادوات حكم المستعمر الفرنسي ورجال الحكم حينها، وترث مشكلة فلسطين والاحتياجات المجتمعية لمجتمع مستقل حديثا، ووسط استقطاب دولي حاد، فشل الجميع بإدارة السياسة السورية حينها مما سارع بالتحاقها بالوحدة مع مصر.)

 

.ثانيا. الجمهورية الثانية.

 

جمهورية الوحدة المصرية السورية، التي ثبتت حكما جديدا كليا، في دولة الوحدة الاندماجية وسوريا دولة اسمها الإقليم الشمالي، حلت الأحزاب ، والجيش توحد وأصبح حضور أغلب الضباط السوريين هامشيا، وبعضهم ابعد لمصر تحسبا من أي عمل يؤثر في الوحدة، وكل مؤسسات الدولة مشتركة، والتبعية شبه مطلقة للدولة المركزية وعلى رأسها عبد الناصر، لم تستطع دولة الوحدة الصمود؛ سواء لاحتجاج الطبقة السياسية السورية التي وجد اغلبها انه مقصى عن دائرة القرار الحقيقي للدولة، ولإحساس الضباط بأنهم ابعدوا عن مركز القرار، وعدم قدرتهم عن تحقيق طموحاتهم السلطوية، وخاصة البعثيين منهم الذين شكلوا اللجنة العسكرية السورية أيام الوحدة في مصر، والتي سيكون لها دورها في مستقبل سوريا القادم، ويضاف إلى ذلك رفض غربي ومن (إسرائيل) للوحدة بما تعنيه من احتمالات مستقبلية لولادة قوة عربية جديدة تضر بمصالحهم في المنطقة، وكذلك أغلب الدول العربية التابعة موضوعيا للغرب ومصالحه، والتي تخاف على حكمها من نموذج الوحدة المقبول شعبيا والطموح في طريقة الحكم وفي مسيرة العدالة الاجتماعية؛ سواء في الملكية أو الإصلاح الزراعي.

اتفق الكل على إسقاط الوحدة وأسقطت في 1961، وانتهت بذلك الجمهورية الثانية في سوريا، أما مرحلة الانفصال فلم تكن أكثر من مرحلة انتقالية، ومحاولة العودة إلى مرحلة ما قبل الوحدة، وهذا لم يعد ممكنا، وكانت فترة سنتين -تقريبا- فترة تخمر وانضاج للظروف لتنتج حركة آذار 1963 التي حضرت البعث للسلطة.

(الوحدة المصرية السورية مطلب شعبي وتاريخي، فشل وعجز القوى السياسية والمجتمعية عن أن تكون بحجم هذا المطلب، و لخدمتهم لمصالحهم الخاصة والفئوية على حسابها، وتكالب القوى الدولية والإقليمية ضدها، لذلك سقطت الوحدة).

 

ثالثها. الجمهورية الثالثة.

 

هي الجمهورية التسلطية التي يهيمن عليها حزب البعث -ولو شكليا- إلى الان.

لم تكن فترة الوحدة مع مصر ترضي طموحات الأحزاب السياسية وخاصة البعث والضباط الذين يحملون توجهه الفكري والسياسي، فعملوا منذ الوحدة عبر لجنتها العسكرية السرية على خلق تنظيم سري عسكري بعثي في أوساط الجيش وجهزوا انفسهم لاستلام السلطة، وكانت فترة الانفصال فترة نموذجية لهم، حيث تحالفوا مع طبقة الضباط الناصريين الكثر – الذين ارتبطوا بعبد الناصر وجدانيا وليس تنظيميا- وهم غير منظمين وغير ناضجين سياسيا وكان هدفهم المركزي إعادة الوحدة مع مصر عبد الناصر، وهذا ما استثمره الضباط البعثيين حيث قاموا معهم بالانقلاب على الانفصال، وسرعان ما أقصاهم عن مراكز القرار، وعندما حاول بعضهم الانقلاب على البعث اعدم من أعدم وهرب البعض وحصلت حملة تسريح كبيرة لهم ستقصي الناصريين عن الجيش بشكل مبكر ونهائي.

.لم تكن طريق البعث في الحكم سهلة فهناك مراكز قوى متصارعة، القيادة التاريخية ممثلة بعفلق والبيطار وما سمي بالقيادة القومية للبعث، وكذلك أكرم الحوراني وفريقه، وهناك اللجنة العسكرية التي ظهر على رأسها بشكل أساسي محمد عمران وصلاح جديد وحافظ الأسد وكلهم من الطائفة العلوية؛ ولهذا دلالته التي ستطبع الحكم في سوريا إلى الآن، يستمر الصراع حتى 1970، حيث سيقصى اولا القيادة التاريخية القومية عفلق وفريقه 1966، ومن ثم ستتم تصفيات ضمن اللجنة العسكرية حيث سيبعد محمد عمران ويستقر في لبنان -ليغتال هناك بعد سيطرة حافظ الأسد على السلطة-، وبعد ذلك سيقصى صلاح جديد ومجموعته بعد انقلاب 1970 وسيودع السجن حتى وفاته، وسيصبح الأسد القائد الأوحد لسورية منذ ذلك الوقت حتى وفاته في 2000.

 

.مرحلة حافظ الأسد وبناء سلطته المطلقة على سورية وشعبها لم تكن سهلة، بل تطلبت منه أن يشق طريقه الخاص ليثبت قانونيا ودستوريا، وعبر حزب البعث الذي أصبح قائدا للدولة والمجتمع بنص الدستور، وأصبح أي عمل حزبي سياسي سوري مجرد ديكور متمم للسلطة المطلقة للأسد، أو ضحية قمع واعتقال واغتيال المعارضين جميعا، وبقسوة تختلف ،حسب قناعة السلطة بخطورتها. وكذلك الهيمنة عبر السلطة التنفيذية، ومن خلال الجيش والأمن كون سلطته مطلقة عبر فترة حكمه كلها.

فعلى مستوى الحزب أعاد ترتيبه بحيث تحول إلى واجهة شعبية والسلطة للأسد نفسه، وأصبح البعث بالتوسع التنظيمي الذي وصل للملايين من المنتسبين مربوط تنظيميا بالأسد وعصبته عبر نظام تعيين من الاعلى للاسفل، قائم على واقع الولاء يدعمه جيش من الشباب المدجنين بدأ من الطلائع، لشبيبة الثورة، لاتحاد الطلبة، وتحول البعث ليكون الحزب الوحيد المخول بالنشاط في أوساط الطلبة والجيش (الذي أصبح عقائديا)، وأصبح الدخول في اجهزة الدولة او التوظيف او اي نشاط عملي يرتبط بالتحزب أو الموافقات الأمنية.

وهنا نأتي للجيش والأمن بصفتهم أدوات القوة والتحكم بالدولة السورية عند الأسد، في الجيش مسيطر عليه عبر شبكة من الضباط أغلبهم من العائلة والعصبة و(الطائفة العلوية)،وكذلك عبر شبكة أجهزة أمنية تتابع كل صغيرة وكبيرة في كل مناحي المجتمع، في كل مناشط الحياة محكومة بالمتابعة الأمنية، وكل المعاملات مع الدولة محكومة بالموافقات الأمنية أيضا، مما شكل تربة صالحة للمحسوبية، وطبقة الفساد والمصالح المتبادلة بين أجهزة الدولة على تنوعها وبين المجتمع، بحيث أصبحت سوريا مزرعة الأسد وعائلته وعصابته بامتياز، وأصبحت الدولة والشعب أدوات هذه المصلحة وضحيتها في ذات الوقت.

بهذا الشكل وعبر جهاز تشريعي – مجلس الشعب – منتخب شكليا معين واقعيا، ودوره يقتصر على تثبيت وتأكيد سياسة الأسد في كل قضايا الدولة والمجتمع، وعبر سلطة تنفيذية محكومة بالسلطة ومصالحها عبر شبكة زبائنية محكومة بكل صغيرة وكبيرة، وكذلك الجيش المهيمن عليه من الأسد وعصابته، والمهيمن على كل شيء في الدولة. الامن الذي شكل الجهاز العصبي العارف بكل تفاصيل الحياة والمجتمع والمتحكم فيها ايضا، هذه آلية سيطرة الاسد على الدولة والمجتمع في سوريا عبر عقود، هرم ثلاثي الأوجه السلطة التنفيذية، والحزب، والجيش والأمن، يتربع على رأسه شخص واحد حافظ الأسد.

(في مرحلة حافظ الأسد أصبحت الدولة السورية جمهورية الأسد بامتياز، عبر هيمنتها على كل مفاصل الدولة المجتمعية والأمنية والسياسية وكل شيء، وعملت فعلا عبر شرعنة العنف على الشعب وممارسته لتصنع دولة الأسد الأبدية.).

 

من خلال هذا الجزء من الكتاب عرفنا كيف صنع حافظ الأسد دولته وثبتها داخليا، وسنعرف من خلال أجزاء الكتاب الاخرى كيفية ادارة الاسد لحكمه اقليميا ودوليا وكيف صنع لنفسه دورا محددا، وكيف جهز سوريا لتكون دولة وراثية سيأتي ابنه بشار الأسد رئيسا لها بعد وفاته.

  • Social Links:

Leave a Reply